[ أهلاً بالضيف الكريم ] 
للتسجيل
أنت الزائر رقم

إحصائيات الموقع

الدول المشاركة
عدد الكتَّاب
عدد النصوص
عدد الكتب
عدد التعليقات
عدد القراءات
عدد التوقيعات
عدد المشتركين
كتَّاب في الانتظار
نصوص في الانتظار
 
بائع أحلام بائع أحلام
التاريخ:  القراءات:(357) قراءة  التعليقات:(0) لا يوجد تعليق  إهداء لصديق طباعة التعليقات أضف للمفضلة

  قصة ، من : هشام احمد الشامي  

تطوف على زوار المقهى – ذات السؤال - تمد يدا وبالاخرى تحمل رضيعاً .. تمر أمام العاطل والحرفي والأستاذ ، من يرتدي بذلة ومن بجيبه بضع نقود تكفي لدفع حساب ( واحد شاي ) .

بين الكراسي (المتراصة ) فوق رصيف المقهى جلست جانب صديقي الذي ألتقيه على فترات متفاوته . أحياناً وسط الأصدقاء ، وأحياناً عن طريق الصدفة ، وأوقاتاً بعد أتصال هاتفي بدأه هو صباح اليوم .

طلبت فنجاناً من القهوة ، وطلب هو كوب شاي ( فتلة ) . تناولنا الأحاديث المعتادة حول دنياك ودنياي ودنيا الناس .

وبتلك العادة العجيبة انتقاها من بين المتسولين اللذين مروا قبلها . بطفلها المسنود على كتفها ، والحجاب الشرعي بثوبه الأسود الذي يغطي جسدها ووجهها عدا عينيها ويديها البضتين .

لم تكن المرة الأولى التي يختار تلك الفئة من المجتمع ليمارس هوايته . فمنذ حوالي عام صباح أحد الايام عندما بدأنا رحلة التجوال للبحث عن عمل وعند عبورنا كوبري المشاه كان ملقى هناك فتى يتدثر بغطاء من الصوف ، غطائه مرتع للثقوب التي ترى من خلالها بنطاله وسترته الجلدية السوداء المهترئة مغتنما فرصة النوم الهادىء في هذا الوقت من الصباح . وأشار لي صاحبي ( بص النمرة دي ) . نكز الصغير بركلتين وصاح (أنت يا بني ) . استفاق الولد على الفور ورفع الغطاء وقال ( ايه يا باشا . معملتش حاجة ) . فسأله ( أنت بتشتغل ايه ؟ ( فرك الفتى عينيه ووقف ) على باب الله يا باشا ) . (طيب واللي يجبلك شغل تبطل صياعة ؟ ). أندهش الفتى مثلما اندهشت وعلقت الاجابة في حلقة . ( ما ترد ياض . انت مش عايز تتلم وتشتغل ؟ ) . (أيوه يا باشا عايز ! ) . وأخرج كارت من جيب ( البليزر ) وأعطاه للفتى ( أبقى اتصل بيا النهاردة الساعة 4 بعد العصر ) .. وكما لمحت المطبوع على الكارت ( مكتب استشاري . محمد فتحي .... ، مهندس مدني . تراخيص ... ) .

تركنا الفتى القابض على الكارت ثم سألته ( ايه اللي انت عملته ده ؟ ). ضحك وقال ( بس ايه رأيك ..( واستطرد دون الإلتفات لي ) ده كارت اداهولي الواد حلمي أول امبارح . اشتغل في مكتب هندسي ) .. صمت ليأخذ نفسا عميقا من سيجارته ثم أردف ( على أساس أن انا عندي عمارتين عايزين يتبنوا ) .. لم أرتاح من تلك الإجابة فكررت ( طب ليه اديت الكارت للولد ) . قال وهو ينظر أمامه باتجاه دخان سيجارته وهو يطرده من رئتيه ( يا عم أحنا بندوّور على شغل . واليوم طويل .. خلينا نتسلى ) .

في الكثير من الأوقات لا تنظر للمتسول إذا كنت لا تنوى إعطاءه شيئا ؛ فتكتفي بإشارة من يدك و( الله يسهلك ) حتى يتركك ويتجه لغيرك . وإذا نويت إعطائه ما تيسر لك من مال ينتقل جم تركيزك على ما في جيبك لتنتقي وتنتشل ( الفكة ) من بين النقود . ربما بعدها تتبعه بنظرة خاطفة .

