[ أهلاً بالضيف الكريم ] 
للتسجيل
أنت الزائر رقم

إحصائيات الموقع

الدول المشاركة
عدد الكتَّاب
عدد النصوص
عدد الكتب
عدد التعليقات
عدد القراءات
عدد التوقيعات
عدد المشتركين
كتَّاب في الانتظار
نصوص في الانتظار
 
نعيم تكلا فى قفزات الطائر الأسمر النحيل دراسة
التاريخ:  القراءات:(237) قراءة  التعليقات:(0) لا يوجد تعليق  إهداء لصديق طباعة التعليقات أضف للمفضلة

  بقلـــم : السيد الهبيان  
نعيم تكلا فى

قفزات الطائر الأسمر النحيل

السيد الهبيان

فى عام 1977 بدت بدت مبادرة "مصر" الرامية إلى محاولة إقامة سلام..مع اسرائيل.. التى تعيش حالة حرب دائمة..بينها وبين الدول العربية.. منذ التفكير فى إنشاء الدولة اليهودية.. .. وقبل اعلانها فى عام 1948 الذى شهد أول حرب نظامية بين العرب وإسرائيل.. والتى تبعتها بثلاثة حروب فة أعوام "1956 و1967و1973"... فضلا عن الاعتداءات الإسرائلية المتكررة على الدول العربية التى نحيط لها.. ونتج عن هذه الحروب والاعتداءات آلاف القتلى والجرحى..واحتلال اسرائيل لأجزاء من الأراضى العربية..المجاورة لها..وتم الترويج لهذه المبادرة..بأن حرب اكتوبر 1973 ستكون آخر الحروب بين العرب والعدو الاسرائيلى..حقنا للدماء..ونهاية حالة العداء القائمة منذ سنوات قبلها..وأسفرت هذه المبادرة عن اتفاقية "كامب ديفيد" التى جمعت بين مصر وإسرائيل فى معاهدة سلام..تنسجب بموجبها اسرائيل من الأراضى المصرية التى اختلتها عام 1967..وتبادل السفراء.. وتطبيع العلاقات بين البلدين لإنهاء حالة العداء بينهما. . لكن تطبيع العلاقات ووجه بالرفض من جانب المصريين..وحملت النخبة المثقفة لواء التمسك بهذا الرفض علنيا ..وجهرت به صراحة فى وجه النظام الحاكم الذى قبل بهذه الاتفاقية..وكالعادة بدا من بينهم من يرفض علانية..ويقبله فى داخله...وأخفوا وراء أصواتهم العالية حقيقتهم..التى تم فضخها عندما اشتركوا مع أدباء اسرائيليين فى لقاءات تم الإعلان عنها.. ..لكن كان ثمة من بدوا فى الصورة..مغردين خارج السرب الرافض للتطبيع..منهم من كتب "سيناريو" لم يذكر اسمه ..وقام بنشره على صفحات مجلة أكتوبر الأسبوعية المؤيدة للتطبيع.. والكاتب السكندرى "نعيم تكلا"..بإصداره مجموعته الفصصيية"قفزات الطائر الأسمر الأسمر النحيل"..والتى صدرت عن منشورات "السروجى" بمدينة "عكا".. وأهداها إلى صانعى السلام.. ثم ذكر فى صدارتها ما انتقاه من شعر "أودينيس":

"أتركوا للشجر أن يتبادل العصافير

أتركوا للنوافذ أن تحتفل بفجر آخر"

ثم استهل مجموعته بمقدمة الأديب والباحث الإسرائيلى البيروفسور"ساسون سميخ"..والذى تناول فى مقدمته أعمال بعض الأدباء المصريين.. وقدم ثلاثة كتب للأديب "نجيب محفوظ".. آخرها كتاب "ثلاثة فصول فى أدب نجيب محفوظ".. تناول فيه "الثلاثية"و"حكايات حارتنا"وقصة "زعبلاوى"..كما ذكر فى مقدمته الحركة الأدبية فى الإسكندرية.. موضحا:"أنها حركة أدبية هامة تعمل جاهدة لبلوغ درجة المركزية فى الأدب المصرى المعاصر".. لما تقدمه من شعراء ونقاد وكتاب مسرحية وقصص "تتسم بالتجريبية والأسلوب الجديد"..رغم ارتباطها "بالواقع الحياتى بوشائج متينة".. ثم ذكر "نعيم نكلا" موضحا أنه أخد الأصوات البارزة فى المجموعة الاسكندرانية..وتمتاز قصصه بأسلوب يستطيع تسميته "بالأسلوب الشعرى التلغرافى ..رغم مابين الشعر والتلغراف.. من فارق كبير ..وكل قصة من قصصه تضم فى ثناياها تجربة حياتية عميقة .. لم ينقلها بالأسلوب الواقعى المباشر.. وإنما بالأسلوب الرمزى التعبيرى ..الذى يقربه إلى حد بعيد.. من بعض كتاب الشباب المصرى اليوم.. ولكنه رغم ذلك عطاء متميز لا ريب فى ذاتيته".. كما أشار إلى قصص "نعيم تكلا" المنتشرة فى الصحف والمجلات المصرية والعربية.. والتى أثارت أصداء نقدية ..تدفع إلى الجزم بأن "إنتاجه انطلق إلى العالم الواسع ..ولم يبق مغمورا فى مدينة أو إقليم".. ومجموعته "الطائر الأسمر النحيل".. تمثل اتساعا وتطورا فى عالمه.. وفى تكنيكه القصصى.. ولعل أبرز مايبدو فى هذه المجموعة من الناحية المضمونية ..هى تلك النبرة المؤيدة للسلام..والأخوة بين الشعبين العربى والإسرائيلى.. كما بدا فى قصص "العلامة على صدر شوشانا"و"صورة مدرسية"و"بولا"و"بكيت فى حبك يا أنعام"و "يوم الافتتاح" ..وغيرها لم تكتب بأى حال بالأسلوب التقريرى المباشر..بل تتميز بزخم التجربة..وتجريبية الأداء..فلا عجب إذن أن بعض هذه القصص ترجم إلى العبرية..ونشر فى الصحف الأدبية فى إسرائيل.

وانتهى "سوميخ" فى مقدمته ..إلى أنه ليس لديه شك "فى أن هذه المجموعة هى بادرة جديدة ..فى الجو الثقافى فى الشرق الأوسط..ولعلها ترهص بغهد جديد ..تسوده الأخوة والمحبة".

وفور صدور هذه المجموعة ..اهتمت بها الصحافة الإسرائيلية.. لكونها تمثل أول مجموعة قصصية لكاتب مصرى تنشر فى إسرائيل.. ومن بين ما نشر عنها.. مابد فى ملحق جريدة الأنباء الإسرائيلية الثقافى,, كما تناولها الكاتب "محمود غنايم" بالتحليل..وأفرد مقاله"للحديث عن بعض الظواهر التى تتصل بمضمون هذه القصص وأسلوبها.. وهى ظواهر ذات دلالة أدبية عامة.. فى فهم هذه القصص.. وفهم الجوانب الإنشائية للتأليف الأدبى".. ووجد فى القصص الخمس الأخيرة .."بولا"وصورة مدرسية"و"العلامة على صدر شوشانا"و"بكيت فى حبك يا إنعام"و"يوم الافتتاح"..تتحدث عن اليهود فى مصر..بصورة مؤيدة..تدعو إلى الوقوف عليها..لما لها من جدة موضوعية..لم يعهدها القصص المصرى من قبل".. وهذه القصص الخمس عدا الأخيرة..هى ما ذكرها "سوميخ" فى مقدمته ..بما يبدى التركيز عليها..لما عرضته فى مضامينها..وفى تناول للكاتب "ميخال سيلع"..ذكر أن هذه المجموعة تضم "تسع قصص تسجيلية ..مكتوبة على هيئة مذكرات..حول علاقة الإنسان بجاره..وحالة الفرد فى المجتمع.. واحتسبها كتابا صغيرا أهداه الكاتب إلى صانعى السلام" ..لكنه رأى أن الإهداء ليس وحده .."فخمس قصص من قصصها مكرسة للحديث عن المسألة اليهودية والإسرائيلية".. واستخلص من القصص الخمس أن "الانفعال المقرون باللقاء المتجدد..يحمل فى طياته إسقاطات متفائلة على المستقبل..وكل ذلك يتم على مستوى العلاقات الشخصية..دونما حاجة للشعارات الطنانة ..حول اللقاء بين الشعوب والمجتمعات".. "وتعالج بقية القصص الصعوبات التى يجابهها الفرد فى المجتمع".

هذه الحفاوة الإسرائلية بالمجموعة.. قابله استنكار بدا فى بعض المجلات المصرية..لصدورها فى إسرائيل.. بما يعد تطبيعا العلاقات الثقافية ..فى دولة مرفوض تواجدها وسط العالم العربى.. لاحتلالها أجزاء كبيرة منه.. وتسببت فى تشريد الشعب الفلسطينى.. خاصة وقد أبدى الكاتب بوضوح من خلال مضامين قصصها التغزل فى النجمة السداسية التى تتوسط العلم الإسرائيلى الذى صار مرفوعا على أرض مصر.

كما بدا تحذير من كاتب سكندرى نشره فى صحيفة سعودية..لتنبيه الأدباء العرب لما يحيكه لهم العدو الصهيونى.. من أجل اجنذابهم ..واحتوائهم لطبع أعمالهم ونشرها مقابل الحصول على مبالغ طائلة من وراء هذا النشر.. وبالتالى قد يدفع هذا بعضهم إلى الكتابة بعيدا عن محور القضايا العربية المعاصرة..التى تشغل بال كل إنسان عربى مخلص يدافع عن وطنه.. ووصف كاتب سكندرى آخر هذه المجموعة بأنها "خيانة ربما كان المسئول عنها وعى شاذ بالتاريخ.. أو جهل واع لاجتلاب طنطنة مؤقتة..وثراء يتجاوز قدرتنا على التخيل.. جاسوسية من نوع تائه رخيص..وسيلتها الوحيدة هى شرف الكلمة".. ووصف قصصها بأنها" مجموعة أحاديث خائنة"..ودونما انفعال أو إدانة أو اتهامات..ذكر كاتب آخر فى جريدة مصرية..أن السبب فى لجوء الكتاب المصريين إلى النشر فى إسرائيل.. هو تضاؤل فرص النشر فى مصر..ودعا إلى حل هذه المشكلة ..تجنبا لتكرا عملية النشر فى إسرائيل..وبدا الخلاف حول هذه المجموعة..بين رافض لإقدام الكاتب على النشر فى إسرائيل..ومؤيد له.. بينما التزم البعض بالصمت ولم يعلن رأيه.. وفى مواجهة بين الكاتب وبين من استنكروا فعله..وطالبوا بمقاطعته..دونما تحديد لماهية هذه المقاطعة..وكيفية تنفيذها.. أعلن الكاتب أنه قدم هذه المجموعة فى حب "مصر"..الذى عبر عنه بطريقته الخاصة .

