[ أهلاً بالضيف الكريم ] 
للتسجيل
أنت الزائر رقم

إحصائيات الموقع

الدول المشاركة
عدد الكتَّاب
عدد النصوص
عدد الكتب
عدد التعليقات
عدد القراءات
عدد التوقيعات
عدد المشتركين
كتَّاب في الانتظار
نصوص في الانتظار
 
محمود قاسم ايام الشارلستون دراسة
التاريخ:الجمعة 3 يونيو 2016  القراءات:(187) قراءة  التعليقات:(0) لا يوجد تعليق  إهداء لصديق طباعة التعليقات أضف للمفضلة

  بقلـــم : السيد الهبيان  
محمود قاسم

أيام الشارلستون

السيد الهبيان

=========

لفضاءات الحياتية ..بما تمثله من مخزون شريط الأحداث..التى واكبت العمر.. من المجالات الرحبة لنسج الكثير من الرؤى لواقعات تأخذ موقعها فى ذاكرة التاريخ... وذلك بحكم وقعها العام ..والمؤثر.. من خلال مجريات الأحداث..التى يستحيل مرورها..دون أن تترك أثرا يحتل مكانه فى الذاكرة.

أيضا تبقى الفضاءات الحياتية ..مرجعا له أهميته فى الحال الذى كان.. فيتراءى حال استدعائه ..مثلما بدت صوره بكل ما تركته من آثار ..لم تمح من الذهن رغم انقضاء زمنها..وتتماثل فى زمن استحضارها ..وكأنها آنية الحدوث.

على خلفية ذلك..قدم الكاتب المصرى "محمود قاسم" روايته "أيام الشارلستون".. التى يمكن احتسابها تشكل ثلاثية ..مع روايتيه"سنوات الصبا"و"زمن عبد الحليم حافظ"..اعتمد فى نسجها على واقعات ..افتقدت صفة المرور العابر..وتتالت فى مراحل مختلفة ..جمع بينها صوت راويها..الذى بدا كشاهد عليها ..وكرؤية لنفق الدخول فى فترة النكسة ..عقب حرب يونيو 1967..والخروج منه بعد حرب أكتوبر عام 1973.. محددا بذلك زمن روايته "أيام الشارلستون"..الذى بدت من خلاله أحداثها.. فى شكل فصول بعدد أيام الأسبوع.. أولها أيام الدراسة الثانوية..وثانيها بداية المرحلة الجامعية..وثالثة نزهة فى عطلة شم النسيم.. ورابعها عند تفصيل أول بنطال خاص به.. وخامسها نهاية الدراسة الجامعية.. وسادسها فترة التجنيد.. وسابعه بعد أن تحقق العبور.. استحضر فيها شخصيتى "الأستاذ فيصل". مدرس الثانوى..و"ريم" طالة الجامعة..والمطربة بعد ذلك..كوجود أساسى فى الرواية.. بجانب الشخصيات الثانوية الأخرى.. "السيد بريسلى"و"محمد جيمس"..الذى أطلق على "فرغلى" بطل الرواية ."فرغلى خنفس".. بينما يؤكد أن إسمه "نادر وهيب".. و"مجاهد الوكيل"..و"سمير ملفوط"..و" راضية"و"حكيم"و"أم حسين" و"زكية" الممثلة.. التى اشتهرت باسم"زينات زين العابدين"..و"عم عبده الترزى"و"ماجده"و"أمين" زوج الأخت ..وتوأمتيه "مها وسها".. وجل هذه الشخصيات تبدو من خلال ارتباطها بالبطل "فرغلى" راوى الرواية..وعلاقاته بها.. التى أبدت ماهيتها بالنسبة لما تمثله من نماذج إنسانية ..اجتمعت على تضاد فى مسلكها الحياتى.

"السيد بريسلى" ..طالب ثانوى..اشتهر بهذا الإسم باعتباره يقلد المطرب الأمريكى "الفيس بريسلى"..رغم أنه لا يحمل أية صفة من صفاته ..ويحاول أن يقلده فيما يفعل..مثلما بدا فى فيلم "حب فى لاس فيجاس"..كغيره ممن يتزاحمون فى طرقات دور السينما..التى تعرض أفلامه.

"محمد جيمس" اسم شهرة "نادر وهيب"..سلطان البلياردو كما يدعى.. الذى يبدى إعجابه بالممثل الأمريكى "جيمس دين".. الذى يؤكد الكل أنه هو الذى صنع الجمسنة فى العالم.. لم يكمل يوما دراسيا طوال العام..ويوجد دائما فى محطة الرمل ..يبدو كأنه "روك هدسون" مدرسة العباسية الثانوية.. ولا أحد يجاريه فى شقاوة التلاميذ.. يرتدى الجديد دائما.. ولا يوجد مدرس ممن يسخر منهم..لأنهم لا يأتون إلى المدرسة فى بزات..وليس لديهم من الأطقم مثله.. وأطلق "فرغلى خنفس" على بطل الرواية عندما انضم إليه هو و"السيد بريسلى" كمذنب مثلهما.. كما كان أول من تمرد على العقاب بتنظيف المدرسة..الذى قام "الأستاذ فيصل" بتوقيعه على المذنبين الثلاثة.. يرمى الصناديق ثم يقفز من فوق السور ..ويصطحبهما عبر شوارع المدينة إلى صالة البلياردو.. حيث يلتقى برفاقه الذين تعودوا على الهروب مثله من المدرسة..وكل ما يجمعهم ببطل الرواية ..أنه بدا صاحب تقليعة مثلهما ..بعد أن رأى صورة لفريق الخنافس..بموضاتهم الجديدة ..التى قلدهم فيها شباب الدنيا.. فلم يقص شعره على منوالهم.. دون أن يدرى أن أمره سينكشف بسرعة..وسيكون أول خنفس فى مدرسة العباسية الثانوية.. يتم إخراجه من طابور الصباح..لكنه أحس بالفخر لشهرته..عندما عرف الجميع أنه مستجدا فى عالم التقاليع ..قد انضم إلى فرقة المشاغبين..المعروفة فى المدرسة.

"سمير ملفوظ"..طالب الآداب الذى بدا كمقدم حفل الكلية السنوى فى صورة الوطنى.. يتأسى من خلال خطبة حماسية بسبب احتلال سيناء.. ويعلن عن تكوين جماعة أصدقاء المقاتل.. وموعد تسجيل اسم من يرغب فى الانضمام إليها.. ثم يبدو أثناء تقديم الفقرات الترفيهية ..كشخص غريب عن سابقه..وكأنه انسلخ منه إلى إنسان آخر.

"مجاهد الوكيل"..طالب الآداب أيضا.. قدم البطل إلى "ريم"..وكأنه أهم شخصية وافدة من جدد كلية الآداب.. ودود فى الحديث.. لكنه يجعل من تلاميذ سنة أولى عرائس صغيرة..يثبت بها لزملائه اتسعاع دائرة معارفه.