أما صاحبي .. فظل ينظر إليها . إلى عينيها وهي في موجة استرسال الأدعية .. تركها حتى انتهت من وصلة الاستعطاف .. لم يضع يده في جيبه . لم يستخرج قرشا . وهي تنتظر وتنظر لهذا المحملق فيها حتى يعطيها أجرة الدعائين وتنصرف.

وقال لها ( يلزمك كام عشان متسأليش تاني ) .. صمتت للحظات وهي تستوعب هذا الهراء أو هذا الكلام الجاد ثم قالت ورموشها تتذبذب ( يا بيه أنا غلبانه وبجري على عيالي ) . وكأنه لم يسمع ما قالت فكرر سؤاله بصيغة أخرى ( أيوه . يعني قد ايه فلوس وتبطلي شحاته ؟ ) . كان سؤاله كفيلا يجرح كبريائها لتقول ( يا عم أانا مليش في المشي العوج .. السلام عليكم ) . ارتحلت وهي تهدهد طفلها . بعدها قام وقال لي ( ثواني وراجع ) . ترك علبة سجائره وما تبقى من كوب الشاي وسار خلفها .

صديقي بهي المظهر لكنه لا يمتلك المال الذي يفيض به على الغلابة ، فلا يزال بدون عمل وأوقاتا يساعد والده في دكان البقالة الصغير .. على اية حال كلها دقائق ويعود ويفسر لي ما وقع بينهما من حديث ثم نضحك من تلك المزحة الجديدة .

بعد أكثر من ربع ساعة عاد وعلى وجهه سمات الانتصار . جلس وأشعل سيجارة وقال ( حنام معاها . ومن غير فلوس ) لم اندهش مما قاله بقدر دهشتي من تلك المنتقبة ، حاولت أن أداري انزعاجي بينما اسأله ( ازاي يعني حتنام معاها وببلاش ؟ ) ..

بعد أن استوقفها حدثها عن النذر الذي وعد به بعد حكم المحكمة له بملكية الأرض الموروثة لصالحه . وانه بدأ بالفعل في انشاء عمارتين ، وعن دكان بقالة أو الهايبر ماركت الذي يمتلكه ، وسوف يهبها مبلغ عشرة الاف جنيه دفعة واحدة حتى لا تتسول مرة ثانية .

( يعني اشتغلتها !.. ) تفوهت بالكلمتين وعاد هو ليكمل حديثهما . فهي أخبرته أنها ارملة وتعول طفلين ، أحدهما بين يديها الان والاخر يبيع مناديل على آخر الشارع . ولا يوجد دخل ثابت يعينها على ( العيشة المُرّة ) .

كما اقسم لها إن تابت وتركت عمل التسول سوف يعطيها ما لم تحلم به . فقد ارتاح لها قلبه وتبادلا أرقام الهواتف ، وكي تحتفظ بالرقم أخرجت الهاتف وحشرت يدها بين ثدييها . واخر ما طلبه كان طلبا صغيرا . أن يرى وجهها الصبوح . ورفعت النقاب ..

بعد هذا اليوم انقطعت اخباره لأسابيع . ربما شهرين أو أكثر ، بادرت خلالها باتصال وحيد ولم يجب ولم اتصل بعدها .

بعد قرابة ثلاثة أشهر صادفت شريف صديقنا وجاره . علمت منه أن صديقي تزوج عرفياً من امرأة ما . وقد كثرت الأقاويل حولها ، تارة يقولون انها امرأة مومس . وتارة يقولون انها تتاجر في المخدرات . وآخرون يؤكدون انها تعمل بالشحاذة . وأخبرني أيضا أن في أحشائها طفل منه وفي الشهر الثاني . وكما يقال أيضا أن لها زوج اخر في السجن .

وبعد عام صادفته يوما واقفا عند ناصية شارعه ليهمس في اذني ( مش عايز حته بني .. ساعد اخوك في بناء مستقبله ). ضحك وقهقهت فالأحلام تباع وتشترى أحياناً .

من المجموعة القصصية خدش حياء

w w w .    A    r    a    b    i    c    S    t    o    r    y    . n e t

جميع الحقوق محفوظة لشبكة القصة العربية 2001-2007