[ أهلاً بالضيف الكريم ] 
للتسجيل
أنت الزائر رقم

إحصائيات الموقع

الدول المشاركة
عدد الكتَّاب
عدد النصوص
عدد الكتب
عدد التعليقات
عدد القراءات
عدد التوقيعات
عدد المشتركين
كتَّاب في الانتظار
نصوص في الانتظار
 
من بركات الشيخ علولة من بركات الشيخ علولة
التاريخ:  القراءات:(630) قراءة  التعليقات:(2) تعليقان  إهداء لصديق طباعة التعليقات أضف للمفضلة

  قصة ، من : نورالدين الطويليع  
صعد الشيخ علولة المنبر لإلقاء خطبة الجمعة، وانبرى منذ البداية يقرع الناس على تفريطهم في جنب الله، جعل يهوي بكل قوة على سطح المنبر بعصاه، متبعا ذلك بحركات غريبة من رجليه تدكه دكا، وازى ذلك إيقاع كلامي مشتعل بكلمات رثى من خلالها حال الأمة البئيس، وواقعها المرير، وما آل إليه الناس من إفراط في الأنانية وتنكر لمبادئ دينهم الحنيف الذي يحث على التضامن والتآزر، وما استحال إليه أمرهم من إضاعة للأمانة وتفريط في أداء الواجب المهني وإساءة بليغة إلى الوطن وأبنائه بالغش والتهاون واستغلال حاجة المواطنين لابتزازهم واستنفزاف جيوبهم...، وما لبث الخطيب علولة أن انخرط في موجة بكاء حاد اضطر على إثرها إلى إنهاء خطبته ودعوة الناس للصلاة التي ما إن انتهى منها حتى أغمي عليه ، تجمهر المصلون حوله فاغرين أفواههم إعجابا بهذا الرجل وما يحمله من قلب شفاف وغيرة استثنائية على عرض الوطن، وما تخفق به روحه من معاني الشهامة في واقع صارت الكلمة الفصل فيه للذئاب المفترسة.

استفاق الخطيب علولة من غيبوبته على وقع قبلات المصلين ودعواتهم له بالشفاء العاجل، عرض عليه أحدهم أن يرافقه إلى منزله لتناول وجبة الغذاء فقبل الدعوة دون تردد، أقبل على طبق الكسكس بنهم كبير، فأكل حتى امتلأ بطنه عن الآخر، جيء له بأنواع من الفواكه فأبى إلا أن يأتي عليها جميعها، استلقى على السرير، وحدث مضيفه بأنه بالغ في الأكل إكراما له ولآل بيته، وحكى له، وهو يتجشأ، حكاية ذلك الفقيه الذي انتفخت بطنه في وليمة حتى كادت تنفجر، فحملوه إلى المستشفى ليجد هناك زميلا له غادر الحياة بعدما انفجرت بطنه من كثرة ما أدخل إليها من المأكولات، فصاح قائلا: "هذه هي الوليمة وإلا فلا".

أمام طيب المأكل والمشرب ودعابة الحديث استمرأ الخطيب المكوث في منزل مضيفه، حتى إذا تفقد ساعته اليدوية اكتشف أنه تأخر عن موعد عمله بأكثر من ساعة ونصف، ما يعني ضياع حصتين دراسيتين، لم يضع شيء يا علولة ما دام أنك قد روحت عن نفسك وأخرجتها من أجواء الحداد والحزن والأسى، وتهيأت بما فيه الكفاية للحصتين المتبقيتين، هكذا طمأن علولة نفسه قبل أن يستطرد مخاطبا إياها: لو التحقت بالمدرسة فور مغادرتي للمسجد لذهبت محملا بمشاعر الألم والحزن والقلق، ولزججت بالتلاميذ الأبرياء في دوامة حزني، وهو ما يتنافى مع مقامهم كأطفال لا حق لأحد في تكدير صفو سعادتهم...، لا شك أنهم تمتعوا بالحديث الفكه مع بعضهم البعض وهم خارج المؤسسة، لا شك أنهم تبادلوا الطرائف والمستملحات وأضحكوا بعضهم البعض...البركة في الحصتين المواليتين اللتين سأكون خلالهما في منتهى الجاهزية، بعدما زال عني طائف الحداد سوف يكون التلاميذ في عيد لأنني استرجعت دعابتي وسأسبغ عليهم ألوانا منها حتى يغادروني وهم في أوج فرحهم.