وفى ندوة بالمركز الثقافى الأمريكى بالإسكندرية ..أقيمت لمناقشة هذه المجموعة .. وتمت دعوتى لحضورها..فوجئت بهطول الثناء على الكاتب والإشادة بمجموعته ..من جميع من تحدثوا عنها.. وبدوت كالمغرد خارج السرب..عندما توجهت بسؤال للكاتب "كيف استطعت أن تكتب هذه القصص بهذه الحماسة وتشيد برفع العلم الإسرائيلى على أرض مصر"..وكانت نتيجة هجومى على الكاتب واستنكار مافعله..أن تطوع أحد الحضور بمعاقبتى ..بنشر ادعاءات كاذبة عنى..ورغم أنه ذكر معى أربعة أخرين..إلا أن الضجة اثيرت حولى فقط..وبالاسم دون تعرض للآخرين..إلى حد نشراستغاثة لوزير الثقافة لينقذنى مما ادعوا أننى أسعى إليه..بحسبان أنى أشكل خسارة فى الوسط الأدبى.. وكنت أقابل كل هذا بسخرية..ثم بعد سنوات فوجئت باعتذار من نشر الادعاءات الكاذبة عنى..مؤكدا لى "لقد أخطأت" . لكن اعتذاره هذا جاء بعد أن كوفىء على فعلته.

هذا بعض ما أثير حول هذه المجموعة عقب نشرها.. ترحيب بها فى إسرائيل..وقبول ورفض من بعض النخبة المصرية..لكن الإحساس المقبض برفع العلم الإسرائيلى على أرض مصر..كان سيد الموقف بلا جدال..لكنها فى المجمل تحمل رؤية الكاتب لما عرض له من مضامين تتماشى مع مبادرة السلام فور الإعلان عنها..من منطلق الترويج لها بصور أدبية..تبدو أنها مؤيدة لها..على أساس ماقدمه الكاتب من خلالها.

ففى الأربع قصص الأولى..من المجموعة البالغ عددها تسع قصص تبدو هموم الفرد داخل المجتمع الذى يعيش فيه.. من خلال رصد لتحركات الآخرين.. ولأحداث تتمخض عنها نظرة مأساوية لما سيكون بعدها.. ثم تبشير بالخلاص من الشعور بالامتهان من قبل الآخرين..

فى قصة "مطبعة الأنفوشى"..ثمة شخص غامض ..يبدو كل مساء بين صحبة من رواد المقهى ..ويحتفى به الجميع.. لكن تلك الحفاوة التى يقابل بها.."هامسة..وكأنها تحاذر من الاصطدام بأمور قابلة للكسر".. الأمر الذى يثير الشكوك حوله ..رغم أنها قد لاتكون فى محلها.. فثمة "تيقن راسخ بأن لهم وجوها حقيقية..خلف القناع" الذى يتخفون وراءه..لكن ذلك الشخص الغامض يختلف فى تخفيه.."ملامحه الرخوة غير المميزة ..تتعلق باستحالات لاحصر لها..ولا تدرى إن كطانت تجذب للاقتراب نتع أو تنفرك منه".. ومن خلال ملاحظة سطحية ..لما يبدو منه..فى مجليه..وما يبدو من احتفاء به.. يبدو فى دائرة المرض..ويبدو ثمة تساؤل حول اهتمامه بأمور منزله.. واستبعاد لفكرة كونه زوجا.. "امتلاؤه ونعومة بشرته الواضحة.. وبحة صوته".. تبدو كجنس مجهول.. لأن ذلك يشكك فى رجولته.. ولا يدنيه من الأنوثة.. كما يثير الانقباض الذى يشعر به بطل القصة فى داخله..عندما يروى ذلك الشخص الغامض أمثلة حول ما هيته تبدو ساذجة.. وسخيقة..لأنها تأتى متأخرة فى إطار العماء الذى يشغل هذا الإنسان".. فلن يدهشه لو كان سفاحا..أو هاربا من القانون..أو لوطيا أو جاسوسا أو مخربا.. لكن لو تحددت ماهيته سيكون قابلا للتعريف.. وفى أمسية من الأمسيات..ينكشف مايبدى حقيقة ذلك الشخص الغامض.. فقد استطاع الوصول إلى مطبعة سرية بمنزل أحد الصيادين بحى الأنفوشى.. وتنصل "من أكثر الجهات وطنية وتقدمية".. التى كانت موجودة فى أواخر الأربعينات.. ثم دخلت امرأة من رواد المقهى ..جلست معه..وسحبته بعد انصراف مريديه.. وعادت بعد ساعة تبكى بحرقة ولم تفصح بشىء.. "وفى المساء التالى كان ذلك الإنسان فى مجلسه المعتاد ..ولم يلبث أن تقاطر من جوله مريدوه".

وفى "القصة الأولى من ثلاث قصيرة حدا قبل الحريق"..يبدو العجوز الذى "رأى المياه تنساب من ماسورة الصرف.. وتنسكب على الأرض الحجرية..المنحدرة قليلا ..لتأخذ مسارات متشغعبة".. "والكل يبتعد عنها..هربا من الخصار الذى سد جميع المخارج..فأرغموا على استنشاق الرائحة الكريهة التى ملأت الجو كله".. فنظر إلى " الصهريج العالى الذى تبدو على وجهه آثار دماء قديمة..والذى تبرز منه ماسورة الصرف وقال:

ــــ بلزم أكثر من نصف عام.. تتحلل كل الجثث بداخله..ولكننا فى خلال ذلك المدى نكون قد غرقنا تماما".

وفى "القصة الثانية من قصص قبل الحريق".. الرجل المحتضر..الذى "أصابته الرصاصة فى أذنه واخترقتها إلى خشب الشباك".. وأدرك لماذا لايصاب سواه.. ثم حاول أن يواجه مصدر الطلقات المركزة عليه وحده.. فى لحظات الاحتضار ينطلق طيف أبيض.."صغيرا كحمامة يضىء موله كل شىء".. ويحلق الطيف ويكبر ..ويشبه امرأة نورانية باسطة ذراعيها جماحها..فيصرخ وهو يبكى أن تأخذه ويرتفع إليها.

وفى "القصة الثالثة من قصص قبل الحريق".. الشخص الذى لا يبالى باستغاثة من استنجد به بعد منتصف الليل.. ليخبره بأن المنزل ينهار.. ثم يستحيل الأمر بينهما إلى سخافة.. لكن يعتريه قلق..ويحلم فى يقظته ..بينما تعتريه رجفة خوف.."وأنا راقد على جنبى الأيسر أحلم مستيقظا بإشعال حريق".

وفى قصة " الحلم الأول من أحلام يوسف والأحداث الأليمة".. من قصة يوسف"..يبدو النهر الذى يتراءى آخذا فى النقصان.."والبشر يحدقون فى ذهول وجزع".. ويمتد مجراه فى أرض جرداء..ويهب الطاعون بعد سبات سبع عقود..يحصد الآلاف..ويلقى بها فى "المجرى الفارغ للنهر ..الذى تنسكب من جنباته سوائل داكنة الحمرة..وأخرى سوداء لها خرير كئيب..وتفوح منها رائحة عفنة ووحى بالصراخ والدم..ويضيع كل شىء فى القاع الآسن".

وفى قصة "الحلم الثانى من أحلام يوسف".. تبدو القدور الهائلة التى "تغلى بداخلها أطراف آدمية لاحصر لها".. وبعد النضج تمتد يد الآكلين ..الذين يتخمون بأطراف الأطفال.

وفى قصة "الحلم الثالث من أحلام يوسف".. تبدو جثة الوحش البحرى.. التى تتراءى "كالصوت الذى ذكرته التوراة..فى قصة يونان النبى".. يقذفها البحر الأبيض المتوسط مصابة بالتعفن والتحلل..يتفرق عنها الناس وهم حزانى ..وبعد حرب تطول بدا زمنها كالدهور.. تبد الجثة لازالت "ملقاة على الشاطىء..والأمواج تأكل منها فتعود هيكلا عظميا هائلا ناصع البياض".

وفى قصة "قفزات الطائر الأسمر النحيل".. يبدو المتسول "كشبح وهو يتساند على عكازه ..وجسده به آثار جروح ثلاث لم تندمل بعد".. يذهب للشرطة ليشكو سائق سيارة صفعه ..لأنه عبر أمام سيارته ببطء.. فيحس وهو فى قبضة رجال الأمن أنه هو الجانى الأثيم..وليس المظلوم الذى ذهب يستنجد بهم..وهو يحمل رقم السيارة التى كادت أن تدهسهورغم ذلك يستحسن خروجه من قسم الشرطةبسلام.. بعد أن وعدوه باتخاذ اللازم.. وتبدو محطاته كثيرة على طول طريقه ..ويخشى أن يظنه الناس متسولا ..عندما يستريح بجوار جدار أو سور منزل.. وذات مرة من المرات التى يفقد فيها توازنه..تداعى على الأرض عاجزا تماما.. وساعده صبى أسمر أسماله بالية.. يربت على كتفه بامتنان..ويحاول أن يعطيه مقابلا لما أسداه إليه.. لكن الالصبى يقفز ويبتعد عنه.. وفى المقهى حيث يجلس يحتم من قسوة القيظ والزحام..يهمس له جاره العجوز يستطلع باهتمام أخبار الحرب اللبنانية.."مجزرة رهيبة".. لكنه لم يرد عليه..فيضيف العجوز .."أنهار دماء تسيل و دائما تعلو أصوات الكذب ..وتتمس معالم الحقيقة..فلا تعرف شيئا معرفة صحيحة".. ويصمت أيضا.. وفى محاولة لعبور شارع رهيب..وهو يتساند فى إعياء..تقترب منه سيارة فارهة..ويدعوه سائقها للركوب... لم يصدق زهو يتأمل وجهه البشوش.."ذا اللخية السوداء المشذبة.. ويركب بمساعدة آخرين..ويجد ثلاثة شباب فى المقعد الهلفى يجلسونه بجوارهم.. "كانوا يتحدثون بلكنة غريبة..ويرتدون ثيابا بيضاء فضفاضة".. ويستغرقه جو السيارة المكيف..ورائحته الذكية..ويميل إلى إغفاءة ..لكن السيارة تتوقف.. وهبط

السائق ..واتجه نحو امرأة . بد

ا أنها وافقته على حديثه.. ثم دخلت البناية بينما السائق ينتظر.. ثم عادت بصحبة ثلاث نساء.. ركبن..وأفهمه السائق أن عليه أن ينزل ..ويشكره على توفيره له عناء مسافة طويلة كان سيمشيها.. ويمد يده لمساعدته على النزول..لكنه يجذبه بشدة ويوقعه على الأرض.. ثم تمضى السيارة بسرعة بضحكات الرجال والنساء.. ومرة أخرى ينتشله الصبى الناحل .. ويساعده على النهوض..ويناشده ألا يذهب.. لكنه يبتعد عنه.."بعد أن خلف فى نفسه عزاءا وصفاء.

