[ أهلاً بالضيف الكريم ] 
للتسجيل
أنت الزائر رقم

إحصائيات الموقع

الدول المشاركة
عدد الكتَّاب
عدد النصوص
عدد الكتب
عدد التعليقات
عدد القراءات
عدد التوقيعات
عدد المشتركين
كتَّاب في الانتظار
نصوص في الانتظار
 
تحت ظل المطر 
التاريخ:  القراءات:(578) قراءة  التعليقات:(2) تعليقان  إهداء لصديق طباعة التعليقات أضف للمفضلة

  قصة ، من : أحمد علي بادي  
«كالحب، كالأطفال، كالموتى.. هو المطر» - بدر شاكر السياب

* * *

كان قد أُسدل على وجه الشمس غطاء سميك من الغيوم التي راحت تتصبب مطراً..

- هل ترى معي هناك.. كتلة بنية تتحرك على الأرض؟

- نعم أراها.. ترى ماذا تكون؟

- أيمكن أن يكون حيواناً ما، يمارس التمويه؟

- تعتقد أنه حيوان غير مألوف لم نشاهده من قبل؟

- ربما.. أو قد يكون مألوفاً، لكن كما ترى هذا المطر الغزير لا يسمح لنا أن نراه بوضوح!

كان المطر قد استدرجنا إلى خارج حدود المدينة، وبعد أن سلخنا ساعة كاملة في السير تحته أرغمنا انهماره الشديد على التوقف فجأة.. هناك فقط بدأت أشعر أن للمطر في رحاب الريف نكهة خاصة لا تستطيع أن تتذوقها روحك حين تكون داخل حدود المدينة. بدت الأرض وكل شيء عليها يهتز طرباً، وفي حالة من المرح، بينما ظلت نظراتنا مثبتة على حركة ذلك الشيء الغامض.

- أعتقد أنه من الزواحف..

- ولماذا لا يكون من القوارض..هه..

- القوارض!.. ولماذا لا تقول من الديناصورات..

- هاهاها.. هاهاها..

- هاهاها.. هاهاها..

بعد هنيهة عاد جو الجد يخيم علينا من جديد.

- قل لي بصدق ألا يشدك فيه شيء نفتقده نحن كثيراً؟

- شيء نفتقده نحن!.. لا.. لا أعرف..

- ألا ترى أنه لا يخشى المطر؟!

- حقاً! بل يبدو عليه الاستمتاع!

كان لا يزال ذلك الشيء الغريب على الجانب الآخر البعيد عنا، القريب من خط الالتحام بين الأرض الموحلة والسماء الممطرة؛ يتحرك.

- آه! كم أتمنى لو أكون مثله! ولا يتملكني كل هذا الخوف من مواجهة المطر..

- هيه! هون عليك يا صديقي! وخفف عنك هذه الشاعرية..

- أنت للأسف ضيق الأفق يا صديقي!

- ما هذا الكلام؟!

- حسناً.. حسناً.. آسف.. لم أقصد الإساءة..

- انتظر.. لماذا لا يكون شيطاناً؟

- شيطاناً!

عدنا والتزمنا الصمت، كنا لا نزال أنا وصديقي بداخل السيارة التي ركنت جانباً بعيداً عن خط سير السيارات،

وظلت نظراتنا مشدودة نحو الجهة المقابلة.

وفجأة..

- أين تذهب؟!

- نذهب إليه.

ورحنا نقترب منه شيئاً فشيئاً حتى غدت رؤيتنا له تتضح شيئاً فشيئاً.

- ستكون مجنوناً إن اقتربت منه أكثر من هذا!

وتوقفت، وقد أصبحنا على مرمى حجر منه، بعد أن كان صديقي قد صرخ فجأة في هلع قبل أن يطبق يده على يدي الممسكة بعجلة القيادة.

أخذت أتأمله، وهو لا يزال بحركته التي لا يكف عنها، وكأنه لحم يشوى فوق نار هادئة، تحركه يد خبيرة في الشواء، بينما صديقي يرمي إليه نظرات ازدراء بالرغم من خوفه الظاهر منه.

- إني أرى الجنون بعينه!

- بل فيه حقيقتنا التي كثيراً ما نعمى عنها!

كان مجرد جسد لإنسان عارٍ تماماً يتمرغ في الوحل.


نشرت في المجلة العربية العدد( 480 ) محرم1438هـ - أكتوبر 2016م

w w w .    A    r    a    b    i    c    S    t    o    r    y    . n e t

جميع الحقوق محفوظة لشبكة القصة العربية 2001-2007