خلال الحصتين وفي الأيام الموالية أخبر الخطيب علولة تلاميذه بعزمه تمكينهم من الساعات الإضافية، وذكرهم بوجوب انخراط الجميع في ندائه لتقوية ملكاتهم في مادة التربية الإسلامية التي يدرسها، وربط الأمر بحبه لهم وتوخيه الأجر والثواب من خلال ترسيخ مبادئ الدين الحنيف وأفكاره في أذهانهم، خصوصا دروس علم الفرائض الذي قال لهم بأنه يمني النفس بأن يكون له شرف الحفاظ عليه من الاندثار والزوال بإعدادهم لحمل مشعله في زمن لن يكون فيه رجل واحد قادر على التصدي لحل قضية بسيطة من قضاياه...، ربط الرجل اختيار الساعات الإضافية لتلقين هذا العلم لتلاميذه بأجواء الفصل التي لا تساعد على بلورة رزنامة الأهداف التي سطرها لهذا الغرض، خاطب تلامذته قائلا: سنخصص حصة الفصل للضحك والفكاهة والترفيه عن النفس، حتى نستأنس ببعضنا البعض ونفتح شهية التعلم والتعليم، الفصل هو مقبلات التعلم، أما الساعات الإضافية فهي الوجبة الرئيسية التي لا يمكن الاستغناء عنها لمن أراد أن يقيم صلبه في علم الفرائض، وحتى لا تأخذوا الأمور باستخفاف ولا مبالاة، وحتى لا ينالكم العقاب يوم القيامة بذنب عرق معلمكم، فقد قررت أن تكون هذه الساعات الإضافية بمقابل مادي رمزي لا يتجاوز ثلاثمئة درهم في الشهر، مع واجب الاستضافة الذي لن أثقل كاهلكم به كثيرا، يكفي أن تعدوا لنا شايا ورغيفا وحلوى وفاكهة جافة وخبزا وزيت زيتون، ولا تنسوا إضافة العسل الحر إلى المائدة لأنه سيساعدكم على شحذ ذاكراتكم والتهيؤ لاستقبال علم الفرائض بنباهة وانتباه، ومن اجتهد منكم وأعد لنا، إضافة إلى هذا، طبق كسكس أو دجاج محمر، أحسن الله إليه، ومن اكتفى بما ذكرته فلا تثريب عليه، المهم عندي أن أحول بينكم وبين كبيرة عدم إكرام شيخكم وعالمكم التي تورث الإثم والعقاب وتحشر صاحبها في دائرة الجحود وإنكار فضل العلماء.

انخرط التلاميذ جميعهم في مبادرة شيخهم، لا لأنهم يريدون أن يكونوا علماء فرائض، ولكن لأنهم يعرفون أن التخلف عن النداء سيلحق بهم غضبه الذي لن يتأخر، ليرتسم على شكل دوائر في أول امتحان، اضطر الفقراء منهم إلى طلب الشفعاء للتوسط لديه من أجل تخفيض التسعيرة، فاستجاب لعدد منهم تبدو على ملامحهم علامات شظف العيش، وحصر الرسم الجمركي لدخول جنة ساعاته الإضافية في مبلغ مئتي درهم، على أمل أن يجد ثواب مئة درهم المحذوفة في صحيفته يوم القيامة، ويحشر مع المحسنين إلى الفقراء والمساكين واليتامى وعابري السبيل.

قسم الخطيب علولة تلاميذه إلى مجموعات أربع، كل مجموعة تضم عشرة أفراد، توقف عن الذهاب إلى المدرسة تفضلا منه، كما قال للناس، لمنح التلاميذ فرصة للمذاكرة، لا سيما وأن الامتحان على الأبواب لا يفصلهم عنه سوى شهر، وهو الشهر الذي جنى خلاله جراء ساعاته الإضافية أكثر من عشرة آلاف درهم، وقلب بطنه فيه في أشهى المأكولات التي اجتهد آباء متعلميه وأمهاتهم في إحضارها له، وكان الواحد منهم ينافس الآخرين في الإتيان بما لم يأتوا به، لأن الرجل كان لا يألو في الدعاء بالبركة ويطيل في ذلك لمن كان كريما، ويقصر و يدعو بصوت مهموس لمن جاء دون ذلك ولم يرض بطنه...، لم يكن هم مضيفيه دعاءه في ذاته ولذاته، وإنما كان نبضهم الذين يستطيعون أن يجسوا من خلاله نبض رضاه عن أبنائهم وإدخاله إياهم في دائرة المنعم عليهم من المقربين ومن أصحاب اليمين، وبالتالي الاطمئنان على ضمان عدم تواجدهم في حضرة المغضوب عليهم الذين لا أمل لهم في الاستفادة من بركة نقطه حتى يلج الجمل في سم الخياط.

noureddine_070@yahoo.fr

w w w .    A    r    a    b    i    c    S    t    o    r    y    . n e t

جميع الحقوق محفوظة لشبكة القصة العربية 2001-2007