أربع قصص شكلا .. تبدو من خلالها ثمان مضامين مختلفة.. كل منها على حدة يثير موقفا ما.. لكنها تبدو كلها من خلال رؤية واحدة..راصدة لما يجرى.. وواعية بكل الأبعاد التى ترمى إليها.. وتطرح مشكلات لها أهميتها فى حياة الإنسان.. وغير مطروقة بالمعنى المثير للسأم.. مثلما يبدو فى المشكلات الحياتية العادية..التى استهلكت بسبب تكرار تقديسها.

وفى الخمس قصص الأخيرة.. يبدو اللقاء الذى تحقق بعد فراق استمر لسنوات .. وتنشط الذاكرة فى استرجاع زمن البداية..الذى شهد مرلاحلة الطفةلة...وما مان فيها.

فى قصة "بولا"..زيارة لمقابر اليهود فى الإسكندرية.. برفقة صحفى إسرائيلى.. يزور مصر للمرة الأولى..فى مهمة صخفية..وقد أوصته زوجته أن يزور قبر والديها..اللذين ماتا فى الإسكندرية.. فى الخامس عشر من مارس عام 1957 فى حادث سيارة..بعد انتقال الأسرة من صعيد مصر ..تأهبا للسفر إلى إسرائيل,,يضع الصحفى الإسرائيلى الزهور على القبرين المتجاورين..وهو يتحدث عن أهل زوحته "بولا".. ويذكر اسم بلدة فى صعيد مصر..فيثير ذكرؤيات بطل القصة ..بداية بإخدى أمسيات شهر اكتوبر سنة 1956..التى زارتهم فيها أسرة يهودية كانت تقيم فى بلدته.. وأحب ابنتها "بولا".. ويتابعها وهى تهبط من باص المدرسة.. لكن فى 31 اكتوبر 1956 تغلق المدارس بسبب الحرب.. وبعد عودة افتتاحها يبدو شطب اسم "بولا" من المدرسة.. ويشعر بالغضب لفقدها ..وفى عام 1956 أيضا ..بدا احتفال مصر بذكرى الثورة متميزا..ويلمحها فى "محلات هانو" ترتدى السواد.. لكنها تضيع منه فى الزحام.. ولا يتحقق أمله فى رؤيتها مرة أخرى.. لكنها تبقى أثرا فى ذاكرته.. ويلتقى عام 1969 بصديق طفولة..يسأله عنها بخجل..فيجيب بأنه لايذكرها.. وفى عام 1972 سألته صديقة قادمة من نابلس عن حبه الأول.. فحدثها عن "بولا".. "ويخفى عنها أنها يهودية..هذه الأسماء التوراتية منتشرة فى الصعيد"..وعام 1976 يلتقى بصديق مهاجر إلى أمريكا.. فيسألها عنها.. ويعرف منه أنها هاجرت..وفى الفندق يطلعه الصحفى على صورة زوجته "بولا" وأطفاله..فيكاد أن يبوح له بقصة زوجته..لكن النادل يدعو الصحفى لمكالمة تليفونية ..فيظن بطل القصة أنها "بولا".. ويتأسى على ذكرياته..بينما يعجب من القدر.

وفى قصة "صورة مدرسية".. تذكار قديم لعشرين طفلا.. بدت وجوههم فيها.. رغم اصفرارها تشغ لنضارة الأبدية للوجوه.. ويتأملها.." تبتعث صورا من الماضى السحيق آخذة فى الوضوح".. يبدو "كارد سمعان"فيها صورة من ماض مترف سعيد.. بينما معظم الأسماء غابت فى" بئر الذاكرة التى لاقرار لها".. لكن يبدو تساؤل حول تواجده فى الصورة ..التى يؤكد التاريخ المدون خلفها أنها كانت فى عام 1945.. بينما ودعته المدرسة كلها.. حتى الناظر خرج ليسلم عليه بحرارة عام ا942 .وروميل على أبواب مدينة الإسكندرية..واليهود يغادرونها..هربا من وحوش النازية...ويبدو ثمة خطأ فى التاريخ المدون على الصورة.. لكن سنوات الدراسة تؤكد صحته.. قد يكون عاد للمدرسة بعد انتهاء الحرب..وزوال الخطر.. لكن ثمة تأكد أنه لم يعد.. ويستحيل إزاحة الصور جانبا..لما لها من قوة جذب عجيبة.. ويبدو فيها بناية أنشئت عام 1950..ويتساءل ..ما "الذىأتى بهذه البناية فى صورة التقطت عام 1945..لا شك هو الذى أتى بكلود سمعان فيها.."بعد سفره بثلاثة أعوام.. ويلتمس بطل القصة الحقيقة عند بواب المدرسة..الذى كان حارسا لقصر آل سمعان.. فيخبره أنهم سافروا عام 1940 فى بداية الحرب..ولم يعودوا..ويعود للبناية ..فيبدو لها أن تاريخ إنشائها عام 1951.. بينما يرتاب فيه البواب وهو يتأكد من تاريخ البناء..فيسأله عن مطلبه.. فيجيبه بأنه يبحث عن تاريخ لا عن عنوان...

وفى قصة "العلامة على صدر شوشانا"..يبدو اللقاء بفتاة ..وقضاء وقت طيب معها.. يتمخض عن ملاحظة وجود علامة ذهبية متوهجة.." كنجمة تتلألأ على صدرها المرمرى اللامع".. وتكون هذه العلامة هى دليل البحث عنها بعد افتقادها..وبالبحث عنها فى بيتها رقم 48 يبدو العنوان كأنه أحجية أو لغز.. فالزقاق يتفرع من شارع لافتته مطموسة..وأرقام البيوت غير واضحة.. ولم يكن ثمد بد من البحث عنها "اعتباطا".. لكن يتأمد رخيلها عن الزقاق الذى كان عالمها الذى تعيش فيه.. ويحتد عليه رجل آخر ..يؤكد له عدم وجودها وهو يقول لبطل القصة..بلهجة أبناء الأحياء الشعبية.."عايز إيه ..قالوا لك أنها مش هنا.. اتفضل من غير مطرود..ومتورناش وشك تانى".. ورغم مافى الموقف من مباغتة وحرج.. تلاحظ نجمة فضية معلقة على صدره الكثيف الشعر.. لكنه بدا كعملاقا..يتحتم تجنب الصدام معه.. وفى عناء البحث الذى لم يتوقف فى فترة اختفت فيها العلامة.. فى صدور الناس..تبدو العلامة على صدر سيدة يونانية عجوز "عاملة سينما".. توحى بأن الإجابة لديها.. وتكشف عن أسماء وتاريخ غائلات قومها..وصور القصور ..وبنايات قائمة فى الإسكندرية.. بإمعان النظر على واجهاتها..تبدو النجمة واضحة فوقها.. وتكون تلك العجوز هى الدليل ..الذى يؤكد ما بدا فى ذلك الكتاب الذى تحتفظ به.. وتبدو معروفة من أبناء البلد.. الذين يرحبون بها بحرارة.. ومن بين قومها..يحدث التعارف إلى "صاحب مقهى..يؤتدى جلبابا أبيض..ويعتمر فوق رأسه طاقية بيضاء مخرمة".. الأمر الذى يصيب بطل القصة بالدوار.. ويفاجأ بكثيرين من قومها ..يعيشون بين أبناء المدينة.. ويحملون أسماء شعبية صميمة..مسبوقة دائما بلقب حاج.. وتبدو العجوز وكأنها تقول ..أن هذا عالمها ..وأن هذه مدينته التى لايعرفها.. ثم تمرض..ويزورها كل من أنكروا وجود الفتاة "شوشانا".. التى يبدو أنها ابنة الحاج مصطفى صاحب المقهى.. وتستحيل ملا مح الرجل العملاق التى كانت تنطق بالغضب والصرامة..إلى رقة وتبدو على وجهه ابتسامة ودودة.. وفى طريق العودة إلى المنزل بعد زيارة السيدة العجوز.. تبدو بوابة القصر الكبير المهجور مفتوحة.. ونافذة منه مضاءة.. وأهل الحى يتأملون فى دهشة..مالم يحدث قط ..على مدى الثلاثة والثلاثين عاما ..التى هى عمر بطل القصة.. وفتح النافذة المقابلة للقصر وفى قلبه يرف حلم جميل .."أن تنفتح النافذة فى القصر ..ويطل وجه "شوزشانا"..وفى الصباح كان علما يرتفع فوق القصر ..تبدو عليه النجمة مرسومة فى أنصع صورها.

وفى قصة "بكيت فى حبك يا أنعام".. اللقاء بفتاة بعد ربع قرن من الفراق..يثير الذكريات التى كانت.. رؤيتها للمرة الأخيرة كانت فى عام 1956.. الذى كان صيفه حافلا بسبب " احتفلات الجيش فى يونيو.. وانتخاب جمال عبد الناصر رئيس الجمهورية ..واعلان تأميم قناة السويس.. حيث بدا الوله بها فى ظل علاقات عادية بين الناس..الذين تبدو عليهم الطيبة رغم اختلاف جنسياتهم.. لكن الخرب فى ذلك العام..فرضت على أسرتها الرحيل..فذهبت معها بعد أن تركت ذكراها الجميلة.. ويلتقى بشقيقهاعام 1967 قبل الحرب..ورغم استرجاع ذكريات الطفولة.. يتحاشاه.. بعد أن علم بأنه ضابط عامل فى جيش الدفاع الإسرائيلى.. وفى حرب 1967 وقع فى الأسر..ورأته هى فى صورة أليمة.. لاتعلن عن نفسها..وتوصى به خيرا.. وفى عام 1970 استشهد شقيقها وهو يقوم بغارة فى عمق مصر.. بينما كان بطل القصة يقضى سنوات حرب الاستنزاف ..ويتم اللقاء بعد حرب 1973..التى لم تدع بيتا وبدت كغول أسطورى.."يلتهم حتى الوطنية ذاتها"..مات الأب بعد خروجه من المعتقل فى مايو 1971.. ولحقت به الأم فى مايو من العام التالى..وهاجر الأخ إلى أمريكا.. بينما أصيب والد الفتاة بالشلل..وفقدت أمها عقلها فى جنازة ابنها.. ويعود زوجها بعد زيارة أهله الذين لم يغادروا الإسكندرية..ويخرج معها هو وزوجته للقاء وقت ممتع معا..يتحدثون فيه عن الأولاد.

