[ أهلاً بالضيف الكريم ] 
للتسجيل
أنت الزائر رقم

إحصائيات الموقع

الدول المشاركة
عدد الكتَّاب
عدد النصوص
عدد الكتب
عدد التعليقات
عدد القراءات
عدد التوقيعات
عدد المشتركين
كتَّاب في الانتظار
نصوص في الانتظار
 
عبد الستار خليف يبحث عن بندقية دراسة
التاريخ:الجمعة 15 ابريل 2016  القراءات:(257) قراءة  التعليقات:(0) لا يوجد تعليق  إهداء لصديق طباعة التعليقات أضف للمفضلة

  بقلـــم : السيد الهبيان  
عبد الستار خليف

يبحث عن بنقية

السيد الهبيان

عودة الأرض ..أمل الليل والنهار..حلم النوم والبقظة..أمنية العمر التى تتماثل فى الحياة كخيالات ضبابية ..غير مكتملة الوضوح..و صعبة المنال لحد اليأس.. لكن بدونها لن تستقيم الحياة.. هى أولا.. وبعدها تأت الأمانى الأخرى التى تراود الخيال فى مرحلة الشباب..لذلك يجب أن تعود الأرض..من المستحيل أن تظل فى حوزة مغتصبيها.. ويظل حرمان صاحبها من الانتفاع بها..لو استمر هذا الوضع ..فكيف لميزان العدل أن يستقيم.. هذا من المحال.. وذلك ثمة أمر لا اختلاف عليه... أن يكون المغتصب ..هو الذى يتمتع بخيرها..على مرأى من المالك الحقيقى لها..الذى لايملك قوت يومه.. هذا هو الظلم الصارخ..ومقاومته هدف لا يجب الحياد عنه.. من ثم لتكن المقاومة..حتى يعود الحق لصاحبه..ويبقى أمل التغلب على الظلم ..ليتحقق العدل الذى يراود الإنسان المظلوم..دون أن يدرى ماذا ستكون النهاية.

هذا ما عرض له الكاتب المصرى "عبد الستار خليف".. بعد أن اختاره مضمونا لروايته "البحث عن بندقية".. جاعلا من الظلم والعدل ..قاسما مشتركا لمسار أحداثها.. الظلم كواقع معاش..والعدل أمل يراود خيال المظلومين..وتناول مأساة الإنسان المقهور..من خلال مجتمع بسيط غاص وسط همومه.. ثم بدا معبرا عن رغباته وتطلعاته.. ملقيا الضوء على سلبياته..التى تقف حجر عثرة ..فى طريق تحقيق العدل الذى يسعى إليه.

لم يتجاهل أى شىء تراءى له عمقا أكثر..على المأساة الإنسانية..التى صورها فى روايته.. فوضح جهده من البداية..لحظة نداء "الأم" على ابنها بعد أن افتقدته بجانبها.. وحتى توديعها له دون أن تراه.. وتساؤلها عما إذا كان سيعود من رحلة اللاعودة التى انتهى إليها.. ولم يضعف هذا الجهد ..طوال الرواية ..التى انتقى شخصياتها بعناية واهتمام.. ليستطيع أن يقدم من خلالها مايريد..فحرص على أن يبديها فى أدوارها الحقيقية..التى تمارسها فعلا لاتمثيلا.. وسط الواقع الحى..الذى تعيشه بحكم تواجدها فيه.. وتقديمها فى ذات الحظة التى تحتاجها ..بلا إقحام يخل من مسار الأحداث..

"أمينة".. أرملة عجوز ضريرة.. مات زوجها مقتولا بسبب تمسكه بأرضه ..التى ورثها عن والده.. وفقدت بصرها حزنا عليه..بعد فقدها له.. ولم تستفد من الوصفات البلدية ..فى إعادة بصرها إليها.

"السيد الدودة"..ابن "أمينه’" الذى فقد والده وهو مازال طفلا.. وبعد أن شب عن الطوق.. أخبرته أمه بواقعة مقتل والده.. وكيف تم اغتصاب أرضه بعد ذلك.. فعزم على الأخذ بثأر أبيه ..واسترداد أرضه.. وتخليص العزبة التى يعيشون فيها من الظلم..جعل منه الكاتب..الشخصية المحورية فى الرواية.

"الحاج ناجى"..رمز الظلم ..طويل..قوى..ضخم الجثة.. يرتد إلى أصل يونانى أو تركى.. ثمة شك فى تأديته فريضة الحج..ويقال أن أمه ولدته هناك.. فى الحج.. والبعض يقول أنه ذهب معها وهو صغير ..كان والداه يقيمان فى مصر ..وحضر بعد وفاتهما ليرث العزبة ومن عليها..

"عدس الحلاق"..حلاق العزبة..ويدعى العلم بكل شىء.

"نصار موسى"..وشهرته "الشيخ نصار".. شيخ منصر..مارس جرائم كثيرة فى شبابه..وبعد أن شاخ هجر حياة الليل وعمل خفيرا..وليس من صفاته الغدر أو والخيانة.

"رضوان الأعور".. خسيس ..لايجد من يأمن له.. خان "نصار موسى" الذى جعله رجلا وله قيمة.. رغم أنه كان من صغار الأشقياء.. كان يرشد الإنجليز عمن يسرقهم.. وذهب الكثيرين ضحية غدره.. ثم صار من رجال "الحاج ناجى"..الذى أعطاه قطعة أرض ليلهو بها ويسكت عنه.

"أبو موسى العرباوى".. راع أغنام "الحاج ناجى".

"نعمات" المرأة التى يشتهيها كل رجال العزبة .

"سنية الطنطاوية".. المرأة التى تبيع لحظات المتعة لرجال العزبة..امرأة شابة.. لكنها تبدو وكأنها فى خريف العمر.. هزيلة الخدين.. مصقولة الحاجبين.. الكحلة تضعها بشراهة..والبودرة تلطخ وجهها.. السيجارة أم فلتر بين أصابعها.. صوتها مبحوح من أثر الكيف.. وعاشت طوال عمرها فى الموالد والأفراح..

"الدسوقى"..زوج "سنية الطنطاوية".

"بدرية" خادمة "الحاج ناجى"..براءة الطفولة ترتسم على ملا مح وجهها..جمع الحب بينها وبين "السيد الدودة"..شاركته طفولته بمرحها ولهوها.. ثم شاركته عبث الشباب.. لم ترفض له طلبا أراده منها.. أحبته كما أحبها.. وتمنى أن تشاركه أحلامه التى راودته..ويعيش معها فى بيت واحد".

"شكرى افندى"..مثقف ..رسم له "السيد الدودة" صورا مثالية..احتفظ بها فى ذهنه.

هذه هى شخصيات الرواية الرئيسية.. التى قدمها الكاتب ..بأدوار رئيسية.. كان لها أهميتها فى إبداء أحداثها.. مع مجموعة أخرى من الشخصيات .. حملت مهمة إلقاء الضوء على الحياة ..داخل مجتمع العزبة البسيط ..الذى نسج منه مضمون روايته.."محروس الخولى..الخفير جبر..صبحية نفخو..أحمد أبو شاهين..الشيخ عبد الخالق الشناوى..محمود افندى الشرقاوى ناظر الزراعة..الشيخ ..فرح..نبويه.. حسن ابن نبويه..صبحى زغمور.. أحمد حراز.. عادل مخلوف.. ابو الرجال.. شحاته التومرجى..العمدة".. بدت جميعها بتناوب من خلال ما حدث للشخصية الرئيسية "السيد الدودة"..التى بدا ثمة ارتباط بينه و بينها .لم يكن على درجة واحدة..بدا بوضوح من خلال فصول الرواية الأربعة..بمسمياتها.."الأرض..البندقية..البلدة..الأم"..والتى تتجزأ أحيانا من داخلها.. عبر الأحداث..التى تحدد مكانها فى "قرية البرادلة".. فى زمن امتزج فيه الحاضر بالارتداد إلى الماضى.

لكن الإلمام بأحداث الرواية ..وتتابع نموها وتطورها.. يمكن الوقوف عليه ..من خلال تقسيمها إلى مراحل.. عرضت للمضمون بصورة واضحة..وتتحدد هذه المراحل على ضوء ماعاشه "السيد الدودة" بطل الرواية..منذ اللحظة التى انتبه فيها إلى المأساة التى عاشها..وازداد وعيا بما حوله.. عمل منذ صغره مع أنفار الوسية..وتسبب "الحاج ماجى" فى طرده من المدرسة.. فحرمه من التعليم.. سمى ب "الدودة" عندما اكتشاف المسؤل عن مراقبة عمله فى تنظيف شجر القطن من "الدود".. الذى يستشرى فى لطعة فاقسة دودة وراءه.. يومها أطلق عليه اسم "السيد الدودة"..وصار من حينها معروفا به.. وعندما كبر..اكتشف أنهم يسرقون منه أجر يوم من كل أسبوع يعمله.. فسرق من سرقوه.. وبعد أن ثبتت عليه عملية سرقة.. صار كل من يتعرض للسرقة يتهمه..رغم أنه برىء.. ونتيجة للحياة القاسية التى عاشها سأل أمه:" لم لايكون لنا أرض مثل الافندى والحاج؟..لكنها لم تعطه الجواب الشافى.. ولم تجبه إلا ببضع كلمات قلائل..كان لنا أرض يا بنى.. الحاج أخذها عنوة.. وصمت على مضض ..و كان يقول للصغار عندما يلعبون فى الأجران فى الأماسى القمرية.. ويصنعون دورا وأراضى وقنوات.. هذه مثل أرضنا تماما.. عندما أكبر سآخذها بقوة الدراع.. أزرعها وأرويها.. لكنهم كانوا يسخرون منه.. يهدمون له من أحلام على التراب".