"راضية".. إحدى زميلات كلية الآداب.. صديقة "ريم".. عندما زارت معها البطل فى غرفته فوق السطوح..والتى كسى جدرانها بصور "الفيس بريسلى".. و"شون كوترى"و"ستيف ماكوين"و"مارلون براندو"و "جونى هاليداى" وغيرهم ..رددت بصفتها ابنة أحد البشوات السابقين "آه أورجينال".. بينما "حكيم الذى رافقهما فى هذه الزيارة..أخذ يسب ويلعن فى من كان السبب فيها.

ومن ثم فكل مايربط بينهم وبين البطل..معرفته بهم كزملاء فى كلية الآداب.. رافقوه سنوات الدراسة ..وتباينت علاقته بهم ..رغم أنها لم تخرج عن كونها علاقات عابرة..ارتبطت بمرحلة الدراسة الجامعية.

"أم حسين"..امرأة بدوية..دائما متشحة بالسواد..تقوم بخدمة "ريم" فى فيلا بسيدى عبد الرحمن على شاطىء البحر.. لم ترض عن تصرفات ضيوفها..وخاصة حال ارتكاب بعضهم الخطيئة..فى خفية عن الآخرين.

"زكية" الممثلة ..التى اشتهرت باسم "زينات زين العابدين".. من صديقات "ريم".. اصطحبت معها أحد الشباب ادعت أنه مطربا.. ثم غافلت الجميع وتسللت معه إلى سطح الفيلا ..لتمارس معه الفحشاء.. بطريق معينة بالفجور.. مما أثار انتباه "أم حسين" العجوز.. فصعدت إليهما وضبطتهما ..وكشفت تصرفهما الماجن ..فرددت "زينات" لها فى قحة.." الله يخرب بيتك..ماذا حدث.. هل حرام أن نتسلى قليلا".. وحاولت أن تغير الموقف لصالحها ..لكن "ريم" طردنها شر طردة.

"عم عبده " الترزى..صاحب المحل الذى دخله بشوات الإسكندرية..ورجالها البارزين..رغم أنه قديم..وضيق.. كان زميل "عبد الحميد باشا" فى مدرسة العباسية الثانوية.. وعمل بها مدرسا إلى أن أحيل إلى المعاش.. وباقتراح من "عبد الحميد باشا"..عمل بالمحل وأطلق عليه بلا من خياط على الموضة..إلى خياط البشوات.. لكونه كان شكليا للحياكة.. وفى الحقيقة كان ملتقى للبشوات..والبكوات..فى وقت من الأوقات.. ويوم افتتاحه شهد حى الجمرك حضور مختلف الطبقات.. وزراء وباشوات وبكوات..وأيضا أعضاء برلمان..وأولاد بلد وبلطجية ..وسعديون ووفديون.. كما أرسل الملك له تهنئة فى هذه المناسبة..تملأ جدرانه صور الممثلين والمشاهير.. ومنها صورة محتشمة للمثلة "زينات زين الدين".. التى أبدتها عكس مسلكها الحياتى.. ويعرف "عم عبده" الكثير من موضة الشارلستون التى ارتداها الكثيرون.. عندما نالت شهرتها عام 1965..وصحح للبطل معلوماته عنها ..عندما طلب منه أن يقوم بتفصيل بنطاله مثلها.. ليرتديه يوم عرس "الأستاذ فيصل"..الذى أرسله إليه بعد أن أطرى عليه.. وظن أنه سيجد محلا مضاءا بالنيون..واجهاته زجاجية ..وبه أكثر من شخص.. لكنه وجده حانوتا صغيرا..أبوابه من خشب قديم..و ليست عليه أية إشارة تدل على مهنة المحل.. وعرف منه "الأستاذ فيصل"..هو أحسن ما يجيد اختيار الألوان على الموضة.. إلا أنه لايلبس إلا ما يناسبه ..وما يقتنع به.. وإذا كان "عم عبده" قد علم أجيالا كثيرة فى مدرسة العباسية الثانوية.. ويعملون الآن مستشارين وضباطا كبار..وأعضاء منتدبين لمؤسسات كبرى.. فقد خرجت من محله أجيالا تلبس أكثر الملابس أناقة..وعلى الموضة.

"ماجده" صاحبة اللقاء العابر..الذى جمع بينها وبين البطل ..بعد أن تواعد عليه.. فذهب إليها مرتديا أفضل ماعنده على الموضة.. لكنها فا جأته بأن أناقته ينقصها حذاء جديد.. وعندما حاول أن يبدو بأنه يعرف المكان جيدا.. اكتشف أنها هى الى تعرفه جيدا..مما أوقعه فى حيرة.. ورأى وهو معها إحدى بنات أخته التوأم.. تجلس مع شاب..وهرولت هاربة عندما رأته قبل أن يحدد إذا كانت "مها"أو" سها"..من التوأمين.

"امين" زوج الأخت الذى سافر للعمل فى "ليبيا"..ويتمنى أن يرى فى ابنتيه ذكاء خالهما ..ويحصلان مثله على ليسانس الآداب.. لكن غربته عنهما أثرت عليهما..رغم الدروس الخصوصية ..ولم يكن أمامهما غير الالتحاق بمعهد متوسط.. يؤكد أن الغربة موحشة.. وثمنها قاس..والعروس التى تسافر مع من اشتراها بمبلغ كبير بالنسبة لأهلها.. هذا المبلغ لايساوى أجرة المبيت فى فندق فى أى مكان.. كما أنها تتحول إلى خادمة فى بيت زوجها وإخوته.

هذه الشخصيات بتنوعها..بدت عرضا فى سياق الرواية.. كتواجد عابر فى حياة بطلها.. فلم تترك من أثر فى حياته..إلا كونها نماذج إنسانية..لها مثيلتها فى الحياة.. ممن تتراءى لهم أنها مبهرة فى أحد جوانبها.. منها ما تعرف عليها مباشرة..كزملاء الدراسة الثانوية والجامعة.. ومنها ما تعرف عليه من خلال معرفته بالأستاذ فيصل.. و"ريم".. إذ كان الارتباط بهما خليقا بأن يكون له أثره عليه..بسبب مسلكه الحياتى الذى تغلب عليه المثالية.

