[ أهلاً بالضيف الكريم ] 
للتسجيل
أنت الزائر رقم

إحصائيات الموقع

الدول المشاركة
عدد الكتَّاب
عدد النصوص
عدد الكتب
عدد التعليقات
عدد القراءات
عدد التوقيعات
عدد المشتركين
كتَّاب في الانتظار
نصوص في الانتظار
 
خمس روايات لما وقع ليلة الثامن من رمضان قصة قصيرة
التاريخ:  القراءات:(566) قراءة  التعليقات:(0) لا يوجد تعليق  إهداء لصديق طباعة التعليقات أضف للمفضلة

  قصة ، من : أمل الفاران  

1/

قرار الذهاب للاستراحة أسهل من تنفيذه، تظن بناتي أن حجزها هاتفياً هو المهمة الأصعب وقد أنجزنها، أما الوصول للمكان فلا شغل لهن به غير يقين لا يتزعزع أنه سيتم بسلاسة. الحقيقة إن انتقال ست عوائل صغيرة لأطراف البلدة عملية شاقة، أما في رمضان فالمهمة أشبه بترتيب لقاء قمة عربية طارئ لم يكتب أحد بنوده.

عزمت أن أشرف على كل التفاصيل، وأكون آخر من يخرج من البلدة، أم العيال رأتني في المطبخ أراجع قوائم شفوية للعتاد فنكست خطتي لتخرجني من عرينها: رح باثنين من العيال لتفتحوا الاستراحة.. وتأكدوا أن عاملها روى العشب وملأ المسبح ماءً قبل أن نصل.

انتقيت أشد الصبية حماسًا؛ ثلاثة صقور سيكونون بيادقي للغارة على المكان، ركبوا معي السيارة والتفت لأثني عليهم مقدمًا فإذا بعاملتين منزليتين تقفزان لتزاحمانهم في المقعد الخلفي، من تحاشيهما أي اتصال بصري معي أجزم أنهما تلقتا أوامر عليا بعدم التقهقر؛ لا بأس فزوجتي تعرف أن المكان إن لم تلمسه امرأة لا يتأنسن.

غادرنا سالكين درباً ملتوياً بين مزارع النخيل. تلوت على فتيتي المهام التي تلي الوصول، توقفنا عند آخر بقالة قبل الاستراحة وانطلق العيال ليطلبوا من العامل رقمه؛ فهاتفه سيكون الأكثر حضورًا في سجل جوالات بناتي وزوجة ابني وعيالهن لمدة تسع ساعات.

أوصيت الغلام على يميني بأن ينتبه للافتة الاستراحة حتى لا نُفوّت مدخلها، وباريت شمسًا وئيدة الخطى صوب مغربها. فجأة ضجت السيارة ولوحت الأيدي تشير يمينًا: يبه هنا ..هنا.

كحارس حصن منيع وجدنا البنغالي أمامنا، تفحّصني لحظة ثم استدار للباب البني العريض، باعد بين ضلفتيه فانفصلا كطرفي عباءتي الشتوية إن عبثت بها الريح. من الفُرجة التي تتسع بانت جنة خضراء، قبل أن أنطق هرولت العاملتان باتجاه المطبخ، وفي ثوانٍ عادت أسنهما تسرد عليّ قائمة قصيرة بالنواقص الضرورية مع تشديد على أن أكلم "ماما الكبيرة" لتأتي بها.

أقلقني أن أجد نفسي وحيداً بعد أن بلع المطبخ العاملات وألهى الصبية استكشاف الاستراحة، لم يكن لي من خيار غير حوار متقشف مع العامل جُمله مكسرة. ملأ المسبح وأنا أعترف له بأنه لولا رغبتي في إسعادهم لمنعت الاقتراب منه. خرج وتربعت على السجاد المفروش في قلب العشب بانتظار الآتين.

بعد نصف ساعة وبضع اتصالات سمعت صوت طحن عجلات أول سيارة للحصى أمام الباب. كل رتل يقبل يتقدمه صغاره كانفجار لوني، أوصيهم بالهدوء وأتذكر تحذير جدتهم "لا تنكد عليهم"

تقنعني بأني أنكد عليهم وهي تشغل نصفهم ليرتبوا لها جلسة مريحة، وتقنص كل مارٍّ بها لينفذ لها رغبة غير ملحة!

الحقيقة أن أحفادي كائنات لطيفة لولا صخبهم وتؤرجحهم على حافة الخطر كل ثانية.

تدخل بناتي بأواني طعام أكثر من عددنا، وأشكر جهدهن مذكرًا نفسي بضرورة تقديم ثناء أجزل بعد الفطور.

أنا مايسترو ليالٍ كهذه حتى ولو بلغت من العمر عتيًا، أنا دينمو العمليات الذي يترجم الغايات إلى تكتيكات ويشرف على تنفيذها.

