[ أهلاً بالضيف الكريم ] 
للتسجيل
أنت الزائر رقم

إحصائيات الموقع

الدول المشاركة
عدد الكتَّاب
عدد النصوص
عدد الكتب
عدد التعليقات
عدد القراءات
عدد التوقيعات
عدد المشتركين
كتَّاب في الانتظار
نصوص في الانتظار
 
مأزق وجنة الانتخابي قصة قصيرة
التاريخ:  القراءات:(482) قراءة  التعليقات:(0) لا يوجد تعليق  إهداء لصديق طباعة التعليقات أضف للمفضلة

  قصة ، من : أمل الفاران  
أخذها السائق للمدرسة الثانوية في الحي المجاور، عند بابها وقفت قابضة على هويتها وعدة أوراق أعطاها إياها زوجها، كان اسم المرشح الذي ستنتخبه الخمسينية محسوماً، وقد أجرى أكبر أولادها لها اختبارات غير ضرورية لتضع يدها على رسم اسم عمه في قوائم يغيرها حتى لا ترتكب أمه أي خطأ..

ساحة المدرسة تكتلات نسائية تنبعث منها طاقات ملتهبة، من أقرب المجموعات انفلتت امرأة سمينة وقصدتها، خطوات المقبلة تطحن الحصى وتكشف طرف تنورة سوداء بحافة مغبرة. دنت الغريبة منها، كلماتها المهموسة تفرقع وسطها بعض الأصوات لتؤكد عدم اعتياد صاحبتها النبرة المنخفضة: نحن نساء ويجب أن ندعم بعضنا.. انتخبي الأستاذة هدى .. معلمة ومتحدثة جيدة وستطالب لنا بأمور لن يحرص الرجال على تحقيقها.. نصرها بإذن الله انتصار لنا كلنا.

إشارتها للمرشحة المعلمة ذكرتها بسخرية ابنتها من مجتمع المعلمات: " لهن سمات تعرفينها من أحذيتهن عريضة المقدمة وحقائبهن الكبيرة، مع أصواتهن المتيقنة من كل كلمة يتفوهن بها.

تذكرت سخرية زوجها من مُرشحة وعدت بتقليل نسبة التلوث في البلد، وأخرى تعهدت ببناء قصور أفراح في كل حي. قلقت من يسألها أحد عن برنامج شقيق زوجها.

انتزعتها شابة قبضت على ساعد الخمسينية، تعانقها ضاغطة ضلوعها بقوة: هلا وغلا بأم فالح.. هلا بأغلى بنات أخوالي! ( ثم تناجيها) والله إنك عند الظن فيك دائماً يا وجنة.. لم أنس الاتصال بك، كنت متأكدة أنك لن تحتاجي تذكيراً بدعمنا.

وجنة التي جهزها الزوج والعيال للانتخاب ظلت تحوم في السور كعنز في مخاض. قريبتها بعد دقيقتين قنعت منها بغمغمة أقرب لوعد، وجرت تستقبل فوجا جديداً تقنص فيه معارفها.

تنبش وجنة حقيبتها باحثة في جوالها. بعد ثلاث رنات تهمس لابنتها: ولد عمتي أيضا رشح نفسه للانتخابات، أكنت تعرفين ذلك؟! أخته هنا وتحسبني جئت لأصوّت له.

ضحكة جلجلت ممتدة من حنجرة البنت في بيتهم حتى المدرسة، تلقتها الأم بتنهيدة ثم رجتها: اعجلي.. كيف أتصرف؟

كانت أم فالح قد تجنبت الاتصال زوجها لتسلم تقريعه، وعليها الآن أن تستقبل موعظة طويلة من ابنتها التي لم تنجح ضغوط الأب والأشقاء في جعلها تشارك. بدل الموعظة حكت البنت لأمها حكاية.

" في ذاك الزمان كان للخليفة وزير يبغضه، وأراد أن يتخلص منه دون أن تتسامع أطراف الأمصار بأنه ظلم رجلا أخلص له.

استتمت حيلة نسجها الخليفة ومستشاره فبعثا - في حلكة الليل- للوزير جنودا شدادا غلاظا، طرقاتهم على قصر الوزير زلزلت بابه، استيقظ وقد اقتحم خادم غرفته: سيدي الوزير مولانا الخليفة بعث يطلبك حالاً.

بصوت حشرجه النوم والفزع ردد : الله يستر!

لبس على عجل والهواجس تؤرجحه بين خشية ورجاء، تلج عربته أول بوابات القصر الكبير تذكر وصية والده: احذر ذوي التيجان .. يرفعونك في عليين بكلمة، وتظل عمرك الباقي تخشى كلمة تهوي بك أسفل سافلين.

اضطربت أمعاؤه وهو يقبل على المجلس. تجاوز الحرس والمستشار ليدنو من الخليفة.