فالأستاذ فيصل مدرس التربية الريضية بالمدرسة..يشرف على طابور الصباح أيام السبت والاثنين والأربعاء.. بالتناوب مع زميل له يشرف فى الأيام الأخرى من أيام الأسبوع.. فضلا عن أنه مكتشف تقليعة البطل فى تقليده لفريق الخنافس.. وحملت عبارته "نهارك كله خنفسه" كل وعيد..إلا أنه لم يفضحه أمام الجميع ..ولكزه وهو يأمره بانتظاره أمام الغرفة واحد..التى ظنها البطل مليئة بالفئران.. والحشرات القارضة..وسوف يقضى فيها يومه ..عقابا على خنفسته الوقحة..ثم اكتشف أنها غرفة للألعاب الرياضية..وقد سبقه إليها مذنبان آخران.. علق أحدهما على تحركات الأستاذ قيصل..الذى دخل الغرفة.. ثم خرج منها دون أن يحدث منه شىء تجاههم بقوله "فيصل حركات".. وعندما عاد إليهم قرر معاقبتهم..بعد أن سخر منهم.. بأن أمرهم بتنظيف حوش المدرسة.. ثم فاجأهم فى صالة البلياردو ..التى ذهبوا إليها بعد هروبهم من المدرسة.. ودفعهم أمامه.. وأصر على تنفيذ عقابه لهم ..أمام كل طلاب المدرسة.. ولم تمس يده صدغ أى منهم.. ونطق بعبارته الشهيرة" لست من المدرسين الذين يستدعون أولياء الأمور..طالما أننى ولى الأمر".. وأصر على إعطاء البطل ما يعينه على العودة عندما رآه واقفا على محطة الأوتوبيس.. وهو يرقبه خلال انشغاله بلعب الطاولة مع الحاج هاشم صاحب أشهر عمارة فى شارع النيل..حدث ذلك فى وقت ظن فيه البطل أنه لايشعر بوجوده فى وقفته..كما ظن عندما دعاه إليه ..أنه سوف يدفع بصندوق القمامة إليه..لأنه كان يمشط شعره بطريقة الخنفسة..وهو ما ساعد البطل على العودة إلى منزله بعد انتهاء الحفل..لانتهاء صلاحية الاشتراك الذى يستخدمه فى ركوب المواصلات إلى كليته.. وفى يوم شم النسيم أوقف أوتوبيس رحلة المدرسة ودعاه للركوب باهتمام لاحظه التلاميذ.. وعندما بدا عليه التردد ..تركه قائلا وهو يضحك"سلم على الدنيارة".. فقد كان يعرف "ريم" جيدا..بعد أن حدثه عنها ..وتمنى أن يتعرف عليها.. دعاه أيضا إلى حفل زفافه..وأشار عليه بقص شعره قبل ذهابه إلى وحدته العسكرية بعد تجنيده..

وبحكم الصداقة التى جمعت بينهما أخبره "عم مهدى" الحلاق بمرضه.. وتواجده بالمستشفى الأميرى..فسارع إلى رؤيته..ثم اصطحبه إلى بيته.. وفى اجازته الأخيرة تواعد معه.. وخرج بصحبته بعيدا عن كرموز..الحى الذى يعيش فيه.. ثم استفسر منه عن أموره فى الجيبش..رغم أنه كان يبدو كرجل عجوز ..أصابه الملل من سرير المرض الذى أقعده.. عرف منه سر تجنيده..وبأنه كان ممن لم يصبهم الدور.. ثم قرروا بأنه غير لائق طبيا..وأمام أحد محلات الملابس ذكر له أن زوجته كثيرا ما تلح عليه ليشترى ملابس مزركشة..وأن يطلق سوالفه مثل الصعاليك.. ثم تمنى وهو يقف امام فترينة أن يدخل عليها بملابس أطفال..وكشف عن لهفته فى رؤية زوجته حاملا.. بسبب افتقاده للذرية..وبعد أن كان يرى الأطفال أغلى من النساء..وجد أن الأولاد بعد أزمته الأخيرة أحلى ما فى الدنيا..وأمام نادى البلياردو حكى له عن سبب معرفته به..واكتشافه هروب التلاميذ إلى سينما الهمبرا..التى كان يهدد مديرها وهو يأمره بأن يضىء أنوار الصالة .. ليستطيع رؤية تلاميذه.. وكانت معرفته لهذه الأماكن لأنه كان أحد روادها..ووسط المعارك وصلت برقية للبطل بأن أستاذه فيصل فى رحاب الله.. بدا كأنه لم يختر اللحظة المناسبة التى مات فيها..وأن أرملته كلفت من أحد أقاربها إرساله إليه.

و"ريم" ابنة أحد كبار تجارالقطن فى البورصة.. أمها فرنسية.. تتكلم ثمان لغات.. صارخة الجمال..بسيطة فى أناقتها..قدمته إلى "مجاهد الوكيل": حال تعرفه عليها فى الكلية.. بأنه شاعر موهوب..عرف عنها أنها فى السنة الثالثة بقسم اللغة الفرتسية..وأنها قررت البقاء فى الكلية لأطول وقت ممكن..منذ التحاقها بها قبل خمس سنوات..كانت تسخر من الفتيات اللاتى يرتدين الجونلات القصرة.. وعرفها الجميع بأنها مطربة الجامعة.. دعنه لزيارتها فى بيتها..وتعودت أن تستقبله ببساطة غير مفتعلة.. كما دعته لمرافقتها فى نزهة شم النسيم بالفيلا فى سيدى عبد الرحمن..وبعد تجنيده صارت جزءا من اجازاته ..تستقبله فى شقتها بالقاهرة..وتترك له حرية التصرف فيها.. وتابع نشاطها الغنائى..ويرى أنها تغنى له وحده..وأنها تكاد تنطق بإسمه فى أغنيتها.. وبعد أن حققت نجاحها الذى كانت تنشده..أصبحت حبلا من الذكريات.. يبدأ منذ رؤيتها فى طرقات كلية الآداب لأول مرة ..فى خريف 1967.

من ثم فما بدت عليه هذه الشخصيات بتنوعها عبر المسار السردى.. وما يمكن استخلاصه عنها ..من خلال صوت الراوى.. قد يبدو من السهل تعميم معطياتها ..لتماثلها مع غيرها.. بحسبان أنها تمثل نماذج إنسانية تزخربها الحياة الاجتماعية.. لكن ثمة ما يجعلها تختلف عن بعضها.. إذا ما بدا الأمر متعلقا بدلالتها.. وفرضية تواجدها من خلال بنية النص.. وآليات الحال الذى خيم بطلاقة على الواقع..بوصفه الأساس الفعلى لفضاء الرواية.