وفى قصة "يوم الافتتاح".. ذكريات المدرسة التى يغيشها حفيد الرجل الذى بناها يوم الافتتاح..بمرور نصف قرن على إنشائها.. يبدو من خلالها أنها أول مدرؤسة ثانوية بجنوب الصعيد.. ةتقول الأميرة "التى اتفق جميع أفراد الأسرة ..على تسميتها بهذا الإسم.. بالرغم من تباين مواقفهم عنها..مابين الحب والكره ..والإعجاب والازدراء.. "أبى كان يريد عملا كبيرا يخلد اسمه.. أنا اقترحت عليه بناء المدرسة.. لقد وضع حجر الأساس عام 1944.. ومات فى نفس العام..ولم يشهد إتمام العمل العظيم..الذى أشهد بأنه تم بفضل رجلين جليلين.. أدين لهما بكل الفضل..هما "المعلم اسطفان"و"مسيو ديمترى".. الذى تحدث فى حفل الافتتاح فى التاريخ والفلسفة.. ولم يحيى سعادة الوزير.. ولا يعتبر التاريخ وثائق تدرس عن أحداث هامة وخطيرة.. ,إنما ذاكرة لدى أبسط الناس.." ذاكرة موروثة تشتمل على خلاصة روح شعب على مر العصور".. ويستشهد فى "أوديسا فى أسوأ الأيام من عام 1905.. كان هناك رجلا يحسبه الجميع مخبولا.. كان يطوف بالأحياء المنكوبة..متعثرا فى الجثث ويصيح لاتحزنوا لاتخافوا.. حتى لو بقى واحد حيا فلن يموت شىء فى ذاكرته".. لكنه رحل إلى فلسطين عام 1932 واحتجبت أخباره.. وفى نهاية يوم دراسى ينوء الحفيد بثقل حقيبته.. ويعبر الفناء الرحب الممتلىء بعمالقة.. ثم يشق طريقه فيه بصعوبة.. بينما النجيل المروى يكاد يطاول قامته.

ذكريات حب كان.. تبدو من خلالها علاقات بين اليهود والمصريين..مضى عليها فترات طويلة.. ذلك ما تطرحه القصص الخمس الأخيرة فى المجموعة.. وجد فيها "محمود غنايم".. أنها تتحدث عن اليهود فى مصر بصورة مؤيدة.. تدعو إلى الوقوف عليها.. لما فيها من جد وموضوعية.. لم يعهدها القص المصرى من قبل.. ويرى فى قصة "يوم الافتتاح".. صورة ناصعة للتعاون اليهودى العربى.. من خلال ما قدمته جماعة يهودية بكلفة بناء مدرسة فى إحدى قرى الصعيد.. أما من ناحية التقنية فهى تحمل تبليغات قد تبدو للقارىء غامضة.. لأنها تبدو من خلال رومانسية قلقة غير مستقرة.. تتأرجح بين الواقع المعيشى..و ترجيح الذكريات المشوشة..والأحلام الباهتة.. لكن اللغة المشحونة بالدلالات تخدم الغرض.. لولا بتر السرد.. الذى ارتآه فى النهاية.. أنه يؤدى وظيفة هامة.. وهى نقل الذكريات الباهتة.. ووصف "ميخال سيلع" المجموعة ..بأنها قصص بسيطة ..ترتسم فيها ملامح الشخصيات.. بصورة شبه مشوشة.. والحبكة تكاد تنعدم فيها.. إلا أن ما يمنحها جمالا هاصا ..هو استخدام الرموز التى تصل أحيانا إلى حد الإعجاز.

ذلك ما تبديه النظرة المؤيدة لما طرحه الكتب فى مضامين القصص.. التى اتأى فيها"ساسون سميخ" بادرة جديدة فى الجو الثقافى فى الشرق الأوسط.. وقد ترخص بعهد جديد تسوده الأخوة والمحبة...

لقد سبق للكاتب إصدار مجموعته القصصية الأولى "المقهى والعيون".. عام 1981.. من خلال مطبوعات الماستر..التى يلجا إليها الكتاب الشبان..حال تعذر النشر فى كتب مطبوعة..واعتبره "نجيب محفوظ" من أبرز الأدباء الشبان الذين ظهروا عام 1981.. وقال عنها الروائى السكندرى الدكتور يوسف عز الدين عيسى ..أن قصصه لايمكن أن يفرزها سوى خيال خصب موهوب مطبوخ لا مصنوع.. وقال يوسف ادريس أن قصصه لاتصرخ ولا تضرب على الرؤوس.. وإنما تتسبب إلى النفس بنعومة ورقة.. وانتهى تناولنا لهذه المجموعة ..بعد إبداء ما طكرحه فى مضامين قصهها بأنها بداية طيبة لكتابة قصة قصيرة..

لذلك تبدو مجموعة "قفزات الطائر الأسمر النحيل".. أنها ليست هى المحاولة الأولى للكاتب.. لكنها بداية تفوق مجموعة "المقهى والعيون" المطبوعة بالماستر ..من حيث إظهارها بصورة تختلف كل الاختلافمن تلك المجموعة الأولى.. مما يبدى الاهتمام بإخراجها بصورة حسنة ..ونهاية.. تبدو مضامينها حسب ماتناولته منقسمة إلى قسمين..القسم الأول.. ويضم الأربع قصص الأولى..والقسم الثانى ويضم الخمس قصص الأخيرة.. وثمة ما يميز كل قسم عن الآخر.

فى القسم الأول ..تبدو معاناة الفرد ..وسط مجتمع لا يتلاءم مع ما يحدث فيه.. ويقف موقف الرافض لبعض الشخصيات التى تبدو مصدر خطر على الروح الوطنية التى قد تسود المجتمع.. لتواجده فى موقف منها.. وإذا كان ثمة تخلخل فى تقدير الأمور التى تتعلق بمستقبل المجتمع.. حيث يتهدد الخطر الجميع بلا استثناء.. أما الخلاص من الامتهان الذى قد يكون ..فإمكانية تحقيقه يستحيل أن يقوم بها ..إلا من يعانى ذلك الامتهان.. ويشعر بمدى قسوته على النفس.

أما فى القسم الثانى.. فيعرض لتطلع الإنسان إلى تحقيق السلام ..أملا فى الخلاص من شبح الحرب التى تهدد أمنه واستقراره.. من خلال تناول الأحداث فى الفترة من قبل الحرب العالمية الثانية.. إلى ما بعد حرب اكتوبر عام 1973.. كما بدا فى القصص الخمس الأخيرة.. التى تناصر الدعوة للسلام بين مصر وإسرائيل.

بعد أربع حروب قطعت خلالها أواصر العلاقات التى كانت بين الأسر المصرية..والأسر اليهودية.. التى كانت تعيش فى مصر.. قبل اندلاع تلك الحروب.

فحتى حرب 1956 كانت ثمة أقلية يهودية تعيش فى مصر.. بلغ عددها حوالى 85 ألف يهودى..ولدوا فى مصر وعاشوا فيها.. وكانوا يتمتعون بكافة حقوق المصريين.. وعندما قامت ثورة عام 1952.. لم تبد أى تحيز دينى ضدها.. وعاملتها بالمثل كأية أقليات أخرى تعيش فى مصر.. وفى الاحتفال بإعلان الجمهورية المصرية فى 18 يونيو عام 1954.. كان بين من تحدثوا قى هذه المناسبة "حاييم ناحوم" حاخام اليهود فى تلك الفترة.

والبادى من مضامين القصص الخمس الأخيرة ..أنها عرضت فى مضامينها لبعض العلاقات التى كانت بين الأقلية اليهودية والأسر المصرية.. قبل اضطرارهم إلى الخروج منها.. بداية بالهرب من النازية عام 1942..ونهاية بسبب ما حدث فى حرب 1956.. وأبدت إمكان استئناف تلك العلاقات لو تبدد شبح الحرب دونما رجعة.. وتحقق السلام الذى يتطلع إليه الجيل الجديد بشغف.. ذلك الجيل الذى عاش حرب الاستنزاف وحرب 1973.. وعاصر المآسى التى لحقت بكل بيت.

لكن المبالغة الشديدة فى عرض أواصر العلاقات التى كانت.. والاسترسال فى التعبير..بجمل جعلته موضع إدانة.. مثل " أدقق النظر.. استجلى العلامة الذهبية المتوهجة كنجمة تتلأل على صدرها المرلامرى الرائع فى الصباح.. كان علم يرتفع مرفرفا فوق القصر مرسومة عليه النجمة فى أنصع صورها".لقد خاول الكاتب استغلال الإيحاء فى لغته.. وسط مناخ واقعى لاتتوافق معه المباشرة.. كما بدا فى قصة "العلامة على صدر شوشانا".. ضمنها عدة تعبيرات عكست المقصود منها.. فتلك التى بدت وكأنه يتغزل فى العلم الإسرائيلى بالنجمة السداسية.. فلم تبد أية إشارة عما تعنيه تلكم النجمة التى يخرص من يعلقونها فى صدورهم على إخفائها.. ويبدو دونما اختلاف بينهم وبين أولاد البلد ..يقصدون بأسمائهم وألقابهم "الحج"مثلا.. ويتحدثون بلغتهم.. ويتقمصون حركاتهم.."خرج رجل طويل القامة اتجه نحوى بخطوات حاسمة.. وملامحه تنطق بالغضب والصرامة.. وثقف أمامامى مباشرة يكاد يلتصق بى..وأمسكنى من ذراعى بشدة.. وقال بلهجة أبناء الأحياء الشعبية..عايز إيه.. قالوا لك أنها مش هنا.. اتفضل من غير مطرود ومانورناش وشك تانى".

من ثم جانبه التوفيق فيما ارتآه.. وما نتهجه من استخدام دلالات تشير إليها السنوات التى حدثت فيها الحروب.. والاعتماد على الذاكرة فى السرد.. كان يحتم استخدام الجمل الواضحة ..وليس الاكتفاء بما توحى إليه الأشياء.

بينما بدا إلى حد ما موفقافى استخدام الإيحاءات فى الأربع قصص الأولى.. التى حملها تاكثير من الرموز والدلالات الغير مستعصية على الفهم ..كما فى قصتى "مطبعة تلأنفوشى"و"قفزات الطائر اأسمر النحيل.".. وما فى قصتى "قبل الخريق"و "أحلام يوسف والأحداث الأربعة".. التتين تضمنتا ست أقاصيص قصير’’ ..كل منها تثير التأمل حول ماتطرحه فى مضمونها.. التى لايمكن بحال مقارنته بمضامين القصص الأخرى.. إذ يتمثل فيها الوعى الكامل بكل الأبعاد التى ترمى إليها.. فى حين أن تلك القصص الخمس الأخيرة..غارقة فى المباشرة التى تدعو إلى السلام بين العرب واليهود..تبدو استحالته كأمر واقع.. طالما كان ثمة اغتصاب للآراضى العربية..وتشريد للاجئين الفلسطينيين.. وقمع واضطهاد للمواطمين الذين لايزالون يعيشون داخل الأراضى الفلسطينية المحتلة.. ويعاملون كمواطمين غير هرغوب وجودهم فى وطنهم الأم.. ذلك فضلا عن الاعتداءات المستمرة على الأراضى العربية.