ثم حكت له أمه بعد ذلك ..كيف اغتصب "الحاج ناجى" أرض والده بعد أن أوعز بقتله.. وأكدت له أن والده رفض أن يبيع الأرض التى ورثها عن جده.. تمسك بها..ولم يتخل عنها ل"الحاج ناجى".. وقيدت حادثة القتل بفعل نفوذه ضد مجهول.

آلمه ما عرفه من أمه ..ولأنه لاحول له ولا قوة.. كما أنه كان مرغما على الرضوخ لمن يتحكمون فى إعطائه فرص العمل..لكن سبل العيش ضاقت فى وجهه.. ولم يعد فى مقدوره أن يؤمن له حياة مثل الآخرين.. فواجه أمه: "مافيش حل غير أرضى ..أنا فكرت فى الموضوع ده كتير يامه.. لحد إمتى أفضل أعيش بين حيطان العزبة..زى الكلب الجربان".

حاولت أمه أن تقنعه بأن يتقبل الحياة برضى وقناعة..كالذين يعيشون فى العزبة.. لكنه تمرد فى داخله ..على حال الذل والقلق والجوع.. ثم أخذ يفكر فى مصيره..والتجأ إلى "شكرى افندى" يطلب منه العون فقال له :

• عليك أن تختار..إما أن تعيش دودة الأرض أو سيد الأرض

• إسمى سيد والناس يقولون دودة.

• اختر لك خيرة بين الاثنتين.

أجاب فى أسى :

ليس لى الاختيار.. أن لم أختر إسمى سيدا.. وشهرتى دودة..

قاطعه:

لكنك تختار حياتك..وجودك..تقرر مصيرك..دودة أو سيد".

أبدى عزمه على أنه سوف يأخذ الأرض بالقوة من "الحاج ناجى" ..البعض صدق عزمه.. والبعض استهان به..وسخر منه "محروس الخولى" ..عندما قابله فى الطريق ذات مرة :

"هيه ..لسه برده مصدق كلام أمك..؟.. الحاج هو سيدنا وتاج راسنا..والمثل بيقول العين ماتعلاش على الحاجب..نعم هو صاحب الأرض..الدور..المواضى..والفلاحين"

قال له أيضا:

"لما امك تشوف تحت رجليها..تبقى تدلك عليها"

كانت امه تعرف ما يتعرض له.. فحاولت أن تجعله لايهتم بما يسمعه من كلام الناس..لكنها لم تستطع ومضى فى تفكيره:"المهم ازاى نرجع الأرض.. نعيش طول عمرنا نقول يا اهل البلد لينا أرض..كانت من جسر غيط الجوافة لحد الترعة البسقولنيه ..كان على قمتها ساقيه خشب وجميزه.. وكل يوم والتانى أروح أطلع على المدار أبص عليها..وأنا عايش طول عمرى جعان..لا..لا.. لا أبدا.. لابد نخلص على الحاج ..ساعتها أبويا يرتاح فى قبره..لمايعرف إن الأرض رجعت تانى".

ثم اهتدى أخيرا إلى الحل..الذى تراءى له بعد طول تفكير.." لايوجد شىء تملكه ياسيد تظهر بيه الحق المستحق..حقك دليل على باطل الباطل.. الحاج هنا فى العزبة..ولن يحتاج سوى بندقية"..سيقتل بها الحاج.. فيأخذ بثأر أبيه.. ويخلص أهل العزبه من ظلمه.. لكن الأم عندما عرفت..بما اعتزمه ..انتابها الخوف عليه:

"بتتكلم جد ياسيد يابنى؟"

الكلمات تجمدت..ظلت معلقة فى الهواء..فوق الرؤس.. أجاب فى حزم:

ماعاد منه مفر".

حاولت أن تثنيه عن عزمه خشية أن يبطش به الحاج..وطلبت منه أن يتذرع بالصبر..

" أصبر لحد ما يدفنا فى التراب؟.

قالت فى خوف:

هو انت تقدلر تقف قدامه؟."

كان يعرف أن ذلك ليس بالشىء السهل..فقبله حاول" حسن ابن نبويه" قتل "الحاج ناجى".. لكنه أخفق فى محاولته وهرب.. فأحضر الحاج أمه "نبويه"..وأخذ يسبها ويلعنها..ويتوعدها..مقسما بأغلظ الأيمان ..أنه سيسومها سوء العذاب.. إذا لم تخبره عن مكان ابنها الذى حاول قتله.. وبعد أن يئس منها..طلب إحضار " عدس الحلاق"..وأمره أن يزيل شعرها بالموس..حاول "الحلاق " أن يستعطفه ..لكن الحاج أصر..وشاهد "السيد الدودة" ماحدث.

"صرخت نبويه وهى تشاهد الموس يبرق.. أخفت وجهها بيديها..ساد صمت رهيب..تتردد أنفاسها لافحة..صدرها يعلو ويهبط.. بدأ الشعر يتساقط حولها.. حاول الحاج أن ينتزع منها مكان وادها..لم تجب.. أمر خادمه الأسود "أبو الليل" إحضار "طاسه" بها زيت..وعمل فجوة فى الأرض..وجعل النيران تتوهج تحت الإناء..حتى غلى القار.. أمر خادمه بوضع طاسة الزيت الساحن على فروة رأسها".

وبعد أن حضر ابنها "حسن" ..ورآى ما فعلوه بها..صرخ فيهم وتوعدهم بيوم يجازون فيه على ظلمهم.. لكنهم تكاثروا عليه وأوثقوه بالحبال..ثم نقلوه إلى المركز..ومنه تم ترحيله إلى جبل الطور.

لكن ذلك لم يثن "السيد الدودة" عن إصراره على قتل "الحاج ناحى"..وتفكر: "لو كان عندك بندقيه ياسيد..لربضت بها فى بطن كوبرى حسبو فى انتظار قدوم الحاج..ساعة الغروب..أثناء عودته من عند "زكى افندى ناظر عزبة فرنكو"..وحاول فى البداية الحصول على بندقية "رضوان الأعور".. التى حصل عليها عندما كان يعمل مع الانجليز..لأنه كان يرشدهم عمن يسرقهم..وذهب ضحية غدره الكثيرين..كما انه كان يسرقهم هو أيضا.. وفقد عينه بعد أن أصابه فيها عسكرى حراسة..وهو يحاول السرقة فى مرة من المرات.. ووجد فى البندقية أمله الوحيد ..وأغرته مميزاتها..لكونها بندقية سريعة الطلقات ..لها خزنة محشوة بالذخيرة..فسأل عنها "عدس الحلاق"..الذى أكد له أنه يعرف كل شىء عنها.. ثم اقترح عليه بدلا من المضى فى المتاهات..أن يقصد "الخال موسى".. شيخ المنصر..الذى كان يرهبه وهو صغير ..فقصده..والتقى وهو فى طريقه إليه بمن يعرف مكان بندقية"رضوان الأعور".. فطلب منه أن يدله على مكانها...فقال له:"لما يعدى قطر البضاعة الأحمر على العزبة..ساعة القياله..علشان معلم مكانها به",

لم يتحمل الانتظار.. وواصل طريقه إلى "نصار مرسى".. الذى رحب به..ووعده بأنه سيحقق له ما يطلبه منه..فقال له:"عايزك تسلفنى المقروطة بتاعتك ليلةواحدة".

