[ أهلاً بالضيف الكريم ] 
للتسجيل
أنت الزائر رقم

إحصائيات الموقع

الدول المشاركة
عدد الكتَّاب
عدد النصوص
عدد الكتب
عدد التعليقات
عدد القراءات
عدد التوقيعات
عدد المشتركين
كتَّاب في الانتظار
نصوص في الانتظار
 
قليل من الحب،كثير من الدواء  
التاريخ:  القراءات:(1189) قراءة  التعليقات:(2) تعليقان  إهداء لصديق طباعة التعليقات أضف للمفضلة

  قصة ، من : فاطمة منسي  
* * *

السرير رقم 1

* * *

غرفة تضج بالأنين و الألم ..... وتفوح برائحة الدواء .

ومهما حاولت أن تتحلى بالهدوء ..... تفقد قدرتك على ذلك بسرعة ....وتتنازعك شتى المشاعر المتناقضة ....التي لا تكاد تفهمها ....ولكنها تنهال على عقلك كالمطر .

تتمدد امرأة مسنة على السرير الأول .... تئن وتتوجع بلا انقطاع .

موجات الأنين تتردد في المكان ... وتستقر في الأسماع ....مثل لحن خفي ...يجسد معاناة الإنسان ....عندما يصبح عاجزا ...لا يتكلم ...ولا يبلع الطعام ...ولا يستطيع أن يقضي حاجته .

ترى ... ما قيمة الحياة على هذه الحال ؟

تنشج بنغمة واهنة .... كلما حركتها الممرضة ... لتقوم بتنظيفها من البراز .

وإلى جوارها تجلس امرأة أخرى ..... ربما تجاوزت الأربعين ....تبدو على محياها .... سيماء النبل والطيبة .... تقلب بصرها ... وتتأمل المريضة بإشفاق ..... وقلق بالغ .

لا تنفك تخاطبها .... بحنان ورقة ..... قائلة : ....سلامتك يا أمي .. اصبري قليلا يا أمي ... أذكري الله .. أطلبي منه الشفاء .

أحيانا تحتضن يديها .... وتفركها برقة ولطف ......ومرة تمسح على جبينها ....كانت تبذل قصارى جهدها .... للتخفيف من آلام أمها .

في الحقيقة ..لامست قلبي بحنانها ورقتها ....وبرها بأمها .... العجوز المريضة .... التي أصيبت بجلطة في الدماغ .... فقدت على إثرها الحركة والنطق والبلع .

ورغم رقة السيدة .... وحدبها العميق .... على أمها . إلا أن خاطرا غريبا .... جرى في نفسي .... تساءلت ... ألا تتمنى هذه السيدة النبيلة الخلق .... و البالغة الرقة .... لأمها أن تموت وترتاح من كل هذه الآلام ؟ !

وهل شعورها العميق .... بالحب والوفاء لأمها .... يتعارض مع أمنيتها الخفية .

* * *

السرير رقم 2

* * *

على هذا السرير ... ترقد امرأة أخرى .... أشد عذابا من الأولى .

ما لاحظته عيني .... لأول مرة . ...كيس القسطرة ....الموضوعة تحت السرير و المتصلة بها . وتقيئ باستمرار .... وبصورة مريعة ........ فكلما طعمت طعاما .... رجعته .

سلامات يا أختي .... هكذا خاطبت مرافقتها التي ... كانت تجلس .... عند رأس السرير

الله يسلمك ...ردت علي بلهجة .... يشوبها الحزن والقلق .

من هذه المريضة ؟

إنها أختي ... عافاها الله

الله يشفيها .... قلت ذلك بهدوء .... ثم أردفت ماذا يؤلمها ؟

ترددت قليلا .... صمتت هنيهة .... ثم قالت عندها أورام على المبايض .... وقد قامت باستئصال الثديين بسبب الأورام .... منذ ثماني سنوات .

ولكن هل هذه الأورام خبيثة ؟

لا ندري حتى الآن ........ننتظر نتائج الفحوصات أسأل الله أن يشفيها .... ويشفي كل مريض .

وأنا أتأمل ... حالة هذه المريضة .... سألت نفسي .... ترى ماذا يجري في قلبها ونفسها من الشعور بالألم ؟

ترى .... ماذا تقول لنفسها ؟ وهل سأشفى ؟ وهل هي أورام خبيثة ؟

ترى ... كم بقي من عمري في هذه الحياة ؟

بم تفكر امرأة .... مهددة بسرطان المبايض ؟

في اللحظة .... التي نشعر فيها ... بقرب المنية نشعر في الوقت ذاته ... وكأننا لم نعش يوما واحدا .