كيف حصل ما حصل؟! كيف سقط الصغير ولم أنتبه له؟! أهي غلطة الشاطر؟ مفتاح المسبح كان في جيبي. لم أتخل عنه، ولم يحركني إلحاح الصغار الذي تدغمه خشيتي، كيف أخطأت ووثقت بمن تعهدت بأن تتحمل مسؤولية المراقبة؟!

* * *
* * *
* * *

2/

ارتديت قميصًا وتنورة قصيرة، درت أمام مرآتي دورتين، التقطت لي صوراً عديدة. فحصتها لأنتقي واحدة وأرسلتها لقروب صديقاتي، بعد قبلتين وأربع وجوه تعبيرية مجاملة منهن خلعته وعدت أنبش دولابي.

عرض فستاني القطني المورد نفسه علي. قلت: سيكون الأنسب لأنفاس الصيف الكاوية. تذكرت أننا سنلعب والفستان لن يكون عمليًا فغيٓرته ببنطلون قطني أسود وقميص بلا أكمام. قدٓرت أنه سيبدو جميلًا لو ظهر طرفه في صوري التي تحصد الكثير من الإعجاب في الانستقرام.

دخلنا الاستراحة وكنت قد فتحت كاميرا جوالي راجية ألا يكون عيال خالاتي الصغار قد عاثوا في الأرض فساداً قبل أن أصورها.

نبرة أمي وهي تناديني تثير لاأعصاب، عاهدتني ألا تحرجني أمام أخوالي إلا أن ثاني خطوة في محيطهم أفقدتها ذاكرتها.

في الاستراحة من العاملات أكثر مما فيها من بنات ومع ذلك لا يهدأ لها بال إن لم أنقل حاجاتها من السيارة للمطبخ!

أنهيت لقطاتي النهارية قبل آذان المغرب. المسبح في الصور ماؤه أنقى، ثيّل الاستراحة في كاميرتي أشد خضرة.

بعد الفطور دخلنا خمس صبايا حجرة كبيرة، قالت إحداهن راسمة بيديها مستطيلا وهميًا حدوده جدران الغرفة: أتصلح هذه؟

تفحصت مساحتها والمسافة بينها وبين جلسة جدي وأخوالي ورفعت إبهامي: تمام!

شغّلت الدي جيه والأخريات يقترحن أغنيات افتتاحية. التقطت صورتين وجعلت أولاهما هيدر بروفايلي في تويتر.

بعد الأغنية الأولى جاء خالي وراقصنا، ثم طلب سامرية ورقص وحده، صورته فيديو، وسأفاجئه بعرضه في قروب العائلة بعد عدة أيام.

جاءنا مندوب جدتي تطلب أن ننقل الطرب لجلستهم"لأراكم وأنتم ترقصون" لكنها وسط أغنية أوحى لنا جدي بها وقفت ترقص.

كنت أصورها حين جاءت خالتي تصرخ. بين يديها طفل رأسه يتدلى وهو مبلول وساكن.

ألقته على الأرض وأحاطت به الأجساد. جمدت في مكاني أراجع وجوه الصغار تحت سن الثلاث سنوات المنتشرين في أرجاء الاستراحة لأتأكد أيهم الغريق؟

بعد أن فارقني الجمود الذي تلبسني برهة اقتربت وشغلتني فكرة مخجلة ولحوحة وهم يراجعون من قوقل تفاصيل الإسعافات الأولية: الآن لو مات يجب أن أغيٓر الحالة في الواتس وأحذف آخر صورتين في الانستقرام.

* * *
* * *
* * *

3/

النوايا الطيبة تظل معلّقة في الفضاء حتى ينجزها المال، هل يدرك أهلي ذلك؟ ما ألاحظه أنهم بإيعاز من حدس لا يفهمونه يؤجلون مشاريعهم الترفيهية حتى أعود للبلدة، ويسمون ذلك حبًا وحرصاً على وجودي.

واجبي ليس فقط ألا أشكك، بل علي أيضًا أن أظهر امتناني لهم.. لا بأس فما أدفعه خسارة سهلة إن قارنت متعة كل لحظة معهم في أيام وحدتي البعيدة.

أمي ركبت السيارة قبلي وتستعجلني، ومع إلحاحها أزيح الانزعاج الذي يتلبسني: إجازاتي القصيرة فُرصٌ فريدة لبرها..لن أكسر لها كلمة، وسألبي كل طلب.

أتوقف عند الصرافة وتشد كمي: ما يحتاج "جعل عمرك طويل" البنات حجزن الاستراحة ودفعن المطلوب مسبقاً وأغراضهن كلها معهن، اعجل تأخرنا.