كان الطلب غريبا على "نصار موسى".. فسأله عن السبب ..كشف له عما انتواه..ووصف له ما سيفعله.. لكنه كرجل خبير محنك فى عالم الليل.. كشف له عن خطئه..ومدى عجزه عن تنفيذ ما يريد.. ثم همس له :" غالى والطلب رخيص يا ابو عرب.. لو كان الود ودى أديها لك.. لكن أخدعك وأضرك لأ.. إنت لسه زى عود الدره الأخضر.. بكره تكبر وتعرف الدنيا على حقيقتها..ويجيلك كلامى.. وتقول صدق الخال موسى".. فتركه وقصد "رضوان الأعور".. ليطلب منه بندقيته.. فكرر له ما قاله الخال موسى.. بأن ما يريد أن يحييه مات من زمن..ولن يستطيع أن يحييه..وسخرمنه :" البندقية ياسيد ماتكون إلا فى ايدين راجل..وحش كاسر تحميه"..رد عليه فى سخرية أغضبته..رغم أنه كان يتوقع..أن ينطق "رضوان" الإسم الثانى له "الدودة".. الأمر الذى جعله يتمادى فى استهتاره به.. ويعتذر له عن إعطائه بندقيته.. فتركه نادما وهو فى حيرة. قائلا فى نفسه"هيه تنهد بمرارة ..ثم ماذا ياسيد..إلى أين ينتهى بك الطريق؟.. هل وصلت إلى حل.. من على مدار الساقية اللعينه بدأت.. فى الغرفة الينيمة عرفت.. من دكان "عدس" انطلقت..هيه..مع الخال "موسى" جلست.. فى عشة "رضوان" نزفت الكثير..وما زلت فى البداية".

لكنه لم ييأس.. وتذكر "أبو موسى العرباوى".. الذى يرعى أغنام "الحاج رضوان" رغم أنه يكرهه.. فقد مرت عربة الدوكار التى يركبها الحاج.. على ساق ابنه ..أثناء هروبه من "حسن ابن نبويه".. عندما كان يحاول قتله.. ويعانى من أزمة نفسية كلما تذكر هذه الحادثة.. لعجزه عن الانتقام منه.

رحب به "أبو موسى"..وتحادث معه عن الظلم الذى يفرضه الحاج على العزبة.. ثم حدد له "السيد" أن الحل هو الخلاص من هذا الظلم.. والذى يتوقف على حصوله على بندقية.. همس الرجل بالقرب من أذنه :

" وغاوى تعمل بيها ايه ياسيد

يكون فيها خلاص العزبة من الكابوس اللى هى عايشه فيه".

حاول "أبو موسى أن يثنيه عن عزمه..لكنه لم يجد منه غير الإصرار..فاقترح عليه أن يحاول الحصول على بندقية "الحاج ناجى" نفسه.. ثم وصف له مكانها.. فتسلل إلى حجرة نوم الحاج.. وانتزع البندقية من مكانها.. لكن حدث ما أيقظ "الحاج" من نومه عد خروجه بالبندقية.. وبدا له "السيد" كشبح حاول أن يعرف حقيقته.. وتشبث "السيد بالبندقية.. وهو يحس بأنها جعلته فى موقف الأقوى.. :

" أنا كل المظاليم فى البلد.. كل البلد.. جاى علشان أرجع الحق لصحابه.

إنت البلد..المظاليم.. لكن أنا صاحب البلد.. والدور والأراضى وكل حاجه ملكى.. لى حرية التصرف فيها.. منين يبقى فيه مظاليم وظالم.. مادمت باتصرف فى حق من حقوقى؟

مش وقته علشان تتكلم فيه عن الحق والظلم.. الكلام ده كنت تقوله من سنين فاتت.. من قبل ما تبنى العزبة من دم الغلابه.. من يوم ما طردت ابن رفاعى من العزبه..زى الكلب الذليل.. من يوم ما رميت ابن نبويه فى جبل الطور.

او كنت مكانى كنت اتصرفت أكتر من كده.

لو كنت مكانك ..كنت أنا أحق بالأرض ..وانت ترحل من البلد.

تعال نبدل الدور..خد مكانى..وانا آخد مكانك.

ياخسارة ..جه كلامك متأخر بعد فوات الأوان.. لما جت نهايتك..اتشاهد على روحك".

ثم حاول إطلاق البندقية.. ليقضى عليه.. لكن الطلقة تعثرت فى داخلها.. ووجدها الحاج فرصة ..فانهال عليه بكرباج سودانى.. كان يحتفظ به..حتى سقطت البندقية من يده.. فقذفه بكرسى فى وجهه.. وفر هاربا.. وطارده الحاج بإطلاق الرصاص عليه حتى أصابه فى قدمه..قبل أن يتمكن من الهرب.. لكن "السيد" استطاع أن يصل إلى عشة "الدسوقى" ..بعد جهد ثم اختفى فيها..كان الدسوقى قد أقامها خارج العزبة ..وجعل منها غرزة.. يشارك الرجال فيها تعاطى المخدرات..ويجعلهم يلتقون فيها بزوجته "سنيه الطمطاويه" بعلمه.. والتى لم تمانع فى اختفاء "السيد الدودة" فى العشه..وحاولت مع زوجها علاجه من إصابته..وتعرضا بسببه للخطر..وهى فى حيرة مما يدفعها إلى الاهتمام به.ولم تدر " لماذا لاتعامله مثل الآخرين..أليس مثل كل الجدعان الذين دخلوا وخرجوا لايربطها بهم شىء.. سوى لحظات المتعة..ونشوة لذة..بقروش زهيدة يدفعونها لها.. لكنها وجدت أنه ليس مثله.. إحساس غريب تحس به..كلما اقتربت منه.. أو لامسته.. لقد مس شغاف قلبها وهى التى بلا قلب".. وعندما تساءلت عن سبب ذلك.. وجدت أن ثمة ما يجمع بينهما.. "الضياع المشترك..كلاب ضالة ليس لها أصحاب..يتقاسما مأساة واحدة.. أم الكار والسرقة والتعميرة والكيف...والغرفة الجوانية"..التى التقت فيها به.. وشاركها على فراشها لحظات المتعة..مثله مثل الآخرين.. ووجوده معها مختفيا عن عينى "الحاج ناجى".. ذكرها بأيام مطاردة البوليس لها ..قبل أن تستقر فى العشة..التى ابتعدت فيها عن مضايقته لها.. لكن"السيد" خشى عليها.. بعد أن تعرض زوجها للأذى بسببه.. وغادر العشة رغم آلام إصابته.. ةفاجا "بدرية" بدخوله عليها فى بيتها.. الذى "تعيش فيه مع أمها الأرملة..وأخيها الوحيد..وجد أنها وحدها من يستطيع الاختفاء فى دارها..دون أن يتطرق الشك إليها.. بسبب قيامها بالعمل فى بيت "الحاج ناجى".

أحدثت محاولة القتل التى لم تنجح.. شرخا فى جدار الخوف الذى يخيم على العزبة.. كما صارت حديث الأهالى.. خاصة بعد أن بدا تعاطف المظاليم معه.. وأخذوا يواسون أمه.. رغم أن بعضهم حاول التشكيك فى جرأته..على القيام بهذا العمل.. ولم يتوان رجال "الحاج ناجى" عن البحث عنه.. بعد اختفائه فى بيت "بدريه"..التى اضظرت إلى إحضار "شحاته التومرجى" ليعالجه من إصابته.. بعد أن أرسلت إليه أخيها لاستدعائه.. مؤكدة عليه أن يدعوه بحجة معالجة أمها.. ولا يبوح بوجود"السيد الدودة" عندهم.. لكن "أحمد ابو شاهين".. بقال العزبة ..استطاع أن ينزع السر من فم الصغير.. ولم يستطع أن يكتمه عن زوجته..اتى أخبرت به "نعمات" التى حبلت أمها فيها من "الحاج ناجى".. ثم هربت بعارها إلى خارج العزبة.. وماتت بعد أن ولدتها مباشرة.. وبعد أن كبرت اشتهاها "الحاج ناجى".لكنه عقد قرانها على "محروس عبد الفتاح" الخفير..وظل على علاقته بها.. وتعودت على لقاء الرجال فى بيتها.. أو الذهاب إليهم.. دون أن تنال منهم مقابل للحظات المتعة التى تمنحها لهم.. لكنها لم تستطع استمالة "السيد الدودة" رغم اشتهائه لها.. فقررت الانتقام منه لرفضه إشباع رغبتها.. وأخبرت "رضوان الأعور" الذى أرشد عن مكانه للحاج.. وعندما أحست "بدريه" بذلك"" أسرعت إلى دارها لتساعده على الهروب.. لكن رجال الحاج لحقوا به.. ثم ذهبوا به إليه.. فأمرهم بأن يوثقوه ويرسلوه إلى المركز ..تمهيدا لترحيله إلى جبل الطور.. ليقضى فيه ما بقى من عمره..جزاء فعلته.. فمضى "السيد" مع الخفير وهو" يعرج فى السير ..السبل مسدودة فى وجهه.. كرهم جميعا لدرجة الموت.. كان يريد أن يصرخ من الأعماق.. ياقاضى القضاة أشكى لمين.. والشكوى لغيرك مذلة "

كان قد فقد الأمل فى مساعدة أهل العزبة له.. لعجزهم عن مواجهة الحاج.. فلم يجد غير أن يوصيهم بأمه.. التى حاولت اللحاق به..وهو فى طريقه إلى المركز..لكنها لم تستطع.. فقد " بدأت قدم العجوز الحافية تتحرك بصعوبة بالغة الوهن.. تبكى وتولول.. وقد تهدل شالها الأسود..وظهرت خصلات شعرها"."مسكين يابنى..ياترى هترجع وأشوفك تانى".

