[ أهلاً بالضيف الكريم ] 
للتسجيل
أنت الزائر رقم

إحصائيات الموقع

الدول المشاركة
عدد الكتَّاب
عدد النصوص
عدد الكتب
عدد التعليقات
عدد القراءات
عدد التوقيعات
عدد المشتركين
كتَّاب في الانتظار
نصوص في الانتظار
 
الراعية والجدري 
التاريخ:  القراءات:(318) قراءة  التعليقات:(0) لا يوجد تعليق  إهداء لصديق طباعة التعليقات أضف للمفضلة

  قصة ، من : مسعد عيد العطوي  
الــراعية و الـــــــجدري

وجدت الراعية الغريبة بعد لأيٍ في المضحى في سفح جبل في أيام الشتاء.

فقلت لها : عساكِ بخير ؛ وسلمتِ من الانفلونزا.

قالت: الحمد لله ، وهذا مرض أخف من غيره .

فقلت : أشد منه الجدري ، ولكنه لا يظهر عليك أثرا له ، فابتسمت.

وقالت : يا بني ، لا يستطيع أحد أن يرى معالم الجدري بي لمرِّ السنين ، وكر الأيام ، فقد أصابني الجدري والحصبة حتى الطاعون ، كلها أمراض اجتاحت البلاد .

قلت : أظن أنها حفرت مآسي في ذاكرتك.

قالت : وجسمي وأنقضَّت على أهلي ، فمات بعضهم من الطاعون ، وهو لا يُمهل كثيراً ، وقد حصد سبعة عشر من أبنائي وأحفادي.

فقلت: عظم الله أجرك ، ورحمهم الله.

فقالت: إن عزائي أنهم راكعون ساجدون مكابدون، وكرماء ؛ فما عند الله خير لهم.

فقلت: طوبى للغرباء أمثالهم .

ثم قلت: كيف تتعاملون مع مرض الجدري سريع الانتشار طويل الأمد؟

قالت: يا بني: والله إنها مآسي غمرتني بأحزانها في الأهل والجيران، والضعفاء ، وكم تركت من عميان؟ وكم تركت من أرامل؟ وأيتام؟ وأنت تدرك معاناه أهل الجزيرة من الجدب، وعوامله، وقبل ذلك المعاناة ، والمكابدة من المرض.

قلت: كتب الله لهم أجر الابتلاء ، وأنا متلهف إلى معرفة كيفية التعامل مع المرض والمرضى؟

قالت: ينتشر المرض في البداية ، بلا نذير ؛ ثم يبدأ الناس بعزل المرضى ، فيبنون لهم خياما أو ينقلونهم إلي كهوف أو ظلال شجر ، ويمدون لهم الأطعمة من جهة هبوب الريح، والمرضى يصرخون ، ويئنون ، ويموت بعضهم على مرأى من صحبه ، ويمكثون أياماً أمامهم ، وتبوك وما حولها؛ قد نالت ما نال الآخرون، وقد مررت بأحد الجبال، وهو مكان عزل المجدورين .

قلت: وأنا كذلك مررت مع الوالد قرب جبل (العزل) بجانب تبوك، ونحن على وجل بعد خمسين سنة منه .

قالت: وأكثر مأساة أن أسرة كنت قريبة منهم أبت أن تبعد عنها مرضاهم ؛ فقامت المرأة على معالجة زوجها ، وولدها الذين أصيبا بالجدري حتى ماتا.

ثم سقطت المرأة مريضة فأخذت أبنتها ، تضمد جروحها وترعاها وعينا كل منهما تسيلان دموعا ، وكنت أرقب الوضع وأحاول أن أقف بجانب البنت التي لم تتجاوز الخامسة عشرة عاما من عمرها ، وطالت المعاناة حتى ماتت الأم ، فخشيت على البنت قبل أن تصاب بالمرض من شدة ما رأت وما سمعت، وما عانت ، ولكن الله حماها وحماني غير أن مأساتها صحبتها طوال عمرها ، وقد أفنى المرضى أكثر أهل القرى، وأبناء أهل البادية، وأصحاب الواحات ؛ ثم أتت رياح هوجاء ، فخشينا منها ، وظلت تعصف كريح عاد حولنا لأكثر من شهر ، وكنا لا ندري سر هذه الرياح ، ولكن بعد أن هدأت ، فقد أنقطعت العدوى ، وتعافى المرضى ، فأدركنا حكمة الله من إرسال الرياح ، فهي تارة تكون عقابا ، وتارة لتنظيف الأجواء والأماكن ، وتارة تدفع بالسحب والأمطار.

قلت : وهل أصابك الجدري؟

قالت : نعم ، ولكن الخلوة هي شأني ، فذهبت إلى كهف في أعلى الجبل ، ومكثت فيه انتظاراً للموت ، ولكن الله حماني و شفاني .

قلت: إذن حملت اثقال الأمراض وأثارها.

قالت: والله أنها أكثر مما ذكرت لك ، فأن الطاعون أخلى بيوتاً وجعلها خاوية وأفنى بادية وجعل الأرض خالية والجثث تأكل منها الوحوش و الطيور الجارحة ، فلا تجد من يواريها الثراء ، ثم فاضت دموعها.

وقلت : إنا لله و إن إليه راجعون ، عسى الله أن يعوضهم بالجنة .

w w w .    A    r    a    b    i    c    S    t    o    r    y    . n e t

جميع الحقوق محفوظة لشبكة القصة العربية 2001-2007