الستيني شبه مضطجع على مقعده، وجهه الكالح انعكس على الوزير فشحب تماما. قبّل يمين مولاه ثم طأطأ منتظراً أوامره.

ببطء وبجدية قال الخليفة: أريدك أن تحسب لي عدد النجوم في السماء، وتعيّن لي مركز الأرض بدقة.

بملامح مفجوعة راوحت نظرات الوزير بين سيده ومستشاره الذي أشاح بوجهه.

لسان الوزير المعتاد في المجلس على ألفاظ محددة ردد : أبشر!

خرج وصوت الخليفة يثقب رأسه: إن لم تأتني بالجواب الشافي غدا مع طلوع الشمس فلا تريني وجهك مرة أخرى.

عوضاً عن أن يعود للبيت اتجه لبيت أبي نواس، أدخله الشاعر بيته فإذا بالوزير يتوسله: أنجدني.. أنا في مأزق لا حول لي فيه ولا قوة، ولن يساعدني للخروج منه سالما سواك.

أبو نواس جال في ساحة بيته ساعة، مرة يرفع بصره لقبة السماء التي تسقفه، ومرات يخفضها للأرض الرملية تحته.

سبابته على شفته السفلى وإبهامه يسند ذقنه. يفكر والوزير يعده بكل وعد يظن أنه يقدر على الوفاء به.

طلعت الشمس على أفواج بشر طار بينهم الخبر البارحة فجاءوا للفرجة، دخل الوزير يجر أقدامه، أطرافه ترتعش وأنفاسه متلاحقة، والجموع حوله تستر تعطشها للبطش بتعاطف باهت مع الضحية.

يصمت الجميع حين يدخل الخليفة، يتبوأ مقعده ليشير للوزير مباشرة: هات ما عندك.

- لم أنم البارحة يا مولاي أحسب نجوم السماء لأطلعكم عليها.

قدّم الوزير رقما عشوائياً لنجوم السماء، وبدل أن يوجه التحدي للخليفة قال للحضور: من لا يصدقني فليحصها بنفسه.

قطّب الخليفة، فانبرى مستشاره: فماذا عن مركز الأرض؟ هل حددته كما أمر مولانا؟

ينسف الوزير طرف عباءته ليخرج وتدا خبأه لهذه اللحظة، أسفل عرش الخليفة ركز الوتد ودقّه، ثم رفع رأسه: هنا يا مولاي مركز الأرض، فسبحان من جعله تحت ظل عرشك.

ضحك الخليفة مجاملا جمهوراً هلل للوزير، أثنى على ذكاء وزيره ثم صرف الحضور، وبغضب أمسك بتلابيب المستشار: قلت إنها خطة ناجحة تظهر عجزه وتريحني منه..

- مولاي مهلك.. إن كان نجا من هذه فسيقع في غيرها.. أعدك"

زفرت الأم حين سكتت البنت: يعني؟! لمن أصوت؟

انقطع الهاتف قبل أن تأتيها الإجابة، تحاول إعادة الاتصال وتتكرر بصرامة رسالة شركة الاتصالات الكئيبة بأن الرصيد لا يكفي.

انتظرت بيأس صوت ابنتها، ثم دخلت من بوابة تبلع النساء. استقبلتها موظفات بوجوه لها قدرة على بث عدوى جمودها في كل داخلة.

في الورقة التي مددنها بها وقعت عيناها بسرعة على اسم حماها. أشرن لحجرات زجاجية وراءهن، ورغم أن المكعب الذي دخلته كان أقرب شكلا لمصعد إلا أن وجنة شعرت أنه حجرة أشعة. ضمت ساقيها وأرخت عباءتها، فحصت القائمة غير الطويلة مرة أخرى بحثا عن اسم ابن خالها، تحسس إصبعها المخضب بالحناء الاسم بحسرة. رسمت إشارة الصح التي دربها عليها رجلها وطوت الورقة .

في البيت أسمعت زوجها وأولادها ما أرادوا سماعه، ثم اتجهت لحجرتها، دخلت عليها ابنتها وهي تبدل ثيابها، قبّلت البنت رأس أمها : انقطع الخط وانتظرتك لتتصلي مرة أخرى( حين لم ترد الأم أضافت الشابة بحرج) جوالي يستقبل فقط.

دست الأم جسدها في فراشها وأعطت بنتها ظهرها، رفعت الفتاة طرف اللحاف مبتسمة: لمن راح صوتك يا أم فالح؟

جذبت وجنة الغطاء بغضب: وهو صوتي يفرق؟!

من وحي انتخابات المجالس البلدية في السعودية

w w w .    A    r    a    b    i    c    S    t    o    r    y    . n e t

جميع الحقوق محفوظة لشبكة القصة العربية 2001-2007