هذه مأساة "السيد الدودة" كما بدت فى مضمون الرواية.. وبدا من خلالها مأساة آخرين..يشاركونه مجتمعه الصغير الذى يعيش فيه..والتى كشفت عنها أمه وهى تتحسس حطواتها فى بداية الرواية باحثة عنه..وهو طفل صغير يعطى ""كوزين دره" للبقال "ابو شاهين" مقابل تلقيمة شاى..فرفض أن يعطيه:

يالله روح ..دول خضر..روح هات لنا دره مصحون.

يعاود الصغير الكلام فى مذلة:

الحاج خد الدره الناشفه ايجار للأرض"

فلا يشفع له تذلله ويطرده البقال فى غضب.كل ذلك يبدى استغلال "الحاج ناجى" لأرض العزبة التى ورثها ومن عليها..فتحولت "نعمات" لامرأة ساقطة..نتيجة رفضها لرغباته..وتعرضت"نبويه" للعقاب الذى أنزله عليها.. لرفضها أن تبوح بمكان"السيد الدودة" بعد محاولته قتله.. وغير ذلك مما يبدى بشاعة القهر والاستغلال..الذى فرضه على البسطاء..الذبن لاحول لهم ولا قوة..وليس فى مقدورهم مواجهته.

ورغم بساطة المجتمع الذى نسج منه الكاتب مضمون روايته..بدا فيه ممارسة الرذيلة ..والمتمثلة فى "نعمات" التى تبحث عن رغبات جسدها..بجسدها المرغوب من الجميع..والذى تمنحه وتمنعه كيفما شاءت..وكان رأى "شكرى افندى" فيها ..أنها الحقيقة الوحيدة فى العزبة..التى تخلو من الكذب والنفاق..لكون حياتها مكشوفة بلا حياء أو خجل..وعرف منها "السيد الدودة" أنه زارها فى بيتها كأى رجل آخر..وعندما رفض أن يصدقها قالت له:"

"كل الناس اللى عاملين أشراف فى البلد زاروا الدار.

قاطعها:

إلا شكرى

هو شكرى أنزل".

فاكتشف أنه كان يجرى وراء سراب..بعد أن حطمت فى ذهنه الصورة المثالية بالنسبة له..وكان ذلك سببا فى رفضه الخضوع لرغباتها.. مما جعلها تنتقم منه بالكشف عن مكان اختفائه..وأوقعته فى قبضة رجال "الحاج ناجى"..الذين قادوه إليه ليلقى مصيره.

و"سنية الطنطاوية" التى تبيع اللذة بعلم زوجها..لتوفير ثمن القوت لأسرتها..

وتكرر الانتقام فيما بدا من "رضوان الأعور" فى تعذيبه لأم "السيد الدودة"..لإرغامها على الكشف عن مكان ابنها..وتحملت ما لاقته منه..لكنها عندما راودها عن نفسها بصقت فى وجهه.. ولم يكن هو وحده الذى عرض عليها هذا الفعل..فقد ساومها على شرفها نفس الرجال..الذين كانت تتمنع عليهم "نعمات" لكنها صدتهم عنها ورفضتهم.

كل ذلك و"العمدة" يلوذ بالصمت ..ويغض الطرف عن أفعال "الحاج ناجى" خشية منه.. رغم المعروف عنه من بطش وقسوة وجبروت.. وعندما ذهبت إليه أم "السيد الدودة" ..لتستنجد به ليحميه من "الحاج ناجى".."هز رأسه..وصمت .. أمينه العميا الكل يعرفها ..الزرابوة والبرادله.. يعرفون حكايتها.مأساتها..مقتل زوجها "محمود الأسود"..اغتصاب أرضه بالقوة.. بوضع اليد.. ابنها السيد وهو يطالب بأرضه..حكاية معروفة ..واضحة كالشمس فى عز الظهيرة.. لكن من يجرؤ على أن يقول ..البغل فى الإبريق".

من خلال المضمون أيضا..يبدو اهتمام الكاتب بالوصف الدقيق ..للمجتمع البسيط الذى اختار منه نماذج روايته..

"بجوار سقيفة المواشى..على حافة المصرف.. جلست "صبحية نفخو"..تعجن روث الماشية بالتبن والقش..تصنع منه أقراص الجلية..تضع الأقراص على أحد أكوام السباخ..لتجف تحت أشعة الشمس.. لشدة العوز لها وقودا للأفران فى أيام امشير الباردة.. تواصل عملها فى همة ونشاط..مع الدندنة بكلمات أغنية غير مفهومة المخارج.. وقد شمرت عن ذراعيها النحيفتين..عقدت طرف ثوبها الأجرب البالى حول خصرها الرفيع.. ظهر السروال المشجر اللون..الطويل أبو كرانيش.. على رأسها عقدة مدورة صفراء باهتة.. وكلبها النحيل على مقربة منها يتثاءب.. يتمطى فى كسل..وهو يرقد بجوار سور السقيفة..والذباب الأصفر ينهش من عينيه".

لم يبد ذلك كصورة تسجيلية تقليدية.. بل قدمه كما هو فى الطبيعة.. ليعرض لواقع الإنسان البسيط المقهور..تعيش فيه نماذح إنسانية ..يسيطر عليها الظام..وتعانى من الانسحاق الاجتماعى...وطرح من خلالها تساؤلات لم يعط لها إجابة..تساوت مع بساطة السلبية التى اتسمت بها.. وكأنما لايكف إدانة البؤس والقهر..والظواهر السلبية لتكون ثمة قضية.. إذ كيف تسير الحياة.. التى بلا طريق للخلاص من الظلم..بينما يراودها أمل ميت..مع الأخذ فى الحسبان ..محاولة التصرف بإيجابية ..اتسمت بصفة التمرد فى محاولة"السيد الدودة"..التى تمخضت عن إحباط فى النفوس بفعل ما نتهت إليه.

ولم يقتصر الوصف الدقيق للصورة الفردية..وإنما طال أيضا الصورة العامة لماهية الحياة الريفية.

" ثغاء أغنام فى الطريق..بعض النسوة فى طريقهن إلى الترعة البسقلونية.. جلابيبهن السوداء القديمة على اللحم..من لحظات راعشة فى ليلة أمس.. فى الصباح الباكر قبل أن يفضحهن ضوء النهار..يغطسن تحت كوبرى عزبة حسبو..قبل أن تكثر الأرجل على تراب السكة..المشبع بقطرات الندى".

وتخطاه إلى ربط التقاء "نعمات" و "رضوان الأعور"..داخل غيط الجوافة ..بمحاولة حيوانية ..تمثلت فى مطاردة الكلاب لكلبة بغية وطئها:

" اقتربت الكلاب تشم مؤخرتها..ثم وثب فوقها كلب أسود فحل.."كلب رضوان" التصق بمؤخرتها فى نشوة..ظل يروح ويجىء بكل قوته على ظهر الكلبة.. تصلب جسده أكثر.. طوقها بمقد مته..تلاحقت اندفاعاته بقوة وسرعة حتى لهث.. تدلى لسانه خارج فمه..بعد مدة طويلة عادت "نعمات" من داخل الجوافة..تحمل على صدرها أوراق الذرة والحشائش الخضراء.. وجهها أصفر كالليمون مثل وجه الأموات.. رغم ذلك تبتسم".

إجادة الوصف على هذا النحو ..لاتقل عنه إجادة البناء الروائى ..الذى بدا بمزج بين الحال وارتداد إلى الماضى.. بتوافق لايشوبه الخلل.. لكن هذه الإجادة حلت إلى حد كبير ..فى معادلة "السيد الدودة" بصورة "الزناتى خليفة".. بحسبانه كبطل يشى بالايحاء إلى قدرته على تخطى الصعاب.. وفى نسج الجمل أحيانا مما أبداها على غير مقصودها.. بفعل المزج بين السرد والحوار والوصف ..فى مقطع واحدك" الأزمة النفسية التى يعانى منها..قد جاءت.. آه..الحقنى ياعم ابو موسى.. ضم رأسه بين ذراعيه.. سد أذنيه..لايريد أن يسمع.. أواه..ارحمونى ياعالم..اتركوا رحمة ربنا تنزل.. قرفص ركبتيه وضمهما إلى صدره..تلوى..تكور.. جأر كالثور.. صوت العرباوى ما بك ياولدى.. سيد..ياابو عرب.. هه..طرقعة الدوكار قى أذنى..صوت الحدوة فى أرجل البغلة الرعناء..تدوس فوق دماغى.. الرحمة يا رب..ارحم عبيدك".

ويضاف إلى ذلك حوار الشخصيات بما لايتوافق مع مستواهم افكرى البسيط.. لكن كل هذا لايرق لينال من جودة الرواية فى مجملها..بحسبان أنها رواية الكاتب الأولى..خلت من الملل فى متابعة تطور الأحداث..رغم مناخ الكابوس الذى أرخى بظلاله على الشخصيات.. وبدت كإضافة جديدة إلى فصول الدراما الإنسانية..وضح فيها المعنى الرمزى..للصراع الدائم بين الظلم والعدل".

