[ أهلاً بالضيف الكريم ] 
للتسجيل
أنت الزائر رقم

إحصائيات الموقع

الدول المشاركة
عدد الكتَّاب
عدد النصوص
عدد الكتب
عدد التعليقات
عدد القراءات
عدد التوقيعات
عدد المشتركين
كتَّاب في الانتظار
نصوص في الانتظار
 
فراشات العشى الليلي فراشات العشى الليلي
التاريخ:السبت 3 ديسمبر 2016  القراءات:(320) قراءة  التعليقات:(0) لا يوجد تعليق  إهداء لصديق طباعة التعليقات أضف للمفضلة

  قصة ، من : فيصل الغامدي  
* * *

لكن الرجال لايصدرون فحيحاً

حتى المخيفون منهم ؟

* * *

هو قال بأن رجلاً طويلاً جداً كان يهبط الوادي

- أنا قلت بأن له ( فحيح )

رمقني ثم تابع :

كان يهبط ويرفع كلتا يديه إلى السماء , يرفعهما بشكل متوازي ومستقيم جداً إلى نقطة.

حافياً كان يهبط .

حافياً لكنه لم يتخل عن نعليه , يدخل يديه فيهما , وفي النقطة , في النقطة التامة يصفّق بهما لمرة واحدة ثم يعود إلى وضع التوازي بإنضباط مخيف .

هذه النقطة قد تكون شجرة , قد تكون بئراً , قبراً , محراث مزارع , صخرة مائلة , أو قطعة هاربة من قطع الليل الأشد حلكة , تلك التي لايمكن القبض عليها أو الوقوف عندها إلا لدواعي التلبس والإنجذاب , الإنصات لمخلوقات الليل العليا , للتكهن والتلمس والإلتماس .

يقتطع بيديه من السماء بقدر مايقتطع بقدميه من الأرض .

هذه حكمته .!

في ذلك الوقت من الليل .

الوقت الذي تم الإنتهاء فيه من جمع كل الأرواح المتنافسة , تكديسها وخنقها في حومة تشبه الدهليز .

(الكلاب والقطط , الناس والجن , اللصوص , الذين يدبون والذين يزحفون , الذين يصلون والذين لايصلون , الذين يمكرون ويخططون والذين لايكترثون , المتعبون , ذوي الأرواح وذوي الأجساد , العشاق والزهاد , المرهفون وأصحاب النكبات والمصائب )

في الوقت الذي تم الانتهاء فيه من وكاء القرب وإشعال الفوانيس , من مراقبة الفراشات وهي تحوم حول العشى الليلى .

الوقت الذي يمكن فيه ابتكار حكاية خوف طويلة , هاربة ومتنكرة , لإنسان ربما لايريد أن يتثائب , لطفل يحلم ثم يبتسم ,ثم يفيق ثم يحلم ثم ينام , لمهد يراوح عن الحمّى طوال الليل

لجده تعقد على الظفائر , تروض الحناء في ذكرى الغزالة , لعائلة تفترش حصيرة بالية من الضوء...

لقرية كاملة من الليل والشتاء والنجوم والأسقام .

... وهكذا عبر الوادي

لم أكن أريدها حكاية ولذلك كففتُ يدي عن الظلام , حبستُ أنفاسي بسؤال صغير :

لماذا ينتعل حذائه في يديه بدلاً من قدميه .؟

كان يمكن أن يضعها تحت إبطه ..مثلاً

- ولكن هذه علامة هروب

كان يمكن أن يخبئها في جيبه

- وهذه علامة خوف

لايهم

كان يمكن أن يكون بلا حذاء من الأصل

- لكن هذه علامة مُشددة وهي مخصصة فقط للجدب والترجل في المنافي والسغب

( الآن , كلما تذكرت حافياً تذكرت دماً , وكلما تنكر دمٌ تذكرت حجراً )

- لايهم ..لايهم

كنت أريده فقط أن يقول بأنه كان لذلك الرجل فحيحاً , فحيحاً واضحاً , مقتطعاً متصلاً متقطعاَ

أغمضت عيني وانتظرت

...كان نحيلاً , كتفه مستقيمة كأنها عارضة بئر , مستقيمة وأكثر مماينبغي

كيف يمكن أن أتخيل قدما رجل يسعى فيما هو يرفع يديه إلى أعلى ؟

هذه حكمته ..

