[ أهلاً بالضيف الكريم ] 
للتسجيل
أنت الزائر رقم

إحصائيات الموقع

الدول المشاركة
عدد الكتَّاب
عدد النصوص
عدد الكتب
عدد التعليقات
عدد القراءات
عدد التوقيعات
عدد المشتركين
كتَّاب في الانتظار
نصوص في الانتظار
 
لحية أبي لحية أبي
التاريخ:  القراءات:(55) قراءة  التعليقات:(0) لا يوجد تعليق  إهداء لصديق طباعة التعليقات أضف للمفضلة

  قصة ، من : فيصل الغامدي  
في أن يكون لي حبيبة, لها بيت تحيط به أشجارعالية وبعيدة ومن خلفها رياح , ولها غرفة خارجة عن بقية غرف الطابق العلوي, فإذا اضاءت نافذتها في السماء عرفت أنه ضوءها , ثم استخدمتُ هذا الضوء لاحقاً لترتيب الافكار الأحلام والنوم والنجوم .

_ أو هكذا تمنيت

.

.

أن يكون لي أباً لم يكن ذكياً , وهذا لا يعني أنه كان غبياً , ولكن لأنه مات , مات في المنعطف الذي يموت فيه الآباء وأطفالهم صغار .

.

.

_ أو هكذا تذكرت

مشكلتي العويصة أنني أخلط بين الذكريات والأمنيات , فما أظن أنه كان ذكرى يتبين لي بعد وقت قصير جداً أنها كانت أمنية أو العكس, ولشدة إيماني بها تحولت إلى ذكرى أو العكس

فأقع في منطقة ملتبسة أحاول تشتيتها بالتفكير :

- أن يكون لي حبيبة لها بيت تحوطه أشجار طويلة وبعيدة ومن خلفها رياح

- أن يكون لي أباً مات في المنعطف

سأضيف الآن شيئاً :

أن يكون لي صديق , لكني بهذه الإضافة سأقع في ورطة , لأنني لا أدري أين أضعه بالضبط , في حساب الأمنيات أم في حساب الذكريات

في خانة الآحاد الموحشة , أم في خانة العشرات المتوحشة , هل سأتذكره أم سأخونه ..؟!! هل سأكون أميناً لو أنني وضعته في حساب الأمنيات إلى الحد الذي لايمكن أن يكون معه هذا الصديق المزعج مجرد ذكرى ؟

سأحتاط للأمر أكثر وأجعله إذاً في حساب الذكريات ,وبهذا سأتخلص من عبء الأمانة والأمنية

• الأمنيات ثقيلة دائماً

• الذكريات خفيفة أحياناً

والريح من خلف الشجر

فلنقل أنه حدث إذاً وحسب , أنه كان لي صديق ثم سقط بعد ذلك من كل الدفاتر والحسابات التي لم يمسكها أحد

ولنقل أيضاً أن صديقي هذا إن جاز أن أطلق عليه هذه الصفة وذلك لفارق السن الكبير بيني وبينه ولفارق الخبرة أيضاً كانت له لحية بيضاء ,جميلة جداً وقصيرة لدرجة أنه لا يستطيع أن يمسكها في قبضة يده بإحكام, ولقد كان من الممكن جداً أن تكون هذه اللحية هي لحية أبي .

صديقي هذا كان يبيع الفاكهة على عتبة واسعة ومرتفعة قليلاً تقع أمام مكتبة "تهامة " والتي تقع تحديداً في نهاية صف المحلات التي يقع في منتصفها محل الذهب الذي يجلس به رجلان يتحدثان بلا انقطاع وأحدهما ليس أبي ..! تقف أمامهما فتاة تقيس خاتماً وهي ايضاً ليست حبيبتي ....

تلك التي لها غرفة عالية تحوطها اشجاربعيدة و من خلفها رياح ..الخ

- الرجل ليس أبي , واللحية له !

- الفتاة ليست حبيبتي , والخاتم لها !

- بائع الفاكهة ليس صديقي , والنقود له !

- أبي مات والجنة له !

وأما ذكرياتي فإنها بالتأكيد ليست هي أمنياني , وأنا على العكس , أتذكر بشكل حقيقي وقاطع بحيث أستطيع أن أجزم بأنه لايمكن أن تكون كل ذكرياتي مجرد أمنيات لا أستطيع أن أحملها .

صديقي الذي يبيع الفاكهة يعرف بالضبط كيف يفعل ذلك , كيف يحمل ذكرياته وأمنياته ,أولاً على هيئة سلال يفسرها على هيئة ثمار , وثمار يفسرها على هيئة زبائن , وزبائن على هيئة نقود .

يعرف كيف يخلط بضاعته وكيف يفرق بينها بمهارة, ثم يرتبها أمامه على شكل صناديق جميلة وفواكة ملونة بطريقة تبعث بالإنسان إلى الجنة .

يعرف كيف يتقمص دورالبائع ودور البهلوان , كيف يستخدم وسائله البدائية في الدعاية والدعابة , متى يمسك بلحيته للدلالة على ميثاق الشرف .! أين يخبيء أنصاف الريالات وأرباع الريالات بطريقة تبعث على الفكاهة والرعب في آن واحد .. في أي عين وفي أي أذن بالتحديد .

- اليمني للأمنيات

- اليسرى للذكريات

وأرجو أن لايفاجئك لو أنه استل نصف ريال معدني من إحدى نعليه , كما أرجو أن لا يفاجئك ايضاً اختياره الصحيح للنعل الصحيحة التي يخبيء بها النصف الصحيح ..واليمني للأمنيات واليسرى للذكريات , وكل خطوة محسوبة بدقة .