أعرف إنها لا تتعمد وضعي في مقارنة مع شقيقاتي لكنه يوجعني، وهي تقطع غمغمتي بالرد على اتصال : هلا.. رحتوا؟ نسيتوا الفاكهة والتمر؟!

تحدث جوالها المندس بين أصابعها وضفيرتها: " الرطب سنمر السوق لنأتي به، (تختلس نظرة لي) والفاكهة ما لنا بها حاجة.. من يأكلها في رمضان؟! الله يعز النعمة!"

أعود باتجاه حلقة الخضار التي تجاوزناها من خمس دقائق، أشتري رطبًا، وأتخير فاكهة، وهي تفتح نافذتها وتخبط جنب السيارة: الله يهديك من يأكل ذا كله؟ يا دبرة الله! المغرب سيؤذن ونحن لم نصل.

في الاستراحة كان علي أن أقعد مواجهاً الباب، علي أن أرهف السمع لجرس دراجة عامل البقالة على رأس كل ساعة. طلبات الصغار التي لا تنتهي لا تعلمهم ولا أمهاتهم تجهيز حسابها قبل أن تصل. يقف الرجل بضع دقائق ثم يأتي السؤال: كم حسابه؟ وتبدأ حمى البحث عن الحقائب، وصيحات توجيه الصغار والخادمات للتفتيش عنها، لا أذكر عدد المرات التي أخرجت فيها محفظتي وأقسمت ألا يدفع أحد غيري، الأكيد أن عددها أكثر من حسبة أيام إجازتي.

كان أفضل ما دفعت قيمته برأيي كرتي طائرة خفيفة ورزمة بالونات نجت من موسم احتفالات نهاية العام.

يبدو أن من طلبتها أرادت صرف الصغار عن التراكض في الزوايا البعيدة عن الأنظار، إذ أن مراقبتهم واستباق خطواتهم الخطرة مرهق جدًا.

كتب على البالونات "مبروك النجاح" ولم أرهم ينجحون إلا في تفجيرها، وإرهاق الخادمات وهن ينفخن بديلاتها وسط إلحاحهم الباكي، لكني كنت أطفو في فقاعة بهجة لذيذة حتى أني حين سمعت الفتيات يرقصن على أنغام أغنية مغربية انسللت من بين والدي ودخلت أرقص، ربما كانت هذه غلطتي؛ إذأخليت موقع المراقبة فقفز الصغير في الماء.

خرجت على الصياح، وكانوا قد أرقدوه على جنبه. أيادي أخواتي تعالج جسده البارد؛ يد تخلع ملابسه المبلولة، ويد تلفه في منشفة جافة، ويد تضغط على بطنه لتخرج الماء من جوفه، نزعته منهن وركضت به للمستشفى.

أمه تنشج، وخادمتها تفرك قدمه وتبكي، تخشى أن نلومها، المسكينة ضحية إضافية لفلوسنا الملعونة، تلك التي لا تسعد ولا نكف عن الرغبة فيها.

* * *
* * *
* * *

4/

نقترب من الاستراحة وألحظ سيارة زوج أختي. أرصد النازلات منها، أنتبه لتشكيلة معجنات أختي الشهيرة والتي تلبي رغباتنا المتنوعة. أقارنها بما معي. كنت تعهدت لهم بالشوربة، والسمبوسة، هذه الحوافظ ستحسم أول منافسة وبها سيتم تتويج المرأة الأجود طبخًا بيننا، ويليها رهانات أخرى حول الأجمل لبسًا والأفضل تهذيبًا لصغارها، وبالطبع ستبقى كرة الطائرة ساحة حسم ذكورية رغم أنا عدد البنات اللاتي سيشاركن أكثر.

زوجي وقعت عينه على ابنة أختي وهي تدفع الدي جيه صوب المدخل. هز رأسه : حتى في رمضان ترقصون؟! لا حول ولا قوة إلا بالله!

ضحكت: "الحمد لله! صايمين، قايمين.. طايعين الله" إذا أفطرنا وصلينا وأردنا أن نرقص، فما المانع؟

لم يكن ليجادل في هذه، قال: انتبهي للولد، أعرفك.. إذا كنت عند أهلك تنسين اسمك.

كرر كلامه لابنتي ثم للخادمة، يقلقني سوء حدسه ويبهرني إصراره. حين وقفنا زفر زفرة من صارع نفسه طويلاً ثم وضع يده على جبين الصغير يحصّنه من شر المكان وما فيه، وأنا أنقله من يدي الملاصقة لباب السيارة للأخرى كي أنزل.

حين سمع أصوات الصغار تفلت من يدي، كان نصفه خارج السيارة ويدي تقبض على أسفله.

دخلت الاستراحة أجري خلفه، وأرد على اتصال زوجي وهو يؤكد: لا تدعي الولد يقترب من المسبح!