* * *
* * *
* * *
* * *
* * *
* * *
* * *

السيد الهبيان

عبد الستار خليف يبحث عن بنقية السيد الهبيان عودة الأرض ..أمل الليل


عبد الستار خليف
يبحث عن بنقية
السيد الهبيان


عودة الأرض ..أمل الليل والنهار..حلم النوم والبقظة..أمنية العمر التى تتماثل فى الحياة كخيالات ضبابية ..غير مكتملة الوضوح..و صعبة المنال لحد اليأس.. لكن بدونها لن تستقيم الحياة.. هى أولا.. وبعدها تأت الأمانى الأخرى التى تراود الخيال فى مرحلة الشباب..لذلك يجب أن تعود الأرض..من المستحيل أن تظل فى حوزة مغتصبيها.. ويظل حرمان صاحبها من الانتفاع بها..لو استمر هذا الوضع ..فكيف لميزان العدل أن يستقيم.. هذا من المحال.. وذلك ثمة أمر لا اختلاف عليه... أن يكون المغتصب ..هو الذى يتمتع بخيرها..على مرأى من المالك الحقيقى لها..الذى لايملك قوت يومه.. هذا هو الظلم الصارخ..ومقاومته هدف لا يجب الحياد عنه.. من ثم لتكن المقاومة..حتى يعود الحق لصاحبه..ويبقى أمل التغلب على الظلم ..ليتحقق العدل الذى يراود الإنسان المظلوم..دون أن يدرى ماذا ستكون النهاية.
هذا ما عرض له الكاتب المصرى "عبد الستار خليف".. بعد أن اختاره مضمونا لروايته "البحث عن بندقية".. جاعلا من الظلم والعدل ..قاسما مشتركا لمسار أحداثها.. الظلم كواقع معاش..والعدل أمل يراود خيال المظلومين..وتناول مأساة الإنسان المقهور..من خلال مجتمع بسيط غاص وسط همومه.. ثم بدا معبرا عن رغباته وتطلعاته.. ملقيا الضوء على سلبياته..التى تقف حجر عثرة ..فى طريق تحقيق العدل الذى يسعى إليه.
لم يتجاهل أى شىء تراءى له عمقا أكثر..على المأساة الإنسانية..التى صورها فى روايته.. فوضح جهده من البداية..لحظة نداء "الأم" على ابنها بعد أن افتقدته بجانبها.. وحتى توديعها له دون أن تراه.. وتساؤلها عما إذا كان سيعود من رحلة اللاعودة التى انتهى إليها.. ولم يضعف هذا الجهد ..طوال الرواية ..التى انتقى شخصياتها بعناية واهتمام.. ليستطيع أن يقدم من خلالها مايريد..فحرص على أن يبديها فى أدوارها الحقيقية..التى تمارسها فعلا لاتمثيلا.. وسط الواقع الحى..الذى تعيشه بحكم تواجدها فيه.. وتقديمها فى ذات الحظة التى تحتاجها ..بلا إقحام يخل من مسار الأحداث..
"أمينة".. أرملة عجوز ضريرة.. مات زوجها مقتولا بسبب تمسكه بأرضه ..التى ورثها عن والده.. وفقدت بصرها حزنا عليه..بعد فقدها له.. ولم تستفد من الوصفات البلدية ..فى إعادة بصرها إليها.
"السيد الدودة"..ابن "أمينه’" الذى فقد والده وهو مازال طفلا.. وبعد أن شب عن الطوق.. أخبرته أمه بواقعة مقتل والده.. وكيف تم اغتصاب أرضه بعد ذلك.. فعزم على الأخذ بثأر أبيه ..واسترداد أرضه.. وتخليص العزبة التى يعيشون فيها من الظلم..جعل منه الكاتب..الشخصية المحورية فى الرواية.
"الحاج ناجى"..رمز الظلم ..طويل..قوى..ضخم الجثة.. يرتد إلى أصل يونانى أو تركى.. ثمة شك فى تأديته فريضة الحج..ويقال أن أمه ولدته هناك.. فى الحج.. والبعض يقول أنه ذهب معها وهو صغير ..كان والداه يقيمان فى مصر ..وحضر بعد وفاتهما ليرث العزبة ومن عليها..
"عدس الحلاق"..حلاق العزبة..ويدعى العلم بكل شىء.
"نصار موسى"..وشهرته "الشيخ نصار".. شيخ منصر..مارس جرائم كثيرة فى شبابه..وبعد أن شاخ هجر حياة الليل وعمل خفيرا..وليس من صفاته الغدر أو والخيانة.
"رضوان الأعور".. خسيس ..لايجد من يأمن له.. خان "نصار موسى" الذى جعله رجلا وله قيمة.. رغم أنه كان من صغار الأشقياء.. كان يرشد الإنجليز عمن يسرقهم.. وذهب الكثيرين ضحية غدره.. ثم صار من رجال "الحاج ناجى"..الذى أعطاه قطعة أرض ليلهو بها ويسكت عنه.
"أبو موسى العرباوى".. راع أغنام "الحاج ناجى".
"نعمات" المرأة التى يشتهيها كل رجال العزبة .
"سنية الطنطاوية".. المرأة التى تبيع لحظات المتعة لرجال العزبة..امرأة شابة.. لكنها تبدو وكأنها فى خريف العمر.. هزيلة الخدين.. مصقولة الحاجبين.. الكحلة تضعها بشراهة..والبودرة تلطخ وجهها.. السيجارة أم فلتر بين أصابعها.. صوتها مبحوح من أثر الكيف.. وعاشت طوال عمرها فى الموالد والأفراح..
"الدسوقى"..زوج "سنية الطنطاوية".
"بدرية" خادمة "الحاج ناجى"..براءة الطفولة ترتسم على ملا مح وجهها..جمع الحب بينها وبين "السيد الدودة"..شاركته طفولته بمرحها ولهوها.. ثم شاركته عبث الشباب.. لم ترفض له طلبا أراده منها.. أحبته كما أحبها.. وتمنى أن تشاركه أحلامه التى راودته..ويعيش معها فى بيت واحد".
"شكرى افندى"..مثقف ..رسم له "السيد الدودة" صورا مثالية..احتفظ بها فى ذهنه.
هذه هى شخصيات الرواية الرئيسية.. التى قدمها الكاتب ..بأدوار رئيسية.. كان لها أهميتها فى إبداء أحداثها.. مع مجموعة أخرى من الشخصيات .. حملت مهمة إلقاء الضوء على الحياة ..داخل مجتمع العزبة البسيط ..الذى نسج منه مضمون روايته.."محروس الخولى..الخفير جبر..صبحية نفخو..أحمد أبو شاهين..الشيخ عبد الخالق الشناوى..محمود افندى الشرقاوى ناظر الزراعة..الشيخ ..فرح..نبويه.. حسن ابن نبويه..صبحى زغمور.. أحمد حراز.. عادل مخلوف.. ابو الرجال.. شحاته التومرجى..العمدة".. بدت جميعها بتناوب من خلال ما حدث للشخصية الرئيسية "السيد الدودة"..التى بدا ثمة ارتباط بينه و بينها .لم يكن على درجة واحدة..بدا بوضوح من خلال فصول الرواية الأربعة..بمسمياتها.."الأرض..البندقية..البلدة..الأم"..والتى تتجزأ أحيانا من داخلها.. عبر الأحداث..التى تحدد مكانها فى "قرية البرادلة".. فى زمن امتزج فيه الحاضر بالارتداد إلى الماضى.
لكن الإلمام بأحداث الرواية ..وتتابع نموها وتطورها.. يمكن الوقوف عليه ..من خلال تقسيمها إلى مراحل.. عرضت للمضمون بصورة واضحة..وتتحدد هذه المراحل على ضوء ماعاشه "السيد الدودة" بطل الرواية..منذ اللحظة التى انتبه فيها إلى المأساة التى عاشها..وازداد وعيا بما حوله.. عمل منذ صغره مع أنفار الوسية..وتسبب "الحاج ماجى" فى طرده من المدرسة.. فحرمه من التعليم.. سمى ب "الدودة" عندما اكتشاف المسؤل عن مراقبة عمله فى تنظيف شجر القطن من "الدود".. الذى يستشرى فى لطعة فاقسة دودة وراءه.. يومها أطلق عليه اسم "السيد الدودة"..وصار من حينها معروفا به.. وعندما كبر..اكتشف أنهم يسرقون منه أجر يوم من كل أسبوع يعمله.. فسرق من سرقوه.. وبعد أن ثبتت عليه عملية سرقة.. صار كل من يتعرض للسرقة يتهمه..رغم أنه برىء.. ونتيجة للحياة القاسية التى عاشها سأل أمه:" لم لايكون لنا أرض مثل الافندى والحاج؟..لكنها لم تعطه الجواب الشافى.. ولم تجبه إلا ببضع كلمات قلائل..كان لنا أرض يا بنى.. الحاج أخذها عنوة.. وصمت على مضض ..و كان يقول للصغار عندما يلعبون فى الأجران فى الأماسى القمرية.. ويصنعون دورا وأراضى وقنوات.. هذه مثل أرضنا تماما.. عندما أكبر سآخذها بقوة الدراع.. أزرعها وأرويها.. لكنهم كانوا يسخرون منه.. يهدمون له من أحلام على التراب".