ولكن ماذا عن الجنة ؟

الجنة برتقالة كبيرة فيها تفاح كثير , هكذا قال أبي وأنا صغير , قالها وهو يمسك بلحيته بطرف لحيته وبالسبابة والإبهام , لقد كان أبي ايضاً يحسن استخدام ميثاق الشرف, أقصد أنني هكذا تمنيت أن أتذكر أن يكون لي أباً قد قال هذا وأنا صغير , وتحديداً قبيل المنعطف وباستخدام نفس ميثاق الشرف

- هكذا تمنيت , هكذا تذكرت ... أن يكون لي أباً أستطيع أن اتذكره وهو الآن في الجنة

الآن تحديداً وأنا أجلس أمام صديقي الذي يجلس هو ايضاً لكي يضع نصف ريال معدني في محجر عينه اليمنى لاضحاكي لإخافتي , ولكي تكون بعد ذلك هي عين الحقيقة .

بقية القروش يخبئها تحت قبعته المشدودة بإحكام على رأسه والتي لبسها خصيصاً لهذا الغرض , وهكذا يكتمل الحساب على هيئة عقد الزينة الغير مرتب من انصاف الفلوس

حيما يناولني ماتبقى لي من نقود , فإنه يناولني نصف ريال معدني كان يخبئه بشكل مفضوح في أذنه اليمنى .

هذا الرجل محظوظ جداً لأنه ليس مثلي فهو لايخلط ابداً بين الذكريات والأمنيات , بين النصف والربع , بين الحياة التي بربع الريال , وتلك الغالية جداً التي يمكن أن تساوي أنصاف الريالات , في لعبة التوقع والحظ , في الصورة والكتابة .

إن الوقت الذي أمضيه في التحديق في نصف ريال يتقلب في الهواء كان قد طوح به صديقي البهلوان لهو الحياة كلها , ربح , خسارة .. ربح خسارة ..

وإلى أن يقع على الأرض على هيئة صورة أو كتابة .

( يقال أن الإنسان لم يجد شكلاً أفضل من الدائرة حينما ابتكر العملات المعدنية , يقال أنه قد تطلع إلى الكواكب أولاُ , إلى النجوم , وإلى كل الأشياء التي تستطيع أن تأخذ دور الإختباء والظهور التي يمكن أن تمارس دوراً محدداً في لعبة ما , أو في جزء من لعبة ما .!!

ربح وخسارة , ذكرى وأمنية ...وعليك أنت أن تقبل بقانون اللعبة .)

لو انك قذفت بعملة معدنية في الهواء وبقيت تترقب ثم خسرت فعليك أن تفرح ايضاً لأنك قد رأيت بأم عينك كل أرباحك اللامتحققة تتصاعد في السماء الى الكواكب التي تشبه العملة التي تشبه الحظ الذي يجيد دور الظهور والاختباء هو ايضاً .

عليك أن تقبل بقانون اللعبة , وكل ماعليك أن تقوم به هو أن تحول ربحك إلى أمنية وخسارتك إلى ذكرى ...أو على العكس أو كما تحب

فكل وجه إما ربح وإما خسارة ..لاشيء آخر

وهذه لعبة جميلة على أي حال ولقد كانت تجلب الكثير من الزبائن والفلوس .

حينما يضع صديقي هذا نصف ريال معدني في صيوان أذنه اليمني – على سبيل الفكاهة كما قلت - وربع ريال في اليسرى فإنه بمنتهى الذكاء يكون قد صم أذنيه , فلا أمنيات ولاذكريات

- الذكريات فضيحة

- الامنيات ايضاً فضيحة

- النقود هي الحقيقة !

الفتاة التي تقيس خاتماً كانت أقل مهارة في استخدام المهارات , في معرفة الأصبع الذي تقيس به خاتمها

- البنصر للأمنيات

- الخنصر للذكريات

- السبابة للإشارة إلى كل الذكريات والكواكب والنجوم والأمنيات والفضائح

لكن النقود التي هي الحقيقة لاتكفي فتتعب .!

تحدق في السقف , تتمنى أمراً , تتذكر أمراً أخر , تخلط بينهما ثم تنتج خياراً متأخراً لكنه متناسباً مع النقود التي هي الحقيقة .!

تخطيء أكثر من مرة في اختيار خاتم , في اختيار يد وفي اختيار اصبع

تقلقني أكثر , فتمضي وقتاُ أطول قبل أن تقع على خيار محدد وواضح , تقلقني أكثر حينما تمد كل اصابعها أمام عينيها وكأنها تراها لأول مرة قبل أن يفوز اصبعها بخاتم

حينها يكون بائع الفاكهة قد تمكن من بيع كل أكوام الفاكهة إلى أن تختفي الجنة التي كانت أمامه بفضل مهارته في حمل الذكريات وصناديق الفاكهة , في حسن التفسير , في التفريق بين ثمرة الأمنيات الطازجة وتفاحة الذكرى المتعفنة

في استخدام ميثاق الشرف في الوقت المناسب تماماً ..ويكون يوم الحساب قد حل سريعاً وانتهى .

حينما تصل إليه الفتاة يكون قد سبقها واختفى بعد أن باع كل شيء كل شيء ..ذكرياته وأمنياته , ناره وجنته , واختفت الصناديق والسلال

فـأضطرإلى المشي خلفها إلى تتبعها إلى أن تصل إلى غرفتها العالية ...

تلك التي تحوطها اشجار عالية وبعيدة ومن خلفها رياح .

.

w w w .    A    r    a    b    i    c    S    t    o    r    y    . n e t

جميع الحقوق محفوظة لشبكة القصة العربية 2001-2007