فتلاقى المذنبين .."فرغلى" بطل الرواية ..و"نادر وهيب" و"سيد بريسلى"..لا يختلف فى ظاهره..عن كونهم نوعية من تلاميذ المدارس ..تستهويها الصرعات الشبابية ..أيا كان مصدرها..وتحاول أن تقوم بتقليدها ..هادفة من ذلك لفت الانتباه إليها..واحتسابها ملفتة للإنتباه وسط أقرانها.. بعد أن استهواها الوصف بالتشبيه بأصحاب الصرعات الوصفية..التى تبدو منسوبة إليهم.. كالجكسنة والخنفسة..وغير ذلك من المسميات الشبابية ..التى جمعت بينها..رغم اختلاف مجنمعاتها ..مما يبدى أن التشبه بمثل هذه التقاليع الغرائبية المستحدثة..لا يترك أثرا فى العادة على المحصلة الدراسية..فقد التحق "فرغلى" بالجامعة نتيجة جده واجتهاده..واهتمامه بالدراسة..و"نادر وهيب" لم يكن يكمل يومه الدراسى..طوال العام الذى التحق فيه بالمعهد العالى للتربية الرياضية.. بينما "سيد بريسلى" التحق بأحد المعاهد المسائية ..لتحسين مجموعه فى العام الدراسى الجديد..وفى وسط المحيط الدراسى أيضا.. بدا "مجاهد الوكيل" بإصراره على التواجد فى بؤرة الصورة دائما بالنسبة للآخرين.. سواء كان ذلك فى مرحلة دراسته الجامعية..أو فى معسكر التجنيد بعد ذلك.. و"ريم" كان لنشأتها فى بيت طاهر شريف..أثرا فى ابتعادها عن الانحراف..فرفضت التصرف الماجن التى قامت به الراقصة "زينات زين الدين"..وطردتها شر طردة من فيلا سيدى عبد الرحمن من بين ضيوفها..وانعكس موقفها هى و خادمتها "أم حسين"..تجاه "زينات زين الدين"..وجهين للمسلك الحياتى ..العاكس لحالتى الطهر الرافض للانحلال الخلقى..رغم أنه كان ثمة تحرر من القيود المكبلة للانحراف.

لكن "فرغلى" خرج من صحبة رفاق الدراسة..بالاطلاع على الجديد الذى بدا خارج محيط حياته البسيطة..بينما هو يجهل عنه كل شىء..فمع "نادر وهيب" شاهد ألعاب البلياردو..داخل كازينو اشتهربها..ووسط عالم بدا فيه كنبت غريب ..لم يتخيل قط أنه سيقترب منه ..لكونه سيكلفه مالا يستطيع أن ينفقه فيه من مال.. و فى بيت "ريم" رأى أشياءا وأشخاصا.. ولم يخطر بفكره أبدا أنه سيكون يوما ..بين فنانين وأدباء وأساتذة جامعة وصحفيين مشهورين..ورجال سياسة.. كما جمعت الصداقة بينه وبين الأستاذ فيصل مدرس التربية الرياضية.. بالمدرسة الثانوية..وامتدت هذه الصداقة حتى رحيل الاستاذ عن الحياة..

وسط هذا الفضاء السردى ..ننماثل ظلال نكسة يونيو 1967..فارضة نفسها كمناخ عام لزمن الرواية انتهى بنهايتها.. بدت التقاليع الشبابية كأحد أسبابها ..فقد بدا الشباب كالمخنثين..شعورهم طويلة كشعر المرأة الفاجرة.. سلاسل تتعلق فى صدورهم..أساور جلد مرصعة بالأزرار اللامعة فى الأيدى.. اللبان فى الفم..أزرار القمصان مفتوحة..السوالف طويلة..كعوب الأحذية عالية مثل كعوب أحذية النساء.. يطرقعون بها مثلهم.. يكتظون فى تجمعات يلتهمون الفشار وشرب المثلجات..تقتحم عيونهم صدور النساء..وأوراك الفتيات ذوات الجونلات القصيرة..وأمثال هؤلاء هم الذين أتوا بالنكسة كما كان يشاع.. والتى جعلت الجميع يشعر كأنهم مثل الجسد الذى اقتطع منه شىء..بعد أن تمكنت يد الغدر من احتلال سيناء.. ورغم ذلك كانت الحفلات الترفيهية مستمرة.. لم تتوقف..كما لم يتوقف البعض عن ممارسة حياته كما تعود.. وكأنه يعيش فى عالم غريب "لايمكن لأى شخص يتصور أنه جزء من مصر"..رغم أن فى تلك الأيام العجاف..كانت نشرات الأخبار فيها..تمتلىء بأنباء غارات الطائرات الإسرائيلية..التى كانت تضرب فى أعماق المدن..وقتلت الأطفال الأبرياء فى مدرسة بحر البقر.. وكثرت زيارات الفنانين للجبهة.. وصدرت التعليمات بدهان نوافذ البيوت باللون الأزرق الداكن..حتى لاينفذ الضوء خارجها أثناء الليل.. وعشرات النعوش التى حملت جثث شهداء حرب الاستنزاف..تأخذ طريقها إلى المقابر فى ظلمة الليل.. دون السماح بالنواح عليهم.. بدا ذلك على المستوى العام.. أما على المستوى الخاص..فقد رأى "فرغلى" فى قول الأستاذ فيصل له بحسرة..عندما اكتشف تقليده للخنافس.."أمثالك هم من أتوا لنا بالنكسة".. ما سوف يصيبه على يده..ويكون أشد عليه من النكسة..والحزن العام الذى سيطر على الناس..وعندما طالع وجهه فى المرآة..بعد أن بدا برأسه الحلوق..وبرر ذلك لنفسه..بأن الآخرين يدفعون حياتهم ..فداءا لأوطانهم.. فلماذا لايضحى هو بشعر رأسه.. وسوالفه الطويلة.. وعندما اتردى أول بدلة عسكرية..وأمسك بندقية تجسدت أمامه كل الأشباح الإسرائيلية..وأراد أن يطيح بها.. وعندما استلم البرقية المختصرة التى حملت له نبأ وفاةمعلمه وصديقه ..الاستاذ فيصل..بدا له أنه لم يختر اللحظة المناسبة التى مات فيها..لأنه مات فى اليوم اسابع من اندلاع المعارك..وقبل أن ينعم بفرحة الخلاص من النكسة..بينما وجد فى غناء "ريم الحكيم" ..عندما سمعها لأول مرة ..فى حفل الجامعة.. ابتهال فى صورة غناء..إلى الحياة والجمال والسلام.. وفى بيتها سمع الحديث عن الوطن الجريح.. الذى هزمه الإسرائيليون.وتآمر عليه الأمريكان.. والطائرات التى تغير من وقت لآخر ..لتضرب أعماق مصر كما تشاء.. والرادار الذى تمت سرقته فى البحر الأحمر.. وكانت أول أغنية لها عن الهواء..فى حفل أقامته جمعية أسر الشهداء.. قدمها فيه المذيع كصوت من أصوات المستقبل.. شبهه بصوت البحر يغنى أمام الجموع.. لجيل جديد يؤمن بأن الحياة ستستمر.. وبعد أن حققت النجاح الذىكانت تنشده..تخيلها جالسة بجوار ملحنها الشهير ..تحثه على أن ينتهى من تلحين أنشودتها.."قلبى يحبك يامحارب".. وبدت له وكأنها تغنى من أجله وحده..وتكاد أن تنطق بإسمه للناس فى أغنيتها.

لقد بدا ذلك من خلال آليات السرد ..كإشارات موحية..أو كاشفة..عن حدث من أحداث الرواية..وكذكرى عن أى من شخصياتها..يتراءى له مايبرر وضعها ..دونما التزام مباشر بمسار منفصل عنها.. ومن ثم بدا المنظور العام للرواية..كاستجضار لأحداثها..من خلال صوت الراوى لها.. لكن ذلك الاستحضار لم يكن عن "أيام الشارلستون" كعنوان للرواية.. وإنما كان عن فترة النكسة..و أيام حرب اكتوبر.