* * *
* * *
* * *
* * *
*

السيد الهبيان

نعيم تكلا فى قفزات الطائر الأسمر النحيل السيد الهبيان فى عام 1977 بدت


نعيم تكلا فى
قفزات الطائر الأسمر النحيل
السيد الهبيان

فى عام 1977 بدت بدت مبادرة "مصر" الرامية إلى محاولة إقامة سلام..مع اسرائيل.. التى تعيش حالة حرب دائمة..بينها وبين الدول العربية.. منذ التفكير فى إنشاء الدولة اليهودية.. .. وقبل اعلانها فى عام 1948 الذى شهد أول حرب نظامية بين العرب وإسرائيل.. والتى تبعتها بثلاثة حروب فة أعوام "1956 و1967و1973"... فضلا عن الاعتداءات الإسرائلية المتكررة على الدول العربية التى نحيط لها.. ونتج عن هذه الحروب والاعتداءات آلاف القتلى والجرحى..واحتلال اسرائيل لأجزاء من الأراضى العربية..المجاورة لها..وتم الترويج لهذه المبادرة..بأن حرب اكتوبر 1973 ستكون آخر الحروب بين العرب والعدو الاسرائيلى..حقنا للدماء..ونهاية حالة العداء القائمة منذ سنوات قبلها..وأسفرت هذه المبادرة عن اتفاقية "كامب ديفيد" التى جمعت بين مصر وإسرائيل فى معاهدة سلام..تنسجب بموجبها اسرائيل من الأراضى المصرية التى اختلتها عام 1967..وتبادل السفراء.. وتطبيع العلاقات بين البلدين لإنهاء حالة العداء بينهما. . لكن تطبيع العلاقات ووجه بالرفض من جانب المصريين..وحملت النخبة المثقفة لواء التمسك بهذا الرفض علنيا ..وجهرت به صراحة فى وجه النظام الحاكم الذى قبل بهذه الاتفاقية..وكالعادة بدا من بينهم من يرفض علانية..ويقبله فى داخله...وأخفوا وراء أصواتهم العالية حقيقتهم..التى تم فضخها عندما اشتركوا مع أدباء اسرائيليين فى لقاءات تم الإعلان عنها.. ..لكن كان ثمة من بدوا فى الصورة..مغردين خارج السرب الرافض للتطبيع..منهم من كتب "سيناريو" لم يذكر اسمه ..وقام بنشره على صفحات مجلة أكتوبر الأسبوعية المؤيدة للتطبيع.. والكاتب السكندرى "نعيم تكلا"..بإصداره مجموعته الفصصيية"قفزات الطائر الأسمر الأسمر النحيل"..والتى صدرت عن منشورات "السروجى" بمدينة "عكا".. وأهداها إلى صانعى السلام.. ثم ذكر فى صدارتها ما انتقاه من شعر "أودينيس":
"أتركوا للشجر أن يتبادل العصافير
أتركوا للنوافذ أن تحتفل بفجر آخر"
ثم استهل مجموعته بمقدمة الأديب والباحث الإسرائيلى البيروفسور"ساسون سميخ"..والذى تناول فى مقدمته أعمال بعض الأدباء المصريين.. وقدم ثلاثة كتب للأديب "نجيب محفوظ".. آخرها كتاب "ثلاثة فصول فى أدب نجيب محفوظ".. تناول فيه "الثلاثية"و"حكايات حارتنا"وقصة "زعبلاوى"..كما ذكر فى مقدمته الحركة الأدبية فى الإسكندرية.. موضحا:"أنها حركة أدبية هامة تعمل جاهدة لبلوغ درجة المركزية فى الأدب المصرى المعاصر".. لما تقدمه من شعراء ونقاد وكتاب مسرحية وقصص "تتسم بالتجريبية والأسلوب الجديد"..رغم ارتباطها "بالواقع الحياتى بوشائج متينة".. ثم ذكر "نعيم نكلا" موضحا أنه أخد الأصوات البارزة فى المجموعة الاسكندرانية..وتمتاز قصصه بأسلوب يستطيع تسميته "بالأسلوب الشعرى التلغرافى ..رغم مابين الشعر والتلغراف.. من فارق كبير ..وكل قصة من قصصه تضم فى ثناياها تجربة حياتية عميقة .. لم ينقلها بالأسلوب الواقعى المباشر.. وإنما بالأسلوب الرمزى التعبيرى ..الذى يقربه إلى حد بعيد.. من بعض كتاب الشباب المصرى اليوم.. ولكنه رغم ذلك عطاء متميز لا ريب فى ذاتيته".. كما أشار إلى قصص "نعيم تكلا" المنتشرة فى الصحف والمجلات المصرية والعربية.. والتى أثارت أصداء نقدية ..تدفع إلى الجزم بأن "إنتاجه انطلق إلى العالم الواسع ..ولم يبق مغمورا فى مدينة أو إقليم".. ومجموعته "الطائر الأسمر النحيل".. تمثل اتساعا وتطورا فى عالمه.. وفى تكنيكه القصصى.. ولعل أبرز مايبدو فى هذه المجموعة من الناحية المضمونية ..هى تلك النبرة المؤيدة للسلام..والأخوة بين الشعبين العربى والإسرائيلى.. كما بدا فى قصص "العلامة على صدر شوشانا"و"صورة مدرسية"و"بولا"و"بكيت فى حبك يا أنعام"و "يوم الافتتاح" ..وغيرها لم تكتب بأى حال بالأسلوب التقريرى المباشر..بل تتميز بزخم التجربة..وتجريبية الأداء..فلا عجب إذن أن بعض هذه القصص ترجم إلى العبرية..ونشر فى الصحف الأدبية فى إسرائيل.
وانتهى "سوميخ" فى مقدمته ..إلى أنه ليس لديه شك "فى أن هذه المجموعة هى بادرة جديدة ..فى الجو الثقافى فى الشرق الأوسط..ولعلها ترهص بغهد جديد ..تسوده الأخوة والمحبة".
وفور صدور هذه المجموعة ..اهتمت بها الصحافة الإسرائيلية.. لكونها تمثل أول مجموعة قصصية لكاتب مصرى تنشر فى إسرائيل.. ومن بين ما نشر عنها.. مابد فى ملحق جريدة الأنباء الإسرائيلية الثقافى,, كما تناولها الكاتب "محمود غنايم" بالتحليل..وأفرد مقاله"للحديث عن بعض الظواهر التى تتصل بمضمون هذه القصص وأسلوبها.. وهى ظواهر ذات دلالة أدبية عامة.. فى فهم هذه القصص.. وفهم الجوانب الإنشائية للتأليف الأدبى".. ووجد فى القصص الخمس الأخيرة .."بولا"وصورة مدرسية"و"العلامة على صدر شوشانا"و"بكيت فى حبك يا إنعام"و"يوم الافتتاح"..تتحدث عن اليهود فى مصر..بصورة مؤيدة..تدعو إلى الوقوف عليها..لما لها من جدة موضوعية..لم يعهدها القصص المصرى من قبل".. وهذه القصص الخمس عدا الأخيرة..هى ما ذكرها "سوميخ" فى مقدمته ..بما يبدى التركيز عليها..لما عرضته فى مضامينها..وفى تناول للكاتب "ميخال سيلع"..ذكر أن هذه المجموعة تضم "تسع قصص تسجيلية ..مكتوبة على هيئة مذكرات..حول علاقة الإنسان بجاره..وحالة الفرد فى المجتمع.. واحتسبها كتابا صغيرا أهداه الكاتب إلى صانعى السلام" ..لكنه رأى أن الإهداء ليس وحده .."فخمس قصص من قصصها مكرسة للحديث عن المسألة اليهودية والإسرائيلية".. واستخلص من القصص الخمس أن "الانفعال المقرون باللقاء المتجدد..يحمل فى طياته إسقاطات متفائلة على المستقبل..وكل ذلك يتم على مستوى العلاقات الشخصية..دونما حاجة للشعارات الطنانة ..حول اللقاء بين الشعوب والمجتمعات".. "وتعالج بقية القصص الصعوبات التى يجابهها الفرد فى المجتمع".
هذه الحفاوة الإسرائلية بالمجموعة.. قابله استنكار بدا فى بعض المجلات المصرية..لصدورها فى إسرائيل.. بما يعد تطبيعا العلاقات الثقافية ..فى دولة مرفوض تواجدها وسط العالم العربى.. لاحتلالها أجزاء كبيرة منه.. وتسببت فى تشريد الشعب الفلسطينى.. خاصة وقد أبدى الكاتب بوضوح من خلال مضامين قصصها التغزل فى النجمة السداسية التى تتوسط العلم الإسرائيلى الذى صار مرفوعا على أرض مصر.
كما بدا تحذير من كاتب سكندرى نشره فى صحيفة سعودية..لتنبيه الأدباء العرب لما يحيكه لهم العدو الصهيونى.. من أجل اجنذابهم ..واحتوائهم لطبع أعمالهم ونشرها مقابل الحصول على مبالغ طائلة من وراء هذا النشر.. وبالتالى قد يدفع هذا بعضهم إلى الكتابة بعيدا عن محور القضايا العربية المعاصرة..التى تشغل بال كل إنسان عربى مخلص يدافع عن وطنه.. ووصف كاتب سكندرى آخر هذه المجموعة بأنها "خيانة ربما كان المسئول عنها وعى شاذ بالتاريخ.. أو جهل واع لاجتلاب طنطنة مؤقتة..وثراء يتجاوز قدرتنا على التخيل.. جاسوسية من نوع تائه رخيص..وسيلتها الوحيدة هى شرف الكلمة".. ووصف قصصها بأنها" مجموعة أحاديث خائنة"..ودونما انفعال أو إدانة أو اتهامات..ذكر كاتب آخر فى جريدة مصرية..أن السبب فى لجوء الكتاب المصريين إلى النشر فى إسرائيل.. هو تضاؤل فرص النشر فى مصر..ودعا إلى حل هذه المشكلة ..تجنبا لتكرا عملية النشر فى إسرائيل..وبدا الخلاف حول هذه المجموعة..بين رافض لإقدام الكاتب على النشر فى إسرائيل..ومؤيد له.. بينما التزم البعض بالصمت ولم يعلن رأيه.. وفى مواجهة بين الكاتب وبين من استنكروا فعله..وطالبوا بمقاطعته..دونما تحديد لماهية هذه المقاطعة..وكيفية تنفيذها.. أعلن الكاتب أنه قدم هذه المجموعة فى حب "مصر"..الذى عبر عنه بطريقته الخاصة .