ثم حكت له أمه بعد ذلك ..كيف اغتصب "الحاج ناجى" أرض والده بعد أن أوعز بقتله.. وأكدت له أن والده رفض أن يبيع الأرض التى ورثها عن جده.. تمسك بها..ولم يتخل عنها ل"الحاج ناجى".. وقيدت حادثة القتل بفعل نفوذه ضد مجهول.
آلمه ما عرفه من أمه ..ولأنه لاحول له ولا قوة.. كما أنه كان مرغما على الرضوخ لمن يتحكمون فى إعطائه فرص العمل..لكن سبل العيش ضاقت فى وجهه.. ولم يعد فى مقدوره أن يؤمن له حياة مثل الآخرين.. فواجه أمه: "مافيش حل غير أرضى ..أنا فكرت فى الموضوع ده كتير يامه.. لحد إمتى أفضل أعيش بين حيطان العزبة..زى الكلب الجربان".
حاولت أمه أن تقنعه بأن يتقبل الحياة برضى وقناعة..كالذين يعيشون فى العزبة.. لكنه تمرد فى داخله ..على حال الذل والقلق والجوع.. ثم أخذ يفكر فى مصيره..والتجأ إلى "شكرى افندى" يطلب منه العون فقال له :
• عليك أن تختار..إما أن تعيش دودة الأرض أو سيد الأرض
• إسمى سيد والناس يقولون دودة.
• اختر لك خيرة بين الاثنتين.
أجاب فى أسى :
ليس لى الاختيار.. أن لم أختر إسمى سيدا.. وشهرتى دودة..
قاطعه:
لكنك تختار حياتك..وجودك..تقرر مصيرك..دودة أو سيد".
أبدى عزمه على أنه سوف يأخذ الأرض بالقوة من "الحاج ناجى" ..البعض صدق عزمه.. والبعض استهان به..وسخر منه "محروس الخولى" ..عندما قابله فى الطريق ذات مرة :
"هيه ..لسه برده مصدق كلام أمك..؟.. الحاج هو سيدنا وتاج راسنا..والمثل بيقول العين ماتعلاش على الحاجب..نعم هو صاحب الأرض..الدور..المواضى..والفلاحين"
قال له أيضا:
"لما امك تشوف تحت رجليها..تبقى تدلك عليها"
كانت امه تعرف ما يتعرض له.. فحاولت أن تجعله لايهتم بما يسمعه من كلام الناس..لكنها لم تستطع ومضى فى تفكيره:"المهم ازاى نرجع الأرض.. نعيش طول عمرنا نقول يا اهل البلد لينا أرض..كانت من جسر غيط الجوافة لحد الترعة البسقولنيه ..كان على قمتها ساقيه خشب وجميزه.. وكل يوم والتانى أروح أطلع على المدار أبص عليها..وأنا عايش طول عمرى جعان..لا..لا.. لا أبدا.. لابد نخلص على الحاج ..ساعتها أبويا يرتاح فى قبره..لمايعرف إن الأرض رجعت تانى".
ثم اهتدى أخيرا إلى الحل..الذى تراءى له بعد طول تفكير.." لايوجد شىء تملكه ياسيد تظهر بيه الحق المستحق..حقك دليل على باطل الباطل.. الحاج هنا فى العزبة..ولن يحتاج سوى بندقية"..سيقتل بها الحاج.. فيأخذ بثأر أبيه.. ويخلص أهل العزبه من ظلمه.. لكن الأم عندما عرفت..بما اعتزمه ..انتابها الخوف عليه:
"بتتكلم جد ياسيد يابنى؟"
الكلمات تجمدت..ظلت معلقة فى الهواء..فوق الرؤس.. أجاب فى حزم:
ماعاد منه مفر".
حاولت أن تثنيه عن عزمه خشية أن يبطش به الحاج..وطلبت منه أن يتذرع بالصبر..
" أصبر لحد ما يدفنا فى التراب؟.
قالت فى خوف:
هو انت تقدلر تقف قدامه؟."
كان يعرف أن ذلك ليس بالشىء السهل..فقبله حاول" حسن ابن نبويه" قتل "الحاج ناجى".. لكنه أخفق فى محاولته وهرب.. فأحضر الحاج أمه "نبويه"..وأخذ يسبها ويلعنها..ويتوعدها..مقسما بأغلظ الأيمان ..أنه سيسومها سوء العذاب.. إذا لم تخبره عن مكان ابنها الذى حاول قتله.. وبعد أن يئس منها..طلب إحضار " عدس الحلاق"..وأمره أن يزيل شعرها بالموس..حاول "الحلاق " أن يستعطفه ..لكن الحاج أصر..وشاهد "السيد الدودة" ماحدث.
"صرخت نبويه وهى تشاهد الموس يبرق.. أخفت وجهها بيديها..ساد صمت رهيب..تتردد أنفاسها لافحة..صدرها يعلو ويهبط.. بدأ الشعر يتساقط حولها.. حاول الحاج أن ينتزع منها مكان وادها..لم تجب.. أمر خادمه الأسود "أبو الليل" إحضار "طاسه" بها زيت..وعمل فجوة فى الأرض..وجعل النيران تتوهج تحت الإناء..حتى غلى القار.. أمر خادمه بوضع طاسة الزيت الساحن على فروة رأسها".
وبعد أن حضر ابنها "حسن" ..ورآى ما فعلوه بها..صرخ فيهم وتوعدهم بيوم يجازون فيه على ظلمهم.. لكنهم تكاثروا عليه وأوثقوه بالحبال..ثم نقلوه إلى المركز..ومنه تم ترحيله إلى جبل الطور.
لكن ذلك لم يثن "السيد الدودة" عن إصراره على قتل "الحاج ناحى"..وتفكر: "لو كان عندك بندقيه ياسيد..لربضت بها فى بطن كوبرى حسبو فى انتظار قدوم الحاج..ساعة الغروب..أثناء عودته من عند "زكى افندى ناظر عزبة فرنكو"..وحاول فى البداية الحصول على بندقية "رضوان الأعور".. التى حصل عليها عندما كان يعمل مع الانجليز..لأنه كان يرشدهم عمن يسرقهم..وذهب ضحية غدره الكثيرين..كما انه كان يسرقهم هو أيضا.. وفقد عينه بعد أن أصابه فيها عسكرى حراسة..وهو يحاول السرقة فى مرة من المرات.. ووجد فى البندقية أمله الوحيد ..وأغرته مميزاتها..لكونها بندقية سريعة الطلقات ..لها خزنة محشوة بالذخيرة..فسأل عنها "عدس الحلاق"..الذى أكد له أنه يعرف كل شىء عنها.. ثم اقترح عليه بدلا من المضى فى المتاهات..أن يقصد "الخال موسى".. شيخ المنصر..الذى كان يرهبه وهو صغير ..فقصده..والتقى وهو فى طريقه إليه بمن يعرف مكان بندقية"رضوان الأعور".. فطلب منه أن يدله على مكانها...فقال له:"لما يعدى قطر البضاعة الأحمر على العزبة..ساعة القياله..علشان معلم مكانها به",
لم يتحمل الانتظار.. وواصل طريقه إلى "نصار مرسى".. الذى رحب به..ووعده بأنه سيحقق له ما يطلبه منه..فقال له:"عايزك تسلفنى المقروطة بتاعتك ليلةواحدة".
كان الطلب غريبا على "نصار موسى".. فسأله عن السبب ..كشف له عما انتواه..ووصف له ما سيفعله.. لكنه كرجل خبير محنك فى عالم الليل.. كشف له عن خطئه..ومدى عجزه عن تنفيذ ما يريد.. ثم همس له :" غالى والطلب رخيص يا ابو عرب.. لو كان الود ودى أديها لك.. لكن أخدعك وأضرك لأ.. إنت لسه زى عود الدره الأخضر.. بكره تكبر وتعرف الدنيا على حقيقتها..ويجيلك كلامى.. وتقول صدق الخال موسى".. فتركه وقصد "رضوان الأعور".. ليطلب منه بندقيته.. فكرر له ما قاله الخال موسى.. بأن ما يريد أن يحييه مات من زمن..ولن يستطيع أن يحييه..وسخرمنه :" البندقية ياسيد ماتكون إلا فى ايدين راجل..وحش كاسر تحميه"..رد عليه فى سخرية أغضبته..رغم أنه كان يتوقع..أن ينطق "رضوان" الإسم الثانى له "الدودة".. الأمر الذى جعله يتمادى فى استهتاره به.. ويعتذر له عن إعطائه بندقيته.. فتركه نادما وهو فى حيرة. قائلا فى نفسه"هيه تنهد بمرارة ..ثم ماذا ياسيد..إلى أين ينتهى بك الطريق؟.. هل وصلت إلى حل.. من على مدار الساقية اللعينه بدأت.. فى الغرفة الينيمة عرفت.. من دكان "عدس" انطلقت..هيه..مع الخال "موسى" جلست.. فى عشة "رضوان" نزفت الكثير..وما زلت فى البداية".