* * *
* * *
* * *
* * *
*

السيد الهبيان

محمود قاسم أيام الشارلستون السيد الهبيان ========= لفضاءات الحياتية


محمود قاسم
أيام الشارلستون

السيد الهبيان
=========
لفضاءات الحياتية ..بما تمثله من مخزون شريط الأحداث..التى واكبت العمر.. من المجالات الرحبة لنسج الكثير من الرؤى لواقعات تأخذ موقعها فى ذاكرة التاريخ... وذلك بحكم وقعها العام ..والمؤثر.. من خلال مجريات الأحداث..التى يستحيل مرورها..دون أن تترك أثرا يحتل مكانه فى الذاكرة.
أيضا تبقى الفضاءات الحياتية ..مرجعا له أهميته فى الحال الذى كان.. فيتراءى حال استدعائه ..مثلما بدت صوره بكل ما تركته من آثار ..لم تمح من الذهن رغم انقضاء زمنها..وتتماثل فى زمن استحضارها ..وكأنها آنية الحدوث.
على خلفية ذلك..قدم الكاتب المصرى "محمود قاسم" روايته "أيام الشارلستون".. التى يمكن احتسابها تشكل ثلاثية ..مع روايتيه"سنوات الصبا"و"زمن عبد الحليم حافظ"..اعتمد فى نسجها على واقعات ..افتقدت صفة المرور العابر..وتتالت فى مراحل مختلفة ..جمع بينها صوت راويها..الذى بدا كشاهد عليها ..وكرؤية لنفق الدخول فى فترة النكسة ..عقب حرب يونيو 1967..والخروج منه بعد حرب أكتوبر عام 1973.. محددا بذلك زمن روايته "أيام الشارلستون"..الذى بدت من خلاله أحداثها.. فى شكل فصول بعدد أيام الأسبوع.. أولها أيام الدراسة الثانوية..وثانيها بداية المرحلة الجامعية..وثالثة نزهة فى عطلة شم النسيم.. ورابعها عند تفصيل أول بنطال خاص به.. وخامسها نهاية الدراسة الجامعية.. وسادسها فترة التجنيد.. وسابعه بعد أن تحقق العبور.. استحضر فيها شخصيتى "الأستاذ فيصل". مدرس الثانوى..و"ريم" طالة الجامعة..والمطربة بعد ذلك..كوجود أساسى فى الرواية.. بجانب الشخصيات الثانوية الأخرى.. "السيد بريسلى"و"محمد جيمس"..الذى أطلق على "فرغلى" بطل الرواية ."فرغلى خنفس".. بينما يؤكد أن إسمه "نادر وهيب".. و"مجاهد الوكيل"..و"سمير ملفوط"..و" راضية"و"حكيم"و"أم حسين" و"زكية" الممثلة.. التى اشتهرت باسم"زينات زين العابدين"..و"عم عبده الترزى"و"ماجده"و"أمين" زوج الأخت ..وتوأمتيه "مها وسها".. وجل هذه الشخصيات تبدو من خلال ارتباطها بالبطل "فرغلى" راوى الرواية..وعلاقاته بها.. التى أبدت ماهيتها بالنسبة لما تمثله من نماذج إنسانية ..اجتمعت على تضاد فى مسلكها الحياتى.
"السيد بريسلى" ..طالب ثانوى..اشتهر بهذا الإسم باعتباره يقلد المطرب الأمريكى "الفيس بريسلى"..رغم أنه لا يحمل أية صفة من صفاته ..ويحاول أن يقلده فيما يفعل..مثلما بدا فى فيلم "حب فى لاس فيجاس"..كغيره ممن يتزاحمون فى طرقات دور السينما..التى تعرض أفلامه.
"محمد جيمس" اسم شهرة "نادر وهيب"..سلطان البلياردو كما يدعى.. الذى يبدى إعجابه بالممثل الأمريكى "جيمس دين".. الذى يؤكد الكل أنه هو الذى صنع الجمسنة فى العالم.. لم يكمل يوما دراسيا طوال العام..ويوجد دائما فى محطة الرمل ..يبدو كأنه "روك هدسون" مدرسة العباسية الثانوية.. ولا أحد يجاريه فى شقاوة التلاميذ.. يرتدى الجديد دائما.. ولا يوجد مدرس ممن يسخر منهم..لأنهم لا يأتون إلى المدرسة فى بزات..وليس لديهم من الأطقم مثله.. وأطلق "فرغلى خنفس" على بطل الرواية عندما انضم إليه هو و"السيد بريسلى" كمذنب مثلهما.. كما كان أول من تمرد على العقاب بتنظيف المدرسة..الذى قام "الأستاذ فيصل" بتوقيعه على المذنبين الثلاثة.. يرمى الصناديق ثم يقفز من فوق السور ..ويصطحبهما عبر شوارع المدينة إلى صالة البلياردو.. حيث يلتقى برفاقه الذين تعودوا على الهروب مثله من المدرسة..وكل ما يجمعهم ببطل الرواية ..أنه بدا صاحب تقليعة مثلهما ..بعد أن رأى صورة لفريق الخنافس..بموضاتهم الجديدة ..التى قلدهم فيها شباب الدنيا.. فلم يقص شعره على منوالهم.. دون أن يدرى أن أمره سينكشف بسرعة..وسيكون أول خنفس فى مدرسة العباسية الثانوية.. يتم إخراجه من طابور الصباح..لكنه أحس بالفخر لشهرته..عندما عرف الجميع أنه مستجدا فى عالم التقاليع ..قد انضم إلى فرقة المشاغبين..المعروفة فى المدرسة.
"سمير ملفوظ"..طالب الآداب الذى بدا كمقدم حفل الكلية السنوى فى صورة الوطنى.. يتأسى من خلال خطبة حماسية بسبب احتلال سيناء.. ويعلن عن تكوين جماعة أصدقاء المقاتل.. وموعد تسجيل اسم من يرغب فى الانضمام إليها.. ثم يبدو أثناء تقديم الفقرات الترفيهية ..كشخص غريب عن سابقه..وكأنه انسلخ منه إلى إنسان آخر.
"مجاهد الوكيل"..طالب الآداب أيضا.. قدم البطل إلى "ريم"..وكأنه أهم شخصية وافدة من جدد كلية الآداب.. ودود فى الحديث.. لكنه يجعل من تلاميذ سنة أولى عرائس صغيرة..يثبت بها لزملائه اتسعاع دائرة معارفه.
"راضية".. إحدى زميلات كلية الآداب.. صديقة "ريم".. عندما زارت معها البطل فى غرفته فوق السطوح..والتى كسى جدرانها بصور "الفيس بريسلى".. و"شون كوترى"و"ستيف ماكوين"و"مارلون براندو"و "جونى هاليداى" وغيرهم ..رددت بصفتها ابنة أحد البشوات السابقين "آه أورجينال".. بينما "حكيم الذى رافقهما فى هذه الزيارة..أخذ يسب ويلعن فى من كان السبب فيها.