كم هي قصيرة هذه الحياة .... وتبدو مثل كذبة منسوجة بإحكام ؟

يعترينا الشعور بالغرابة من كل شيء

أين صبانا وأمالنا وأحبتنا ؟

أين ضحكاتنا في الأوقات السعيدة ؟

سوف نترك كل ذلك .... ونمضي بشعور الحسرة .... كأننا خدعنا .... وغدرت بنا الأيام . وفاجأتنا المنية ..... و سبحان الله .....القائل (ولقد جئتمونا فرادى كما خلقناكم أول مرة وتركتم ما خولناكم وراء ظهوركم )

* * *

السرير رقم 3

* * *

هذا سريري ...جلست على طرفه .... في البدء على مضض .....حاولت أن أرتبه بطريقة مريحة

شعور عميق بغرابة كل شيء ....فأنا أبحث عن السلوى في قلب المأساة ... ربما تصالحت مع المرض .... وعقدت صفقة مع الألم .

لطالما سخرت ... من الألم والعجز .... والأدوية والأطباء .

سخرت من رغبتي .... في حياة مليئة بالتعب والخسارة . وتطلعت إلى موت مجيد .... يقترب من درجة الشهادة .

ماذا يمكن لطبيب حاذق أن يفعل مع مرض قاس ....يجعل من الإنسان عاجزا عن التمتع بالحياة ؟ !

الطبيب لا يملك الشفاء ....ومهما كان لديه من تقنيات العلاج و أحدث أسالبيه فلا يمكنه أن يقرر أن المريض سيشفى ....لأن الشافي هو الله ...أما الطبيب والدواء مجرد أسباب .

ومرة بعد مرة ... أتلوا على نفسي المزعزعة قول المولى "وإذا مرضت فهو يشفين "

إنها مجرد أزمة عابرة ....مثل العشرات من الأزمات .... التي عشتها بسبب الفشل الكلوي .

وأرغمتني على البقاء .... في المشافي .... فترات طويلة ومتقطعة

عانيت طوال الوقت .... من اضطراب الضغط ..... وتسرب المياه إلى صدري ..... ومن ثم أعجز عن التنفس ..... بصورة طبيعية .

ودائما يضعني الطبيب .... تحت الملاحظة .... رغم أنفي .

عندما يعاني المريض ... من فشل الكلى ...يمتد الفشل .... إلى حياته كلها .

ومهما يتحلى به الإنسان .... من الإيمان والشجاعة النفسية ...ومهما كان لديه من ... الهدوء والاتزان ...فإن الألم بقوته وطغيانه ...يهزمك أحيانا ... ويسلب منك الشعور بالقوة .

الألم بفظاعته وعذاباته ....يعيدك إلى حقيقتك .... التي غابت عنك .... لبعض الوقت ..حقيقة كونك ضعيفا وعاجزا .... وأنك بلا حول ولا قوة . وسبحان الذي وصف الإنسان فقال " وخلق الإنسان ضعيفا " .

الألم يجردك .... من أسباب القوة والطغيان ويدفعك إلى التفكر في مصيرك .... بل في مصير كل إنسان ؟

حقا .... ما أتعس المريض ؟

وما أعظم شعوره بالعجز والوحدة ؟

فوحشته لا حدود لها ....ولو كان محاطا بأهله وأحبته ورفاقه ....يظل شعوره بالوحدة عميقا ...مثل بئر لا قرار لها . وتنصهر نفسه تحت مطارق الألم ...فتصبح ذات شفافية عالية ...كل شيء يجرحها ....يعذبها ....ويترك آثارا بليغة على صفحتها

والمرض كذلك مرآة صقيلة .... تعكس صورة المجتمع وقيمه ...وما يعتلج في النفوس من الخير والشر ...من الفضائل والرذائل .

والمرض يمزق تلك الأقنعة .... التي تحجب الوجوه ... ويشف عن مكنون النفوس ... فتبدوا على حقيقتها .

كم زائر يدعو لك بالشفاء ويتمنى لك الموت في نفسه ؟

كم من زائر بكى من أجلك وهو شامت بك ؟

الكثير من حولك يتمنى لك الشفاء ويبدي الأسف والإشفاق لحالك .

ألأحبة كلهم يشفقون عليك ... ولكن أنت تشعر بأنك وحيد ...وحيد وحدة هائلة .

الكلمات والمعاملة اللطيفة لا تعزيك ...تشعر أحيانا عندما تفقد الأمل بأن مأساتك لا تصفها الكلمات

إن مساعدة المريض ليواجه المرض بكل قوة وشجاعة وصبر هو واجب إنساني جليل .

إن الرحمة هي أعظم تجليات الإنسانية .

إن حياة المريض تتضاءل ....وتضيق يوما بعد يوم ...فتصبح كمساحة السرير الذي يرقد في المشفى . بل يشعر أحيانا أن الحياة كلها أضيق من خرم إبرة . ‏


‏25‏/08‏/16

w w w .    A    r    a    b    i    c    S    t    o    r    y    . n e t

جميع الحقوق محفوظة لشبكة القصة العربية 2001-2007