وفى ندوة بالمركز الثقافى الأمريكى بالإسكندرية ..أقيمت لمناقشة هذه المجموعة .. وتمت دعوتى لحضورها..فوجئت بهطول الثناء على الكاتب والإشادة بمجموعته ..من جميع من تحدثوا عنها.. وبدوت كالمغرد خارج السرب..عندما توجهت بسؤال للكاتب "كيف استطعت أن تكتب هذه القصص بهذه الحماسة وتشيد برفع العلم الإسرائيلى على أرض مصر"..وكانت نتيجة هجومى على الكاتب واستنكار مافعله..أن تطوع أحد الحضور بمعاقبتى ..بنشر ادعاءات كاذبة عنى..ورغم أنه ذكر معى أربعة أخرين..إلا أن الضجة اثيرت حولى فقط..وبالاسم دون تعرض للآخرين..إلى حد نشراستغاثة لوزير الثقافة لينقذنى مما ادعوا أننى أسعى إليه..بحسبان أنى أشكل خسارة فى الوسط الأدبى.. وكنت أقابل كل هذا بسخرية..ثم بعد سنوات فوجئت باعتذار من نشر الادعاءات الكاذبة عنى..مؤكدا لى "لقد أخطأت" . لكن اعتذاره هذا جاء بعد أن كوفىء على فعلته.
هذا بعض ما أثير حول هذه المجموعة عقب نشرها.. ترحيب بها فى إسرائيل..وقبول ورفض من بعض النخبة المصرية..لكن الإحساس المقبض برفع العلم الإسرائيلى على أرض مصر..كان سيد الموقف بلا جدال..لكنها فى المجمل تحمل رؤية الكاتب لما عرض له من مضامين تتماشى مع مبادرة السلام فور الإعلان عنها..من منطلق الترويج لها بصور أدبية..تبدو أنها مؤيدة لها..على أساس ماقدمه الكاتب من خلالها.
ففى الأربع قصص الأولى..من المجموعة البالغ عددها تسع قصص تبدو هموم الفرد داخل المجتمع الذى يعيش فيه.. من خلال رصد لتحركات الآخرين.. ولأحداث تتمخض عنها نظرة مأساوية لما سيكون بعدها.. ثم تبشير بالخلاص من الشعور بالامتهان من قبل الآخرين..
فى قصة "مطبعة الأنفوشى"..ثمة شخص غامض ..يبدو كل مساء بين صحبة من رواد المقهى ..ويحتفى به الجميع.. لكن تلك الحفاوة التى يقابل بها.."هامسة..وكأنها تحاذر من الاصطدام بأمور قابلة للكسر".. الأمر الذى يثير الشكوك حوله ..رغم أنها قد لاتكون فى محلها.. فثمة "تيقن راسخ بأن لهم وجوها حقيقية..خلف القناع" الذى يتخفون وراءه..لكن ذلك الشخص الغامض يختلف فى تخفيه.."ملامحه الرخوة غير المميزة ..تتعلق باستحالات لاحصر لها..ولا تدرى إن كطانت تجذب للاقتراب نتع أو تنفرك منه".. ومن خلال ملاحظة سطحية ..لما يبدو منه..فى مجليه..وما يبدو من احتفاء به.. يبدو فى دائرة المرض..ويبدو ثمة تساؤل حول اهتمامه بأمور منزله.. واستبعاد لفكرة كونه زوجا.. "امتلاؤه ونعومة بشرته الواضحة.. وبحة صوته".. تبدو كجنس مجهول.. لأن ذلك يشكك فى رجولته.. ولا يدنيه من الأنوثة.. كما يثير الانقباض الذى يشعر به بطل القصة فى داخله..عندما يروى ذلك الشخص الغامض أمثلة حول ما هيته تبدو ساذجة.. وسخيقة..لأنها تأتى متأخرة فى إطار العماء الذى يشغل هذا الإنسان".. فلن يدهشه لو كان سفاحا..أو هاربا من القانون..أو لوطيا أو جاسوسا أو مخربا.. لكن لو تحددت ماهيته سيكون قابلا للتعريف.. وفى أمسية من الأمسيات..ينكشف مايبدى حقيقة ذلك الشخص الغامض.. فقد استطاع الوصول إلى مطبعة سرية بمنزل أحد الصيادين بحى الأنفوشى.. وتنصل "من أكثر الجهات وطنية وتقدمية".. التى كانت موجودة فى أواخر الأربعينات.. ثم دخلت امرأة من رواد المقهى ..جلست معه..وسحبته بعد انصراف مريديه.. وعادت بعد ساعة تبكى بحرقة ولم تفصح بشىء.. "وفى المساء التالى كان ذلك الإنسان فى مجلسه المعتاد ..ولم يلبث أن تقاطر من جوله مريدوه".
وفى "القصة الأولى من ثلاث قصيرة حدا قبل الحريق"..يبدو العجوز الذى "رأى المياه تنساب من ماسورة الصرف.. وتنسكب على الأرض الحجرية..المنحدرة قليلا ..لتأخذ مسارات متشغعبة".. "والكل يبتعد عنها..هربا من الخصار الذى سد جميع المخارج..فأرغموا على استنشاق الرائحة الكريهة التى ملأت الجو كله".. فنظر إلى " الصهريج العالى الذى تبدو على وجهه آثار دماء قديمة..والذى تبرز منه ماسورة الصرف وقال:
ــــ بلزم أكثر من نصف عام.. تتحلل كل الجثث بداخله..ولكننا فى خلال ذلك المدى نكون قد غرقنا تماما".
وفى "القصة الثانية من قصص قبل الحريق".. الرجل المحتضر..الذى "أصابته الرصاصة فى أذنه واخترقتها إلى خشب الشباك".. وأدرك لماذا لايصاب سواه.. ثم حاول أن يواجه مصدر الطلقات المركزة عليه وحده.. فى لحظات الاحتضار ينطلق طيف أبيض.."صغيرا كحمامة يضىء موله كل شىء".. ويحلق الطيف ويكبر ..ويشبه امرأة نورانية باسطة ذراعيها جماحها..فيصرخ وهو يبكى أن تأخذه ويرتفع إليها.
وفى "القصة الثالثة من قصص قبل الحريق".. الشخص الذى لا يبالى باستغاثة من استنجد به بعد منتصف الليل.. ليخبره بأن المنزل ينهار.. ثم يستحيل الأمر بينهما إلى سخافة.. لكن يعتريه قلق..ويحلم فى يقظته ..بينما تعتريه رجفة خوف.."وأنا راقد على جنبى الأيسر أحلم مستيقظا بإشعال حريق".
وفى قصة " الحلم الأول من أحلام يوسف والأحداث الأليمة".. من قصة يوسف"..يبدو النهر الذى يتراءى آخذا فى النقصان.."والبشر يحدقون فى ذهول وجزع".. ويمتد مجراه فى أرض جرداء..ويهب الطاعون بعد سبات سبع عقود..يحصد الآلاف..ويلقى بها فى "المجرى الفارغ للنهر ..الذى تنسكب من جنباته سوائل داكنة الحمرة..وأخرى سوداء لها خرير كئيب..وتفوح منها رائحة عفنة ووحى بالصراخ والدم..ويضيع كل شىء فى القاع الآسن".
وفى قصة "الحلم الثانى من أحلام يوسف".. تبدو القدور الهائلة التى "تغلى بداخلها أطراف آدمية لاحصر لها".. وبعد النضج تمتد يد الآكلين ..الذين يتخمون بأطراف الأطفال.
وفى قصة "الحلم الثالث من أحلام يوسف".. تبدو جثة الوحش البحرى.. التى تتراءى "كالصوت الذى ذكرته التوراة..فى قصة يونان النبى".. يقذفها البحر الأبيض المتوسط مصابة بالتعفن والتحلل..يتفرق عنها الناس وهم حزانى ..وبعد حرب تطول بدا زمنها كالدهور.. تبد الجثة لازالت "ملقاة على الشاطىء..والأمواج تأكل منها فتعود هيكلا عظميا هائلا ناصع البياض".
وفى قصة "قفزات الطائر الأسمر النحيل".. يبدو المتسول "كشبح وهو يتساند على عكازه ..وجسده به آثار جروح ثلاث لم تندمل بعد".. يذهب للشرطة ليشكو سائق سيارة صفعه ..لأنه عبر أمام سيارته ببطء.. فيحس وهو فى قبضة رجال الأمن أنه هو الجانى الأثيم..وليس المظلوم الذى ذهب يستنجد بهم..وهو يحمل رقم السيارة التى كادت أن تدهسهورغم ذلك يستحسن خروجه من قسم الشرطةبسلام.. بعد أن وعدوه باتخاذ اللازم.. وتبدو محطاته كثيرة على طول طريقه ..ويخشى أن يظنه الناس متسولا ..عندما يستريح بجوار جدار أو سور منزل.. وذات مرة من المرات التى يفقد فيها توازنه..تداعى على الأرض عاجزا تماما.. وساعده صبى أسمر أسماله بالية.. يربت على كتفه بامتنان..ويحاول أن يعطيه مقابلا لما أسداه إليه.. لكن الالصبى يقفز ويبتعد عنه.. وفى المقهى حيث يجلس يحتم من قسوة القيظ والزحام..يهمس له جاره العجوز يستطلع باهتمام أخبار الحرب اللبنانية.."مجزرة رهيبة".. لكنه لم يرد عليه..فيضيف العجوز .."أنهار دماء تسيل و دائما تعلو أصوات الكذب ..وتتمس معالم الحقيقة..فلا تعرف شيئا معرفة صحيحة".. ويصمت أيضا.. وفى محاولة لعبور شارع رهيب..وهو يتساند فى إعياء..تقترب منه سيارة فارهة..ويدعوه سائقها للركوب... لم يصدق زهو يتأمل وجهه البشوش.."ذا اللخية السوداء المشذبة.. ويركب بمساعدة آخرين..ويجد ثلاثة شباب فى المقعد الهلفى يجلسونه بجوارهم.. "كانوا يتحدثون بلكنة غريبة..ويرتدون ثيابا بيضاء فضفاضة".. ويستغرقه جو السيارة المكيف..ورائحته الذكية..ويميل إلى إغفاءة ..لكن السيارة تتوقف.. وهبط
السائق ..واتجه نحو امرأة . بد
ا أنها وافقته على حديثه.. ثم دخلت البناية بينما السائق ينتظر.. ثم عادت بصحبة ثلاث نساء.. ركبن..وأفهمه السائق أن عليه أن ينزل ..ويشكره على توفيره له عناء مسافة طويلة كان سيمشيها.. ويمد يده لمساعدته على النزول..لكنه يجذبه بشدة ويوقعه على الأرض.. ثم تمضى السيارة بسرعة بضحكات الرجال والنساء.. ومرة أخرى ينتشله الصبى الناحل .. ويساعده على النهوض..ويناشده ألا يذهب.. لكنه يبتعد عنه.."بعد أن خلف فى نفسه عزاءا وصفاء.