ومن ثم فكل مايربط بينهم وبين البطل..معرفته بهم كزملاء فى كلية الآداب.. رافقوه سنوات الدراسة ..وتباينت علاقته بهم ..رغم أنها لم تخرج عن كونها علاقات عابرة..ارتبطت بمرحلة الدراسة الجامعية.
"أم حسين"..امرأة بدوية..دائما متشحة بالسواد..تقوم بخدمة "ريم" فى فيلا بسيدى عبد الرحمن على شاطىء البحر.. لم ترض عن تصرفات ضيوفها..وخاصة حال ارتكاب بعضهم الخطيئة..فى خفية عن الآخرين.
"زكية" الممثلة ..التى اشتهرت باسم "زينات زين العابدين".. من صديقات "ريم".. اصطحبت معها أحد الشباب ادعت أنه مطربا.. ثم غافلت الجميع وتسللت معه إلى سطح الفيلا ..لتمارس معه الفحشاء.. بطريق معينة بالفجور.. مما أثار انتباه "أم حسين" العجوز.. فصعدت إليهما وضبطتهما ..وكشفت تصرفهما الماجن ..فرددت "زينات" لها فى قحة.." الله يخرب بيتك..ماذا حدث.. هل حرام أن نتسلى قليلا".. وحاولت أن تغير الموقف لصالحها ..لكن "ريم" طردنها شر طردة.
"عم عبده " الترزى..صاحب المحل الذى دخله بشوات الإسكندرية..ورجالها البارزين..رغم أنه قديم..وضيق.. كان زميل "عبد الحميد باشا" فى مدرسة العباسية الثانوية.. وعمل بها مدرسا إلى أن أحيل إلى المعاش.. وباقتراح من "عبد الحميد باشا"..عمل بالمحل وأطلق عليه بلا من خياط على الموضة..إلى خياط البشوات.. لكونه كان شكليا للحياكة.. وفى الحقيقة كان ملتقى للبشوات..والبكوات..فى وقت من الأوقات.. ويوم افتتاحه شهد حى الجمرك حضور مختلف الطبقات.. وزراء وباشوات وبكوات..وأيضا أعضاء برلمان..وأولاد بلد وبلطجية ..وسعديون ووفديون.. كما أرسل الملك له تهنئة فى هذه المناسبة..تملأ جدرانه صور الممثلين والمشاهير.. ومنها صورة محتشمة للمثلة "زينات زين الدين".. التى أبدتها عكس مسلكها الحياتى.. ويعرف "عم عبده" الكثير من موضة الشارلستون التى ارتداها الكثيرون.. عندما نالت شهرتها عام 1965..وصحح للبطل معلوماته عنها ..عندما طلب منه أن يقوم بتفصيل بنطاله مثلها.. ليرتديه يوم عرس "الأستاذ فيصل"..الذى أرسله إليه بعد أن أطرى عليه.. وظن أنه سيجد محلا مضاءا بالنيون..واجهاته زجاجية ..وبه أكثر من شخص.. لكنه وجده حانوتا صغيرا..أبوابه من خشب قديم..و ليست عليه أية إشارة تدل على مهنة المحل.. وعرف منه "الأستاذ فيصل"..هو أحسن ما يجيد اختيار الألوان على الموضة.. إلا أنه لايلبس إلا ما يناسبه ..وما يقتنع به.. وإذا كان "عم عبده" قد علم أجيالا كثيرة فى مدرسة العباسية الثانوية.. ويعملون الآن مستشارين وضباطا كبار..وأعضاء منتدبين لمؤسسات كبرى.. فقد خرجت من محله أجيالا تلبس أكثر الملابس أناقة..وعلى الموضة.
"ماجده" صاحبة اللقاء العابر..الذى جمع بينها وبين البطل ..بعد أن تواعد عليه.. فذهب إليها مرتديا أفضل ماعنده على الموضة.. لكنها فا جأته بأن أناقته ينقصها حذاء جديد.. وعندما حاول أن يبدو بأنه يعرف المكان جيدا.. اكتشف أنها هى الى تعرفه جيدا..مما أوقعه فى حيرة.. ورأى وهو معها إحدى بنات أخته التوأم.. تجلس مع شاب..وهرولت هاربة عندما رأته قبل أن يحدد إذا كانت "مها"أو" سها"..من التوأمين.
"امين" زوج الأخت الذى سافر للعمل فى "ليبيا"..ويتمنى أن يرى فى ابنتيه ذكاء خالهما ..ويحصلان مثله على ليسانس الآداب.. لكن غربته عنهما أثرت عليهما..رغم الدروس الخصوصية ..ولم يكن أمامهما غير الالتحاق بمعهد متوسط.. يؤكد أن الغربة موحشة.. وثمنها قاس..والعروس التى تسافر مع من اشتراها بمبلغ كبير بالنسبة لأهلها.. هذا المبلغ لايساوى أجرة المبيت فى فندق فى أى مكان.. كما أنها تتحول إلى خادمة فى بيت زوجها وإخوته.
هذه الشخصيات بتنوعها..بدت عرضا فى سياق الرواية.. كتواجد عابر فى حياة بطلها.. فلم تترك من أثر فى حياته..إلا كونها نماذج إنسانية..لها مثيلتها فى الحياة.. ممن تتراءى لهم أنها مبهرة فى أحد جوانبها.. منها ما تعرف عليها مباشرة..كزملاء الدراسة الثانوية والجامعة.. ومنها ما تعرف عليه من خلال معرفته بالأستاذ فيصل.. و"ريم".. إذ كان الارتباط بهما خليقا بأن يكون له أثره عليه..بسبب مسلكه الحياتى الذى تغلب عليه المثالية.
فالأستاذ فيصل مدرس التربية الريضية بالمدرسة..يشرف على طابور الصباح أيام السبت والاثنين والأربعاء.. بالتناوب مع زميل له يشرف فى الأيام الأخرى من أيام الأسبوع.. فضلا عن أنه مكتشف تقليعة البطل فى تقليده لفريق الخنافس.. وحملت عبارته "نهارك كله خنفسه" كل وعيد..إلا أنه لم يفضحه أمام الجميع ..ولكزه وهو يأمره بانتظاره أمام الغرفة واحد..التى ظنها البطل مليئة بالفئران.. والحشرات القارضة..وسوف يقضى فيها يومه ..عقابا على خنفسته الوقحة..ثم اكتشف أنها غرفة للألعاب الرياضية..وقد سبقه إليها مذنبان آخران.. علق أحدهما على تحركات الأستاذ قيصل..الذى دخل الغرفة.. ثم خرج منها دون أن يحدث منه شىء تجاههم بقوله "فيصل حركات".. وعندما عاد إليهم قرر معاقبتهم..بعد أن سخر منهم.. بأن أمرهم بتنظيف حوش المدرسة.. ثم فاجأهم فى صالة البلياردو ..