وهو يشطر الوادي إلى شطرين !

ماغرب القمر إلى ضاحية النوء البعيد حيث آخر مظاهر النهر البائد

وماشرق القرية إلى آخر ماتدنو إليه تلال المراعي القديمة والحمى

لم يقل بأنه كان يعوي أو ينبح أو يصدر أي صوت مشترك مع أي كائن آخر, وبالتحديد فإنه لم يقل بأن الرجل أو المخلوق أو الغول كان له فحيحاً

أنا أيضاً لم أكن أنوي الدخول معه في منافسة من أي نوع .!

- هو رأى , وأنا سمعت

- هو يحكي ويغمض عينيه .. أحياناً

- أنا أنصت وأصيخ سمعي دائماً

الفراشات لاتعبأ , تحوم حول شمسها في جذل . تحوم حول نجمتها في الفناء البعيد

ينقصنا إذاً شخص ثالث :

وهو بالطبع ذلكم الذي رأى وسمع

الرجل الذي يتحد فيه أكثر من مخلوق واحد ..

رجل وغول معاً .

الذي يستطيع أن يشرح بدقة متناهية كيفية استعمال الجوارح في الظلام , طرق النجاة من الفخاخ في الأدغال , ومن الشراك في الأودية والغابات والجبال , ومن المصائد في أشد حالات الأحلام وأكثرها كرباً وعصياناً ونزفاً

الذي يستطيع أن يتنبأ بالذئاب , بدرجة ميلان الجبال , بالدرجة التي يسطع فيها القمر إلى حد الإكتمال

له جارحة وأكثر , جارحة وخاطر وقلب

له مخلب وكسر

له روح نسر

.

.

( ليس أبي بالطبع , فهو الآن لايعرف كيف يحل في الجسد )

( ليس إمام القرية فهو صغير ولايعرف كيف يمكن أن يحل العقدة عن الماء ,رقاه كلها أحبار ..أقداح وفناجين وماء )

(ليس الراعي لأنه ليس أكثر من نفثة )

(ليس الشاعر فليله كله عراك : وزن وطول , ميل وعدل , نظم ونكث وانفتال)

( وليس المأذون فهو مندوب الطاعة وحسب )

نحن بحاجة لرجل آخر , رجل من خارج الدائرة لكنه من داخل المنافسة

رجل يجب أن يأتي متخفياً من الدهليز الليلي العظيم , يأتي على هيئة الرسل وقد ابيضت خطاه في الليل المُدرك , وقد نزع يديه من الخلق .

انتظرناه طويلاً لكنه لم يحضر , انتظرناه إلى أن كفت الفراشات عن الحوم والتحليق , تصدعت الفوانيس وجفت القرب .

لكنه أخيراً حضر , متأخراً حضر , ليس بشكل شخصي وإنما في حكاية من حكايا النوع , في حكاية لها طرف مشترك مع رجل طويل جداً يصعد الوادي

لاينتعل حذائه في يديه , لايضعه في جيبه ولاتحت إبطه ..

هو فقط يحمل مشعلاَ..و ربما .. ربما أنه كان له ( فحيح )

لايقف ولايصفق وإنما يركض , يواصل الركض كأنه لص , وكأنها هذه هي وظيفته الأزلية ,في كل ليلة يركض إلى إعالي الجبال يركض , إلى ذلك الحفيف البعيد حيث يمكن أن تكمن العنقاء

تعيش وتحيا ليتناسل لها الأطفال والوحوش والأصوات , الظلمات والبحار ,الغدران والينابيع

هو يسمع لها فحيحاً

أنا أرى لها غولاً

هو يبتكر لها هديراً

أنا أرسم لها ريحاً مدورة ودرب

هو لايمضغه الظلام

أنا لايتعشقني البصر

* * *

w w w .    A    r    a    b    i    c    S    t    o    r    y    . n e t

جميع الحقوق محفوظة لشبكة القصة العربية 2001-2007