بعد الفطور بدأوا يسبحون، لم أشأ مشاركتهم لكن الصغير ظل يجرني ويبكي. بدلت ونزلت به في الجهة الخاصة بالصغار.

بعد ربع ساعة أردت الخروج فبكى، صراخه لفت الأنظار، أخذته خالته، دارت به في المسبح دورتين ثم ما إن رفعته لي حتى كان عويله أشد، وفي المرة الثالثة حاصرتني عيون الشقيقات وزوجة أخي بالتهمة القديمة أني أدلل عيالي فأخذته وصياحه يشق طبلة أذني ويكوي قلبي.

عاد للماء ..لم أعرف متى، ولا كيف سقط، لم يلحظ ذلك أحد، قد يكون ظل في الماء ثوان، وربما عدة دقائق.

سمعت الصياح وهم يهرلون ناحية المسبح، لهيب اتقد في صدري أنبأني أنه ولدي. أقترب منهم والألم يفري جزئي الأسفل، بركت أنشج وقلبي كعصفور جريح يصطفق بين ضلوعي بعنف.

الطريق صوب المستشفى لا ينتهي، وهو منطرح في حجري وأنينه الضعيف يرعبني.

رجعت للاستراحة، تخاطفت الأيدي حبيبي، وخنقتني نظراتهم اللوامة. أرتب أعذارًا لزوجي لن يقبلها، وتغمر صغيري قبلات يكفٓر بها الجميع عن غفلتنا عنه.

العبرة تنقب جدار سكوني، وتهوي بي في خواء سحيق. لم أرد تخريب الليلة فلبيت أول نداء للعب.

* * *
* * *
* * *

5/

في فراشي بعد صلاة الفجر منهكة. جوالي على الوضع الصامت، تضيء إشارته كل ثانية لتنبهني لجديدٍ فيه لن أطالعه.

فتحت الواتس اب على قروب أهلي، كان في المحادثة أكثر من خمسين رسالة ثلاثة أرباعها أسئلة عن طلعتنا للاستراحة.

كتبت لهم: ألم أقل لكم أنهم عائلة غريبة؟!

عائلة الفرح واللطافة، لم أر بيتاً يجتهد في خلق ما يسليه كما يفعلون، أظنهم تعودوا ادعاء أن كل شيء بخير، أو إن قلوبهم ماتت.

غرق ولد بنتهم وهم يرقصون فلم ينتبهوا، ربما هي عقوبة من الله. صياح من انتشلته من الماء لم يميزوه في غنائهم وتصفيقهم. ظلوا يقلبون جسده ويتبادلون إرشادات مرتبكة. أحسست بمغص في بطني وهم يضغطون بطنه، الرغوة التي خرجت من فمه لا تشبه الماء ولا الحليب، قال أحدهم ربما هو تأثير الكلور في المسبح.

حماي ركض به وهم يلبسون أمه عباءتها لترافقه. خادمته التي لم تنتبه له لم ينهرها أحد، وظلوا يرددون بعد ذهابها: حسنا فعلنا لو بقيت هنا لأكلها القلق!

بكت الجدة والخالات ولامت كل منهن نفسها، أحرقن الخطوط بين جوالاتهم وهواتف من ذهبوا بالولد للاطمئنان عليه، لكن عودة الغريق جبّت ما قبلها؛ بعد صمت قصير اقترح أحدهم أن يلعبوا: تسابقوا، لعبوا كرة طائرة، حتى أم الولد شاركتهم!

الخالة التي نادت باللعب بعد المصيبة قطعت يدها بالسكين، وسال دم غزير، كان وجهها شاحبا وهي ذاهبة للمستشفى. عادت بأربع غرز وبشهية مفتوحة للعشاء!

كانت ليلة كارثية لكنهم سيتذكرونها غدًا بحنين يقفز على كوارثها. أنا حقاً عاجزة عن فهمهم.

* * *
* * *
* * *

في سناب أخت الصغير الغرقان في ليلة لاحقة ظهر الصغير، راسياً كربوةٍ والكاميرا ترصده: "أنا رحت للماء.. المسبح.. غطست في الماء.. أنا أبكي.. ماء كثير في فمي.. في بطني.. الماء حار..

- أنت خفت؟

تتشنج عضلات وجه الصغير ويزم شفتيه واضعاً راحتيه على بطنه: أنا أخاف، أغمض عيني.. الماء يدخل فمي.. أنا بردان.

بنبرة مشاكسة تسأله: المسبح حلو؟

- لا .

- نروح نسبح؟

يبسم الصغير، ويرفع جسده مستنداً على أطرافه الأربعة.

w w w .    A    r    a    b    i    c    S    t    o    r    y    . n e t

جميع الحقوق محفوظة لشبكة القصة العربية 2001-2007