التى ذهبوا إليها بعد هروبهم من المدرسة.. ودفعهم أمامه.. وأصر على تنفيذ عقابه لهم ..أمام كل طلاب المدرسة.. ولم تمس يده صدغ أى منهم.. ونطق بعبارته الشهيرة" لست من المدرسين الذين يستدعون أولياء الأمور..طالما أننى ولى الأمر".. وأصر على إعطاء البطل ما يعينه على العودة عندما رآه واقفا على محطة الأوتوبيس.. وهو يرقبه خلال انشغاله بلعب الطاولة مع الحاج هاشم صاحب أشهر عمارة فى شارع النيل..حدث ذلك فى وقت ظن فيه البطل أنه لايشعر بوجوده فى وقفته..كما ظن عندما دعاه إليه ..أنه سوف يدفع بصندوق القمامة إليه..لأنه كان يمشط شعره بطريقة الخنفسة..وهو ما ساعد البطل على العودة إلى منزله بعد انتهاء الحفل..لانتهاء صلاحية الاشتراك الذى يستخدمه فى ركوب المواصلات إلى كليته.. وفى يوم شم النسيم أوقف أوتوبيس رحلة المدرسة ودعاه للركوب باهتمام لاحظه التلاميذ.. وعندما بدا عليه التردد ..تركه قائلا وهو يضحك"سلم على الدنيارة".. فقد كان يعرف "ريم" جيدا..بعد أن حدثه عنها ..وتمنى أن يتعرف عليها.. دعاه أيضا إلى حفل زفافه..وأشار عليه بقص شعره قبل ذهابه إلى وحدته العسكرية بعد تجنيده..
وبحكم الصداقة التى جمعت بينهما أخبره "عم مهدى" الحلاق بمرضه.. وتواجده بالمستشفى الأميرى..فسارع إلى رؤيته..ثم اصطحبه إلى بيته.. وفى اجازته الأخيرة تواعد معه.. وخرج بصحبته بعيدا عن كرموز..الحى الذى يعيش فيه.. ثم استفسر منه عن أموره فى الجيبش..رغم أنه كان يبدو كرجل عجوز ..أصابه الملل من سرير المرض الذى أقعده.. عرف منه سر تجنيده..وبأنه كان ممن لم يصبهم الدور.. ثم قرروا بأنه غير لائق طبيا..وأمام أحد محلات الملابس ذكر له أن زوجته كثيرا ما تلح عليه ليشترى ملابس مزركشة..وأن يطلق سوالفه مثل الصعاليك.. ثم تمنى وهو يقف امام فترينة أن يدخل عليها بملابس أطفال..وكشف عن لهفته فى رؤية زوجته حاملا.. بسبب افتقاده للذرية..وبعد أن كان يرى الأطفال أغلى من النساء..وجد أن الأولاد بعد أزمته الأخيرة أحلى ما فى الدنيا..وأمام نادى البلياردو حكى له عن سبب معرفته به..واكتشافه هروب التلاميذ إلى سينما الهمبرا..التى كان يهدد مديرها وهو يأمره بأن يضىء أنوار الصالة .. ليستطيع رؤية تلاميذه.. وكانت معرفته لهذه الأماكن لأنه كان أحد روادها..ووسط المعارك وصلت برقية للبطل بأن أستاذه فيصل فى رحاب الله.. بدا كأنه لم يختر اللحظة المناسبة التى مات فيها..وأن أرملته كلفت من أحد أقاربها إرساله إليه.
و"ريم" ابنة أحد كبار تجارالقطن فى البورصة.. أمها فرنسية.. تتكلم ثمان لغات.. صارخة الجمال..بسيطة فى أناقتها..قدمته إلى "مجاهد الوكيل": حال تعرفه عليها فى الكلية.. بأنه شاعر موهوب..عرف عنها أنها فى السنة الثالثة بقسم اللغة الفرتسية..وأنها قررت البقاء فى الكلية لأطول وقت ممكن..منذ التحاقها بها قبل خمس سنوات..كانت تسخر من الفتيات اللاتى يرتدين الجونلات القصرة.. وعرفها الجميع بأنها مطربة الجامعة.. دعنه لزيارتها فى بيتها..وتعودت أن تستقبله ببساطة غير مفتعلة.. كما دعته لمرافقتها فى نزهة شم النسيم بالفيلا فى سيدى عبد الرحمن..وبعد تجنيده صارت جزءا من اجازاته ..تستقبله فى شقتها بالقاهرة..وتترك له حرية التصرف فيها.. وتابع نشاطها الغنائى..ويرى أنها تغنى له وحده..وأنها تكاد تنطق بإسمه فى أغنيتها.. وبعد أن حققت نجاحها الذى كانت تنشده..أصبحت حبلا من الذكريات.. يبدأ منذ رؤيتها فى طرقات كلية الآداب لأول مرة ..فى خريف 1967.
من ثم فما بدت عليه هذه الشخصيات بتنوعها عبر المسار السردى.. وما يمكن استخلاصه عنها ..من خلال صوت الراوى.. قد يبدو من السهل تعميم معطياتها ..لتماثلها مع غيرها.. بحسبان أنها تمثل نماذج إنسانية تزخربها الحياة الاجتماعية.. لكن ثمة ما يجعلها تختلف عن بعضها.. إذا ما بدا الأمر متعلقا بدلالتها.. وفرضية تواجدها من خلال بنية النص.. وآليات الحال الذى خيم بطلاقة على الواقع..بوصفه الأساس الفعلى لفضاء الرواية.
فتلاقى المذنبين .."فرغلى" بطل الرواية ..و"نادر وهيب" و"سيد بريسلى"..لا يختلف فى ظاهره..عن كونهم نوعية من تلاميذ المدارس ..تستهويها الصرعات الشبابية ..أيا كان مصدرها..وتحاول أن تقوم بتقليدها ..هادفة من ذلك لفت الانتباه إليها..واحتسابها ملفتة للإنتباه وسط أقرانها.. بعد أن استهواها الوصف بالتشبيه بأصحاب الصرعات الوصفية..التى تبدو منسوبة إليهم.. كالجكسنة والخنفسة..وغير ذلك من المسميات الشبابية ..التى جمعت بينها..رغم اختلاف مجنمعاتها ..مما يبدى أن التشبه بمثل هذه التقاليع الغرائبية المستحدثة..لا يترك أثرا فى العادة على المحصلة الدراسية..فقد التحق "فرغلى" بالجامعة نتيجة جده واجتهاده..واهتمامه بالدراسة..و"نادر وهيب" لم يكن يكمل يومه الدراسى..طوال العام الذى التحق فيه بالمعهد العالى للتربية الرياضية.. بينما "سيد بريسلى" التحق بأحد المعاهد المسائية ..لتحسين مجموعه فى العام الدراسى الجديد..وفى وسط المحيط الدراسى أيضا.. بدا "مجاهد الوكيل" بإصراره على التواجد فى بؤرة الصورة دائما بالنسبة للآخرين.. سواء كان ذلك فى مرحلة دراسته الجامعية..أو فى معسكر التجنيد بعد ذلك.. و"ريم" كان لنشأتها فى بيت طاهر شريف..أثرا فى ابتعادها عن الانحراف..فرفضت التصرف الماجن التى قامت به الراقصة "زينات زين الدين"..وطردتها شر طردة من فيلا سيدى عبد الرحمن من بين ضيوفها..وانعكس موقفها هى و خادمتها "أم حسين"..تجاه "زينات زين الدين"..وجهين للمسلك الحياتى ..العاكس لحالتى الطهر الرافض للانحلال الخلقى..رغم أنه كان ثمة تحرر من القيود المكبلة للانحراف.