أربع قصص شكلا .. تبدو من خلالها ثمان مضامين مختلفة.. كل منها على حدة يثير موقفا ما.. لكنها تبدو كلها من خلال رؤية واحدة..راصدة لما يجرى.. وواعية بكل الأبعاد التى ترمى إليها.. وتطرح مشكلات لها أهميتها فى حياة الإنسان.. وغير مطروقة بالمعنى المثير للسأم.. مثلما يبدو فى المشكلات الحياتية العادية..التى استهلكت بسبب تكرار تقديسها.
وفى الخمس قصص الأخيرة.. يبدو اللقاء الذى تحقق بعد فراق استمر لسنوات .. وتنشط الذاكرة فى استرجاع زمن البداية..الذى شهد مرلاحلة الطفةلة...وما مان فيها.
فى قصة "بولا"..زيارة لمقابر اليهود فى الإسكندرية.. برفقة صحفى إسرائيلى.. يزور مصر للمرة الأولى..فى مهمة صخفية..وقد أوصته زوجته أن يزور قبر والديها..اللذين ماتا فى الإسكندرية.. فى الخامس عشر من مارس عام 1957 فى حادث سيارة..بعد انتقال الأسرة من صعيد مصر ..تأهبا للسفر إلى إسرائيل,,يضع الصحفى الإسرائيلى الزهور على القبرين المتجاورين..وهو يتحدث عن أهل زوحته "بولا".. ويذكر اسم بلدة فى صعيد مصر..فيثير ذكرؤيات بطل القصة ..بداية بإخدى أمسيات شهر اكتوبر سنة 1956..التى زارتهم فيها أسرة يهودية كانت تقيم فى بلدته.. وأحب ابنتها "بولا".. ويتابعها وهى تهبط من باص المدرسة.. لكن فى 31 اكتوبر 1956 تغلق المدارس بسبب الحرب.. وبعد عودة افتتاحها يبدو شطب اسم "بولا" من المدرسة.. ويشعر بالغضب لفقدها ..وفى عام 1956 أيضا ..بدا احتفال مصر بذكرى الثورة متميزا..ويلمحها فى "محلات هانو" ترتدى السواد.. لكنها تضيع منه فى الزحام.. ولا يتحقق أمله فى رؤيتها مرة أخرى.. لكنها تبقى أثرا فى ذاكرته.. ويلتقى عام 1969 بصديق طفولة..يسأله عنها بخجل..فيجيب بأنه لايذكرها.. وفى عام 1972 سألته صديقة قادمة من نابلس عن حبه الأول.. فحدثها عن "بولا".. "ويخفى عنها أنها يهودية..هذه الأسماء التوراتية منتشرة فى الصعيد"..وعام 1976 يلتقى بصديق مهاجر إلى أمريكا.. فيسألها عنها.. ويعرف منه أنها هاجرت..وفى الفندق يطلعه الصحفى على صورة زوجته "بولا" وأطفاله..فيكاد أن يبوح له بقصة زوجته..لكن النادل يدعو الصحفى لمكالمة تليفونية ..فيظن بطل القصة أنها "بولا".. ويتأسى على ذكرياته..بينما يعجب من القدر.
وفى قصة "صورة مدرسية".. تذكار قديم لعشرين طفلا.. بدت وجوههم فيها.. رغم اصفرارها تشغ لنضارة الأبدية للوجوه.. ويتأملها.." تبتعث صورا من الماضى السحيق آخذة فى الوضوح".. يبدو "كارد سمعان"فيها صورة من ماض مترف سعيد.. بينما معظم الأسماء غابت فى" بئر الذاكرة التى لاقرار لها".. لكن يبدو تساؤل حول تواجده فى الصورة ..التى يؤكد التاريخ المدون خلفها أنها كانت فى عام 1945.. بينما ودعته المدرسة كلها.. حتى الناظر خرج ليسلم عليه بحرارة عام ا942 .وروميل على أبواب مدينة الإسكندرية..واليهود يغادرونها..هربا من وحوش النازية...ويبدو ثمة خطأ فى التاريخ المدون على الصورة.. لكن سنوات الدراسة تؤكد صحته.. قد يكون عاد للمدرسة بعد انتهاء الحرب..وزوال الخطر.. لكن ثمة تأكد أنه لم يعد.. ويستحيل إزاحة الصور جانبا..لما لها من قوة جذب عجيبة.. ويبدو فيها بناية أنشئت عام 1950..ويتساءل ..ما "الذىأتى بهذه البناية فى صورة التقطت عام 1945..لا شك هو الذى أتى بكلود سمعان فيها.."بعد سفره بثلاثة أعوام.. ويلتمس بطل القصة الحقيقة عند بواب المدرسة..الذى كان حارسا لقصر آل سمعان.. فيخبره أنهم سافروا عام 1940 فى بداية الحرب..ولم يعودوا..ويعود للبناية ..فيبدو لها أن تاريخ إنشائها عام 1951.. بينما يرتاب فيه البواب وهو يتأكد من تاريخ البناء..فيسأله عن مطلبه.. فيجيبه بأنه يبحث عن تاريخ لا عن عنوان...
وفى قصة "العلامة على صدر شوشانا"..يبدو اللقاء بفتاة ..وقضاء وقت طيب معها.. يتمخض عن ملاحظة وجود علامة ذهبية متوهجة.." كنجمة تتلألأ على صدرها المرمرى اللامع".. وتكون هذه العلامة هى دليل البحث عنها بعد افتقادها..وبالبحث عنها فى بيتها رقم 48 يبدو العنوان كأنه أحجية أو لغز.. فالزقاق يتفرع من شارع لافتته مطموسة..وأرقام البيوت غير واضحة.. ولم يكن ثمد بد من البحث عنها "اعتباطا".. لكن يتأمد رخيلها عن الزقاق الذى كان عالمها الذى تعيش فيه.. ويحتد عليه رجل آخر ..يؤكد له عدم وجودها وهو يقول لبطل القصة..بلهجة أبناء الأحياء الشعبية.."عايز إيه ..قالوا لك أنها مش هنا.. اتفضل من غير مطرود..ومتورناش وشك تانى".. ورغم مافى الموقف من مباغتة وحرج.. تلاحظ نجمة فضية معلقة على صدره الكثيف الشعر.. لكنه بدا كعملاقا..يتحتم تجنب الصدام معه.. وفى عناء البحث الذى لم يتوقف فى فترة اختفت فيها العلامة.. فى صدور الناس..تبدو العلامة على صدر سيدة يونانية عجوز "عاملة سينما".. توحى بأن الإجابة لديها.. وتكشف عن أسماء وتاريخ غائلات قومها..وصور القصور ..وبنايات قائمة فى الإسكندرية.. بإمعان النظر على واجهاتها..تبدو النجمة واضحة فوقها.. وتكون تلك العجوز هى الدليل ..الذى يؤكد ما بدا فى ذلك الكتاب الذى تحتفظ به.. وتبدو معروفة من أبناء البلد.. الذين يرحبون بها بحرارة.. ومن بين قومها..يحدث التعارف إلى "صاحب مقهى..يؤتدى جلبابا أبيض..ويعتمر فوق رأسه طاقية بيضاء مخرمة".. الأمر الذى يصيب بطل القصة بالدوار.. ويفاجأ بكثيرين من قومها ..يعيشون بين أبناء المدينة.. ويحملون أسماء شعبية صميمة..مسبوقة دائما بلقب حاج.. وتبدو العجوز وكأنها تقول ..أن هذا عالمها ..وأن هذه مدينته التى لايعرفها.. ثم تمرض..ويزورها كل من أنكروا وجود الفتاة "شوشانا".. التى يبدو أنها ابنة الحاج مصطفى صاحب المقهى.. وتستحيل ملا مح الرجل العملاق التى كانت تنطق بالغضب والصرامة..إلى رقة وتبدو على وجهه ابتسامة ودودة.. وفى طريق العودة إلى المنزل بعد زيارة السيدة العجوز.. تبدو بوابة القصر الكبير المهجور مفتوحة.. ونافذة منه مضاءة.. وأهل الحى يتأملون فى دهشة..مالم يحدث قط ..على مدى الثلاثة والثلاثين عاما ..التى هى عمر بطل القصة.. وفتح النافذة المقابلة للقصر وفى قلبه يرف حلم جميل .."أن تنفتح النافذة فى القصر ..ويطل وجه "شوزشانا"..وفى الصباح كان علما يرتفع فوق القصر ..تبدو عليه النجمة مرسومة فى أنصع صورها.
وفى قصة "بكيت فى حبك يا أنعام".. اللقاء بفتاة بعد ربع قرن من الفراق..يثير الذكريات التى كانت.. رؤيتها للمرة الأخيرة كانت فى عام 1956.. الذى كان صيفه حافلا بسبب " احتفلات الجيش فى يونيو.. وانتخاب جمال عبد الناصر رئيس الجمهورية ..واعلان تأميم قناة السويس.. حيث بدا الوله بها فى ظل علاقات عادية بين الناس..الذين تبدو عليهم الطيبة رغم اختلاف جنسياتهم.. لكن الخرب فى ذلك العام..فرضت على أسرتها الرحيل..فذهبت معها بعد أن تركت ذكراها الجميلة.. ويلتقى بشقيقهاعام 1967 قبل الحرب..ورغم استرجاع ذكريات الطفولة.. يتحاشاه.. بعد أن علم بأنه ضابط عامل فى جيش الدفاع الإسرائيلى.. وفى حرب 1967 وقع فى الأسر..ورأته هى فى صورة أليمة.. لاتعلن عن نفسها..وتوصى به خيرا.. وفى عام 1970 استشهد شقيقها وهو يقوم بغارة فى عمق مصر.. بينما كان بطل القصة يقضى سنوات حرب الاستنزاف ..ويتم اللقاء بعد حرب 1973..التى لم تدع بيتا وبدت كغول أسطورى.."يلتهم حتى الوطنية ذاتها"..مات الأب بعد خروجه من المعتقل فى مايو 1971.. ولحقت به الأم فى مايو من العام التالى..وهاجر الأخ إلى أمريكا.. بينما أصيب والد الفتاة بالشلل..وفقدت أمها عقلها فى جنازة ابنها.. ويعود زوجها بعد زيارة أهله الذين لم يغادروا الإسكندرية..ويخرج معها هو وزوجته للقاء وقت ممتع معا..يتحدثون فيه عن الأولاد.