لكنه لم ييأس.. وتذكر "أبو موسى العرباوى".. الذى يرعى أغنام "الحاج رضوان" رغم أنه يكرهه.. فقد مرت عربة الدوكار التى يركبها الحاج.. على ساق ابنه ..أثناء هروبه من "حسن ابن نبويه".. عندما كان يحاول قتله.. ويعانى من أزمة نفسية كلما تذكر هذه الحادثة.. لعجزه عن الانتقام منه.
رحب به "أبو موسى"..وتحادث معه عن الظلم الذى يفرضه الحاج على العزبة.. ثم حدد له "السيد" أن الحل هو الخلاص من هذا الظلم.. والذى يتوقف على حصوله على بندقية.. همس الرجل بالقرب من أذنه :
" وغاوى تعمل بيها ايه ياسيد
يكون فيها خلاص العزبة من الكابوس اللى هى عايشه فيه".
حاول "أبو موسى أن يثنيه عن عزمه..لكنه لم يجد منه غير الإصرار..فاقترح عليه أن يحاول الحصول على بندقية "الحاج ناجى" نفسه.. ثم وصف له مكانها.. فتسلل إلى حجرة نوم الحاج.. وانتزع البندقية من مكانها.. لكن حدث ما أيقظ "الحاج" من نومه عد خروجه بالبندقية.. وبدا له "السيد" كشبح حاول أن يعرف حقيقته.. وتشبث "السيد بالبندقية.. وهو يحس بأنها جعلته فى موقف الأقوى.. :
" أنا كل المظاليم فى البلد.. كل البلد.. جاى علشان أرجع الحق لصحابه.
إنت البلد..المظاليم.. لكن أنا صاحب البلد.. والدور والأراضى وكل حاجه ملكى.. لى حرية التصرف فيها.. منين يبقى فيه مظاليم وظالم.. مادمت باتصرف فى حق من حقوقى؟
مش وقته علشان تتكلم فيه عن الحق والظلم.. الكلام ده كنت تقوله من سنين فاتت.. من قبل ما تبنى العزبة من دم الغلابه.. من يوم ما طردت ابن رفاعى من العزبه..زى الكلب الذليل.. من يوم ما رميت ابن نبويه فى جبل الطور.
او كنت مكانى كنت اتصرفت أكتر من كده.
لو كنت مكانك ..كنت أنا أحق بالأرض ..وانت ترحل من البلد.
تعال نبدل الدور..خد مكانى..وانا آخد مكانك.
ياخسارة ..جه كلامك متأخر بعد فوات الأوان.. لما جت نهايتك..اتشاهد على روحك".
ثم حاول إطلاق البندقية.. ليقضى عليه.. لكن الطلقة تعثرت فى داخلها.. ووجدها الحاج فرصة ..فانهال عليه بكرباج سودانى.. كان يحتفظ به..حتى سقطت البندقية من يده.. فقذفه بكرسى فى وجهه.. وفر هاربا.. وطارده الحاج بإطلاق الرصاص عليه حتى أصابه فى قدمه..قبل أن يتمكن من الهرب.. لكن "السيد" استطاع أن يصل إلى عشة "الدسوقى" ..بعد جهد ثم اختفى فيها..كان الدسوقى قد أقامها خارج العزبة ..وجعل منها غرزة.. يشارك الرجال فيها تعاطى المخدرات..ويجعلهم يلتقون فيها بزوجته "سنيه الطمطاويه" بعلمه.. والتى لم تمانع فى اختفاء "السيد الدودة" فى العشه..وحاولت مع زوجها علاجه من إصابته..وتعرضا بسببه للخطر..وهى فى حيرة مما يدفعها إلى الاهتمام به.ولم تدر " لماذا لاتعامله مثل الآخرين..أليس مثل كل الجدعان الذين دخلوا وخرجوا لايربطها بهم شىء.. سوى لحظات المتعة..ونشوة لذة..بقروش زهيدة يدفعونها لها.. لكنها وجدت أنه ليس مثله.. إحساس غريب تحس به..كلما اقتربت منه.. أو لامسته.. لقد مس شغاف قلبها وهى التى بلا قلب".. وعندما تساءلت عن سبب ذلك.. وجدت أن ثمة ما يجمع بينهما.. "الضياع المشترك..كلاب ضالة ليس لها أصحاب..يتقاسما مأساة واحدة.. أم الكار والسرقة والتعميرة والكيف...والغرفة الجوانية"..التى التقت فيها به.. وشاركها على فراشها لحظات المتعة..مثله مثل الآخرين.. ووجوده معها مختفيا عن عينى "الحاج ناجى".. ذكرها بأيام مطاردة البوليس لها ..قبل أن تستقر فى العشة..التى ابتعدت فيها عن مضايقته لها.. لكن"السيد" خشى عليها.. بعد أن تعرض زوجها للأذى بسببه.. وغادر العشة رغم آلام إصابته.. ةفاجا "بدرية" بدخوله عليها فى بيتها.. الذى "تعيش فيه مع أمها الأرملة..وأخيها الوحيد..وجد أنها وحدها من يستطيع الاختفاء فى دارها..دون أن يتطرق الشك إليها.. بسبب قيامها بالعمل فى بيت "الحاج ناجى".
أحدثت محاولة القتل التى لم تنجح.. شرخا فى جدار الخوف الذى يخيم على العزبة.. كما صارت حديث الأهالى.. خاصة بعد أن بدا تعاطف المظاليم معه.. وأخذوا يواسون أمه.. رغم أن بعضهم حاول التشكيك فى جرأته..على القيام بهذا العمل.. ولم يتوان رجال "الحاج ناجى" عن البحث عنه.. بعد اختفائه فى بيت "بدريه"..التى اضظرت إلى إحضار "شحاته التومرجى" ليعالجه من إصابته.. بعد أن أرسلت إليه أخيها لاستدعائه.. مؤكدة عليه أن يدعوه بحجة معالجة أمها.. ولا يبوح بوجود"السيد الدودة" عندهم.. لكن "أحمد ابو شاهين".. بقال العزبة ..استطاع أن ينزع السر من فم الصغير.. ولم يستطع أن يكتمه عن زوجته..اتى أخبرت به "نعمات" التى حبلت أمها فيها من "الحاج ناجى".. ثم هربت بعارها إلى خارج العزبة.. وماتت بعد أن ولدتها مباشرة.. وبعد أن كبرت اشتهاها "الحاج ناجى".لكنه عقد قرانها على "محروس عبد الفتاح" الخفير..وظل على علاقته بها.. وتعودت على لقاء الرجال فى بيتها.. أو الذهاب إليهم.. دون أن تنال منهم مقابل للحظات المتعة التى تمنحها لهم.. لكنها لم تستطع استمالة "السيد الدودة" رغم اشتهائه لها.. فقررت الانتقام منه لرفضه إشباع رغبتها.. وأخبرت "رضوان الأعور" الذى أرشد عن مكانه للحاج.. وعندما أحست "بدريه" بذلك"" أسرعت إلى دارها لتساعده على الهروب.. لكن رجال الحاج لحقوا به.. ثم ذهبوا به إليه.. فأمرهم بأن يوثقوه ويرسلوه إلى المركز ..تمهيدا لترحيله إلى جبل الطور.. ليقضى فيه ما بقى من عمره..جزاء فعلته.. فمضى "السيد" مع الخفير وهو" يعرج فى السير ..السبل مسدودة فى وجهه.. كرهم جميعا لدرجة الموت.. كان يريد أن يصرخ من الأعماق.. ياقاضى القضاة أشكى لمين.. والشكوى لغيرك مذلة "
كان قد فقد الأمل فى مساعدة أهل العزبة له.. لعجزهم عن مواجهة الحاج.. فلم يجد غير أن يوصيهم بأمه.. التى حاولت اللحاق به..وهو فى طريقه إلى المركز..لكنها لم تستطع.. فقد " بدأت قدم العجوز الحافية تتحرك بصعوبة بالغة الوهن.. تبكى وتولول.. وقد تهدل شالها الأسود..وظهرت خصلات شعرها"."مسكين يابنى..ياترى هترجع وأشوفك تانى".
هذه مأساة "السيد الدودة" كما بدت فى مضمون الرواية.. وبدا من خلالها مأساة آخرين..يشاركونه مجتمعه الصغير الذى يعيش فيه..والتى كشفت عنها أمه وهى تتحسس حطواتها فى بداية الرواية باحثة عنه..وهو طفل صغير يعطى ""كوزين دره" للبقال "ابو شاهين" مقابل تلقيمة شاى..فرفض أن يعطيه:
يالله روح ..دول خضر..روح هات لنا دره مصحون.
يعاود الصغير الكلام فى مذلة:
الحاج خد الدره الناشفه ايجار للأرض"
فلا يشفع له تذلله ويطرده البقال فى غضب.كل ذلك يبدى استغلال "الحاج ناجى" لأرض العزبة التى ورثها ومن عليها..فتحولت "نعمات" لامرأة ساقطة..نتيجة رفضها لرغباته..وتعرضت"نبويه" للعقاب الذى أنزله عليها.. لرفضها أن تبوح بمكان"السيد الدودة" بعد محاولته قتله.. وغير ذلك مما يبدى بشاعة القهر والاستغلال..الذى فرضه على البسطاء..الذبن لاحول لهم ولا قوة..وليس فى مقدورهم مواجهته.
ورغم بساطة المجتمع الذى نسج منه الكاتب مضمون روايته..بدا فيه ممارسة الرذيلة ..والمتمثلة فى "نعمات" التى تبحث عن رغبات جسدها..بجسدها المرغوب من الجميع..والذى تمنحه وتمنعه كيفما شاءت..وكان رأى "شكرى افندى" فيها ..أنها الحقيقة الوحيدة فى العزبة..التى تخلو من الكذب والنفاق..لكون حياتها مكشوفة بلا حياء أو خجل..وعرف منها "السيد الدودة" أنه زارها فى بيتها كأى رجل آخر..وعندما رفض أن يصدقها قالت له:"
"كل الناس اللى عاملين أشراف فى البلد زاروا الدار.
قاطعها:
إلا شكرى
هو شكرى أنزل".
فاكتشف أنه كان يجرى وراء سراب..بعد أن حطمت فى ذهنه الصورة المثالية بالنسبة له..وكان ذلك سببا فى رفضه الخضوع لرغباتها.. مما جعلها تنتقم منه بالكشف عن مكان اختفائه..وأوقعته فى قبضة رجال "الحاج ناجى"..الذين قادوه إليه ليلقى مصيره.
و"سنية الطنطاوية" التى تبيع اللذة بعلم زوجها..لتوفير ثمن القوت لأسرتها..
وتكرر الانتقام فيما بدا من "رضوان الأعور" فى تعذيبه لأم "السيد الدودة"..لإرغامها على الكشف عن مكان ابنها..وتحملت ما لاقته منه..لكنها عندما راودها عن نفسها بصقت فى وجهه.. ولم يكن هو وحده الذى عرض عليها هذا الفعل..فقد ساومها على شرفها نفس الرجال..الذين كانت تتمنع عليهم "نعمات" لكنها صدتهم عنها ورفضتهم.
كل ذلك و"العمدة" يلوذ بالصمت ..ويغض الطرف عن أفعال "الحاج ناجى" خشية منه.. رغم المعروف عنه من بطش وقسوة وجبروت.. وعندما ذهبت إليه أم "السيد الدودة" ..لتستنجد به ليحميه من "الحاج ناجى".."هز رأسه..وصمت .. أمينه العميا الكل يعرفها ..الزرابوة والبرادله.. يعرفون حكايتها.مأساتها..مقتل زوجها "محمود الأسود"..اغتصاب أرضه بالقوة.. بوضع اليد.. ابنها السيد وهو يطالب بأرضه..حكاية معروفة ..واضحة كالشمس فى عز الظهيرة.. لكن من يجرؤ على أن يقول ..البغل فى الإبريق".
من خلال المضمون أيضا..يبدو اهتمام الكاتب بالوصف الدقيق ..للمجتمع البسيط الذى اختار منه نماذج روايته..
"بجوار سقيفة المواشى..على حافة المصرف.. جلست "صبحية نفخو"..تعجن روث الماشية بالتبن والقش..تصنع منه أقراص الجلية..تضع الأقراص على أحد أكوام السباخ..لتجف تحت أشعة الشمس.. لشدة العوز لها وقودا للأفران فى أيام امشير الباردة.. تواصل عملها فى همة ونشاط..مع الدندنة بكلمات أغنية غير مفهومة المخارج.. وقد شمرت عن ذراعيها النحيفتين..عقدت طرف ثوبها الأجرب البالى حول خصرها الرفيع.. ظهر السروال المشجر اللون..الطويل أبو كرانيش.. على رأسها عقدة مدورة صفراء باهتة.. وكلبها النحيل على مقربة منها يتثاءب.. يتمطى فى كسل..وهو يرقد بجوار سور السقيفة..والذباب الأصفر ينهش من عينيه".
لم يبد ذلك كصورة تسجيلية تقليدية.. بل قدمه كما هو فى الطبيعة.. ليعرض لواقع الإنسان البسيط المقهور..تعيش فيه نماذح إنسانية ..يسيطر عليها الظام..وتعانى من الانسحاق الاجتماعى...وطرح من خلالها تساؤلات لم يعط لها إجابة..تساوت مع بساطة السلبية التى اتسمت بها.. وكأنما لايكف إدانة البؤس والقهر..والظواهر السلبية لتكون ثمة قضية.. إذ كيف تسير الحياة.. التى بلا طريق للخلاص من الظلم..بينما يراودها أمل ميت..مع الأخذ فى الحسبان ..محاولة التصرف بإيجابية ..اتسمت بصفة التمرد فى محاولة"السيد الدودة"..التى تمخضت عن إحباط فى النفوس بفعل ما نتهت إليه.
ولم يقتصر الوصف الدقيق للصورة الفردية..وإنما طال أيضا الصورة العامة لماهية الحياة الريفية.
" ثغاء أغنام فى الطريق..بعض النسوة فى طريقهن إلى الترعة البسقلونية.. جلابيبهن السوداء القديمة على اللحم..من لحظات راعشة فى ليلة أمس.. فى الصباح الباكر قبل أن يفضحهن ضوء النهار..يغطسن تحت كوبرى عزبة حسبو..قبل أن تكثر الأرجل على تراب السكة..المشبع بقطرات الندى".
وتخطاه إلى ربط التقاء "نعمات" و "رضوان الأعور"..داخل غيط الجوافة ..بمحاولة حيوانية ..تمثلت فى مطاردة الكلاب لكلبة بغية وطئها:
" اقتربت الكلاب تشم مؤخرتها..ثم وثب فوقها كلب أسود فحل.."كلب رضوان" التصق بمؤخرتها فى نشوة..ظل يروح ويجىء بكل قوته على ظهر الكلبة.. تصلب جسده أكثر.. طوقها بمقد مته..تلاحقت اندفاعاته بقوة وسرعة حتى لهث.. تدلى لسانه خارج فمه..بعد مدة طويلة عادت "نعمات" من داخل الجوافة..تحمل على صدرها أوراق الذرة والحشائش الخضراء.. وجهها أصفر كالليمون مثل وجه الأموات.. رغم ذلك تبتسم".
إجادة الوصف على هذا النحو ..لاتقل عنه إجادة البناء الروائى ..الذى بدا بمزج بين الحال وارتداد إلى الماضى.. بتوافق لايشوبه الخلل.. لكن هذه الإجادة حلت إلى حد كبير ..فى معادلة "السيد الدودة" بصورة "الزناتى خليفة".. بحسبانه كبطل يشى بالايحاء إلى قدرته على تخطى الصعاب.. وفى نسج الجمل أحيانا مما أبداها على غير مقصودها.. بفعل المزج بين السرد والحوار والوصف ..فى مقطع واحدك" الأزمة النفسية التى يعانى منها..قد جاءت.. آه..الحقنى ياعم ابو موسى.. ضم رأسه بين ذراعيه.. سد أذنيه..لايريد أن يسمع.. أواه..ارحمونى ياعالم..اتركوا رحمة ربنا تنزل.. قرفص ركبتيه وضمهما إلى صدره..تلوى..تكور.. جأر كالثور.. صوت العرباوى ما بك ياولدى.. سيد..ياابو عرب.. هه..طرقعة الدوكار قى أذنى..صوت الحدوة فى أرجل البغلة الرعناء..تدوس فوق دماغى.. الرحمة يا رب..ارحم عبيدك".
ويضاف إلى ذلك حوار الشخصيات بما لايتوافق مع مستواهم افكرى البسيط.. لكن كل هذا لايرق لينال من جودة الرواية فى مجملها..بحسبان أنها رواية الكاتب الأولى..خلت من الملل فى متابعة تطور الأحداث..رغم مناخ الكابوس الذى أرخى بظلاله على الشخصيات.. وبدت كإضافة جديدة إلى فصول الدراما الإنسانية..وضح فيها المعنى الرمزى..للصراع الدائم بين الظلم والعدل".


*********************

السيد الهبيان


w w w .    A    r    a    b    i    c    S    t    o    r    y    . n e t

جميع الحقوق محفوظة لشبكة القصة العربية 2001-2007