لكن "فرغلى" خرج من صحبة رفاق الدراسة..بالاطلاع على الجديد الذى بدا خارج محيط حياته البسيطة..بينما هو يجهل عنه كل شىء..فمع "نادر وهيب" شاهد ألعاب البلياردو..داخل كازينو اشتهربها..ووسط عالم بدا فيه كنبت غريب ..لم يتخيل قط أنه سيقترب منه ..لكونه سيكلفه مالا يستطيع أن ينفقه فيه من مال.. و فى بيت "ريم" رأى أشياءا وأشخاصا.. ولم يخطر بفكره أبدا أنه سيكون يوما ..بين فنانين وأدباء وأساتذة جامعة وصحفيين مشهورين..ورجال سياسة.. كما جمعت الصداقة بينه وبين الأستاذ فيصل مدرس التربية الرياضية.. بالمدرسة الثانوية..وامتدت هذه الصداقة حتى رحيل الاستاذ عن الحياة..
وسط هذا الفضاء السردى ..ننماثل ظلال نكسة يونيو 1967..فارضة نفسها كمناخ عام لزمن الرواية انتهى بنهايتها.. بدت التقاليع الشبابية كأحد أسبابها ..فقد بدا الشباب كالمخنثين..شعورهم طويلة كشعر المرأة الفاجرة.. سلاسل تتعلق فى صدورهم..أساور جلد مرصعة بالأزرار اللامعة فى الأيدى.. اللبان فى الفم..أزرار القمصان مفتوحة..السوالف طويلة..كعوب الأحذية عالية مثل كعوب أحذية النساء.. يطرقعون بها مثلهم.. يكتظون فى تجمعات يلتهمون الفشار وشرب المثلجات..تقتحم عيونهم صدور النساء..وأوراك الفتيات ذوات الجونلات القصيرة..وأمثال هؤلاء هم الذين أتوا بالنكسة كما كان يشاع.. والتى جعلت الجميع يشعر كأنهم مثل الجسد الذى اقتطع منه شىء..بعد أن تمكنت يد الغدر من احتلال سيناء.. ورغم ذلك كانت الحفلات الترفيهية مستمرة.. لم تتوقف..كما لم يتوقف البعض عن ممارسة حياته كما تعود.. وكأنه يعيش فى عالم غريب "لايمكن لأى شخص يتصور أنه جزء من مصر"..رغم أن فى تلك الأيام العجاف..كانت نشرات الأخبار فيها..تمتلىء بأنباء غارات الطائرات الإسرائيلية..التى كانت تضرب فى أعماق المدن..وقتلت الأطفال الأبرياء فى مدرسة بحر البقر.. وكثرت زيارات الفنانين للجبهة.. وصدرت التعليمات بدهان نوافذ البيوت باللون الأزرق الداكن..حتى لاينفذ الضوء خارجها أثناء الليل.. وعشرات النعوش التى حملت جثث شهداء حرب الاستنزاف..تأخذ طريقها إلى المقابر فى ظلمة الليل.. دون السماح بالنواح عليهم.. بدا ذلك على المستوى العام.. أما على المستوى الخاص..فقد رأى "فرغلى" فى قول الأستاذ فيصل له بحسرة..عندما اكتشف تقليده للخنافس.."أمثالك هم من أتوا لنا بالنكسة".. ما سوف يصيبه على يده..ويكون أشد عليه من النكسة..والحزن العام الذى سيطر على الناس..وعندما طالع وجهه فى المرآة..بعد أن بدا برأسه الحلوق..وبرر ذلك لنفسه..بأن الآخرين يدفعون حياتهم ..فداءا لأوطانهم.. فلماذا لايضحى هو بشعر رأسه.. وسوالفه الطويلة.. وعندما اتردى أول بدلة عسكرية..وأمسك بندقية تجسدت أمامه كل الأشباح الإسرائيلية..وأراد أن يطيح بها.. وعندما استلم البرقية المختصرة التى حملت له نبأ وفاةمعلمه وصديقه ..الاستاذ فيصل..بدا له أنه لم يختر اللحظة المناسبة التى مات فيها..لأنه مات فى اليوم اسابع من اندلاع المعارك..وقبل أن ينعم بفرحة الخلاص من النكسة..بينما وجد فى غناء "ريم الحكيم" ..عندما سمعها لأول مرة ..فى حفل الجامعة.. ابتهال فى صورة غناء..إلى الحياة والجمال والسلام.. وفى بيتها سمع الحديث عن الوطن الجريح.. الذى هزمه الإسرائيليون.وتآمر عليه الأمريكان.. والطائرات التى تغير من وقت لآخر ..لتضرب أعماق مصر كما تشاء.. والرادار الذى تمت سرقته فى البحر الأحمر.. وكانت أول أغنية لها عن الهواء..فى حفل أقامته جمعية أسر الشهداء.. قدمها فيه المذيع كصوت من أصوات المستقبل.. شبهه بصوت البحر يغنى أمام الجموع.. لجيل جديد يؤمن بأن الحياة ستستمر.. وبعد أن حققت النجاح الذىكانت تنشده..تخيلها جالسة بجوار ملحنها الشهير ..تحثه على أن ينتهى من تلحين أنشودتها.."قلبى يحبك يامحارب".. وبدت له وكأنها تغنى من أجله وحده..وتكاد أن تنطق بإسمه للناس فى أغنيتها.
لقد بدا ذلك من خلال آليات السرد ..كإشارات موحية..أو كاشفة..عن حدث من أحداث الرواية..وكذكرى عن أى من شخصياتها..يتراءى له مايبرر وضعها ..دونما التزام مباشر بمسار منفصل عنها.. ومن ثم بدا المنظور العام للرواية..كاستجضار لأحداثها..من خلال صوت الراوى لها.. لكن ذلك الاستحضار لم يكن عن "أيام الشارلستون" كعنوان للرواية.. وإنما كان عن فترة النكسة..و أيام حرب اكتوبر.
*************
السيد الهبيان



w w w .    A    r    a    b    i    c    S    t    o    r    y    . n e t

جميع الحقوق محفوظة لشبكة القصة العربية 2001-2007