وفى قصة "يوم الافتتاح".. ذكريات المدرسة التى يغيشها حفيد الرجل الذى بناها يوم الافتتاح..بمرور نصف قرن على إنشائها.. يبدو من خلالها أنها أول مدرؤسة ثانوية بجنوب الصعيد.. ةتقول الأميرة "التى اتفق جميع أفراد الأسرة ..على تسميتها بهذا الإسم.. بالرغم من تباين مواقفهم عنها..مابين الحب والكره ..والإعجاب والازدراء.. "أبى كان يريد عملا كبيرا يخلد اسمه.. أنا اقترحت عليه بناء المدرسة.. لقد وضع حجر الأساس عام 1944.. ومات فى نفس العام..ولم يشهد إتمام العمل العظيم..الذى أشهد بأنه تم بفضل رجلين جليلين.. أدين لهما بكل الفضل..هما "المعلم اسطفان"و"مسيو ديمترى".. الذى تحدث فى حفل الافتتاح فى التاريخ والفلسفة.. ولم يحيى سعادة الوزير.. ولا يعتبر التاريخ وثائق تدرس عن أحداث هامة وخطيرة.. ,إنما ذاكرة لدى أبسط الناس.." ذاكرة موروثة تشتمل على خلاصة روح شعب على مر العصور".. ويستشهد فى "أوديسا فى أسوأ الأيام من عام 1905.. كان هناك رجلا يحسبه الجميع مخبولا.. كان يطوف بالأحياء المنكوبة..متعثرا فى الجثث ويصيح لاتحزنوا لاتخافوا.. حتى لو بقى واحد حيا فلن يموت شىء فى ذاكرته".. لكنه رحل إلى فلسطين عام 1932 واحتجبت أخباره.. وفى نهاية يوم دراسى ينوء الحفيد بثقل حقيبته.. ويعبر الفناء الرحب الممتلىء بعمالقة.. ثم يشق طريقه فيه بصعوبة.. بينما النجيل المروى يكاد يطاول قامته.
ذكريات حب كان.. تبدو من خلالها علاقات بين اليهود والمصريين..مضى عليها فترات طويلة.. ذلك ما تطرحه القصص الخمس الأخيرة فى المجموعة.. وجد فيها "محمود غنايم".. أنها تتحدث عن اليهود فى مصر بصورة مؤيدة.. تدعو إلى الوقوف عليها.. لما فيها من جد وموضوعية.. لم يعهدها القص المصرى من قبل.. ويرى فى قصة "يوم الافتتاح".. صورة ناصعة للتعاون اليهودى العربى.. من خلال ما قدمته جماعة يهودية بكلفة بناء مدرسة فى إحدى قرى الصعيد.. أما من ناحية التقنية فهى تحمل تبليغات قد تبدو للقارىء غامضة.. لأنها تبدو من خلال رومانسية قلقة غير مستقرة.. تتأرجح بين الواقع المعيشى..و ترجيح الذكريات المشوشة..والأحلام الباهتة.. لكن اللغة المشحونة بالدلالات تخدم الغرض.. لولا بتر السرد.. الذى ارتآه فى النهاية.. أنه يؤدى وظيفة هامة.. وهى نقل الذكريات الباهتة.. ووصف "ميخال سيلع" المجموعة ..بأنها قصص بسيطة ..ترتسم فيها ملامح الشخصيات.. بصورة شبه مشوشة.. والحبكة تكاد تنعدم فيها.. إلا أن ما يمنحها جمالا هاصا ..هو استخدام الرموز التى تصل أحيانا إلى حد الإعجاز.
ذلك ما تبديه النظرة المؤيدة لما طرحه الكتب فى مضامين القصص.. التى اتأى فيها"ساسون سميخ" بادرة جديدة فى الجو الثقافى فى الشرق الأوسط.. وقد ترخص بعهد جديد تسوده الأخوة والمحبة...
لقد سبق للكاتب إصدار مجموعته القصصية الأولى "المقهى والعيون".. عام 1981.. من خلال مطبوعات الماستر..التى يلجا إليها الكتاب الشبان..حال تعذر النشر فى كتب مطبوعة..واعتبره "نجيب محفوظ" من أبرز الأدباء الشبان الذين ظهروا عام 1981.. وقال عنها الروائى السكندرى الدكتور يوسف عز الدين عيسى ..أن قصصه لايمكن أن يفرزها سوى خيال خصب موهوب مطبوخ لا مصنوع.. وقال يوسف ادريس أن قصصه لاتصرخ ولا تضرب على الرؤوس.. وإنما تتسبب إلى النفس بنعومة ورقة.. وانتهى تناولنا لهذه المجموعة ..بعد إبداء ما طكرحه فى مضامين قصهها بأنها بداية طيبة لكتابة قصة قصيرة..
لذلك تبدو مجموعة "قفزات الطائر الأسمر النحيل".. أنها ليست هى المحاولة الأولى للكاتب.. لكنها بداية تفوق مجموعة "المقهى والعيون" المطبوعة بالماستر ..من حيث إظهارها بصورة تختلف كل الاختلافمن تلك المجموعة الأولى.. مما يبدى الاهتمام بإخراجها بصورة حسنة ..ونهاية.. تبدو مضامينها حسب ماتناولته منقسمة إلى قسمين..القسم الأول.. ويضم الأربع قصص الأولى..والقسم الثانى ويضم الخمس قصص الأخيرة.. وثمة ما يميز كل قسم عن الآخر.
فى القسم الأول ..تبدو معاناة الفرد ..وسط مجتمع لا يتلاءم مع ما يحدث فيه.. ويقف موقف الرافض لبعض الشخصيات التى تبدو مصدر خطر على الروح الوطنية التى قد تسود المجتمع.. لتواجده فى موقف منها.. وإذا كان ثمة تخلخل فى تقدير الأمور التى تتعلق بمستقبل المجتمع.. حيث يتهدد الخطر الجميع بلا استثناء.. أما الخلاص من الامتهان الذى قد يكون ..فإمكانية تحقيقه يستحيل أن يقوم بها ..إلا من يعانى ذلك الامتهان.. ويشعر بمدى قسوته على النفس.
أما فى القسم الثانى.. فيعرض لتطلع الإنسان إلى تحقيق السلام ..أملا فى الخلاص من شبح الحرب التى تهدد أمنه واستقراره.. من خلال تناول الأحداث فى الفترة من قبل الحرب العالمية الثانية.. إلى ما بعد حرب اكتوبر عام 1973.. كما بدا فى القصص الخمس الأخيرة.. التى تناصر الدعوة للسلام بين مصر وإسرائيل.
بعد أربع حروب قطعت خلالها أواصر العلاقات التى كانت بين الأسر المصرية..والأسر اليهودية.. التى كانت تعيش فى مصر.. قبل اندلاع تلك الحروب.
فحتى حرب 1956 كانت ثمة أقلية يهودية تعيش فى مصر.. بلغ عددها حوالى 85 ألف يهودى..ولدوا فى مصر وعاشوا فيها.. وكانوا يتمتعون بكافة حقوق المصريين.. وعندما قامت ثورة عام 1952.. لم تبد أى تحيز دينى ضدها.. وعاملتها بالمثل كأية أقليات أخرى تعيش فى مصر.. وفى الاحتفال بإعلان الجمهورية المصرية فى 18 يونيو عام 1954.. كان بين من تحدثوا قى هذه المناسبة "حاييم ناحوم" حاخام اليهود فى تلك الفترة.
والبادى من مضامين القصص الخمس الأخيرة ..أنها عرضت فى مضامينها لبعض العلاقات التى كانت بين الأقلية اليهودية والأسر المصرية.. قبل اضطرارهم إلى الخروج منها.. بداية بالهرب من النازية عام 1942..ونهاية بسبب ما حدث فى حرب 1956.. وأبدت إمكان استئناف تلك العلاقات لو تبدد شبح الحرب دونما رجعة.. وتحقق السلام الذى يتطلع إليه الجيل الجديد بشغف.. ذلك الجيل الذى عاش حرب الاستنزاف وحرب 1973.. وعاصر المآسى التى لحقت بكل بيت.
لكن المبالغة الشديدة فى عرض أواصر العلاقات التى كانت.. والاسترسال فى التعبير..بجمل جعلته موضع إدانة.. مثل " أدقق النظر.. استجلى العلامة الذهبية المتوهجة كنجمة تتلأل على صدرها المرلامرى الرائع فى الصباح.. كان علم يرتفع مرفرفا فوق القصر مرسومة عليه النجمة فى أنصع صورها".لقد خاول الكاتب استغلال الإيحاء فى لغته.. وسط مناخ واقعى لاتتوافق معه المباشرة.. كما بدا فى قصة "العلامة على صدر شوشانا".. ضمنها عدة تعبيرات عكست المقصود منها.. فتلك التى بدت وكأنه يتغزل فى العلم الإسرائيلى بالنجمة السداسية.. فلم تبد أية إشارة عما تعنيه تلكم النجمة التى يخرص من يعلقونها فى صدورهم على إخفائها.. ويبدو دونما اختلاف بينهم وبين أولاد البلد ..يقصدون بأسمائهم وألقابهم "الحج"مثلا.. ويتحدثون بلغتهم.. ويتقمصون حركاتهم.."خرج رجل طويل القامة اتجه نحوى بخطوات حاسمة.. وملامحه تنطق بالغضب والصرامة.. وثقف أمامامى مباشرة يكاد يلتصق بى..وأمسكنى من ذراعى بشدة.. وقال بلهجة أبناء الأحياء الشعبية..عايز إيه.. قالوا لك أنها مش هنا.. اتفضل من غير مطرود ومانورناش وشك تانى".
من ثم جانبه التوفيق فيما ارتآه.. وما نتهجه من استخدام دلالات تشير إليها السنوات التى حدثت فيها الحروب.. والاعتماد على الذاكرة فى السرد.. كان يحتم استخدام الجمل الواضحة ..وليس الاكتفاء بما توحى إليه الأشياء.
بينما بدا إلى حد ما موفقافى استخدام الإيحاءات فى الأربع قصص الأولى.. التى حملها تاكثير من الرموز والدلالات الغير مستعصية على الفهم ..كما فى قصتى "مطبعة تلأنفوشى"و"قفزات الطائر اأسمر النحيل.".. وما فى قصتى "قبل الخريق"و "أحلام يوسف والأحداث الأربعة".. التتين تضمنتا ست أقاصيص قصير’’ ..كل منها تثير التأمل حول ماتطرحه فى مضمونها.. التى لايمكن بحال مقارنته بمضامين القصص الأخرى.. إذ يتمثل فيها الوعى الكامل بكل الأبعاد التى ترمى إليها.. فى حين أن تلك القصص الخمس الأخيرة..غارقة فى المباشرة التى تدعو إلى السلام بين العرب واليهود..تبدو استحالته كأمر واقع.. طالما كان ثمة اغتصاب للآراضى العربية..وتشريد للاجئين الفلسطينيين.. وقمع واضطهاد للمواطمين الذين لايزالون يعيشون داخل الأراضى الفلسطينية المحتلة.. ويعاملون كمواطمين غير هرغوب وجودهم فى وطنهم الأم.. ذلك فضلا عن الاعتداءات المستمرة على الأراضى العربية.

*************
السيد الهبيان

w w w .    A    r    a    b    i    c    S    t    o    r    y    . n e t

جميع الحقوق محفوظة لشبكة القصة العربية 2001-2007