[ أهلاً بالضيف الكريم ] 
للتسجيل
أنت الزائر رقم

إحصائيات الموقع

الدول المشاركة
عدد الكتَّاب
عدد النصوص
عدد الكتب
عدد التعليقات
عدد القراءات
عدد التوقيعات
عدد المشتركين
كتَّاب في الانتظار
نصوص في الانتظار
 
عاشق التراب عاشق التراب
التاريخ:الخميس 8 ديسمبر 2016  القراءات:(543) قراءة  التعليقات:(0) لا يوجد تعليق  إهداء لصديق طباعة التعليقات أضف للمفضلة

  قصة ، من : المصطفى سالمي  
في عمق بلاد "عبدة" وسهولها تداول الناس قصة السيد (الضاوي). كانت قصته قد بدأت بالخروج إلى الديار الفرنسية بعد الاستقلال مباشرة للعمل في أوراش البناء. وهناك طال مقامه لأزيد من عامين. ولم تكن وقتها وسائل الاتصال ـ كالهاتف ـ متوفرة، وقد ظن الأهل والجيران أن الضاوي قد مات غريبا. فانتشرت شائعة موته، وتقبل أهله العزاء فيه. وقيل إن أراضيه الفلاحية الشاسعة قد سطا عليها الغرباء والأقربون . وحين عاد صاحبنا في أحد الأيام المشهودة وجد نفسه شخصا غير مرغوب في عودته. ودخل في صراعات حول الأرض لم تقتصر على الغرباء، بل امتدت إلى إخوته الذين كان فيهم طامعون في أرضه الخصبة المنبسطة المعطاء. وفي ردهات المحاكم كانت الجلسات الطويلة والأحكام العجيبة، فقد قيل إن الحكم يصدر تارة لصالح خصوم (الضاوي) ، فيضطر صاحبنا لاستئناف الحكم وإغداق المال بسخاء ـ مما راكم في سنوات الهجرةـ فيكون الحكم في الجلسة الموالية لصالحه. بل إن (الضاوي) اضطر لبيع بعض ممتلكاته العقارية باعتباره قد اشتغل مقاول بناء لسنوات بمدينة آسفي قبل الهجرة خارج الوطن.

أقسم (الضاوي) أن يشرف بنفسه على حرث أرضه الفلاحية الممتدة على مساحات شاسعة في منطقة "جزولة" . وقد قوبل هذا الموقف منه بالاستهزاء من أعدائه. هذا الذي ذهب لبلاد الحسناوات بفرنسا يتحداهم بأن يصبح فلاحا. وأقسم هو أن يمشي على التراب برجلين حافيتين حتى تتشقق قدماه مثل تشقق أقدامهم. وفعلا وبعد جهد جهيد وبعد سخرية الساخرين، وفى الضاوي بالعهد الذي قطعه على نفسه.

ترك صاحبنا الزوجة والأبناء بآسفي وقرر العيش في البادية لحراسة الأرض والأشجار والغلات. ومن هنا بدأ عشق الأرض والتراب يتغلغل في أعماق نفسه وفي شغاف قلبه ويتجذر في عظامه ويترسخ في عقله وتفكيره. أصبح صاحبنا يفضل أن يعطي بسخاء للمحامي والخبير الفلاحي ..على أن يشتري حذاء أو بدلة رياضية أو مجرد نعل بلاستيكية لأحد أبنائه. ضاقت الأمور بالزوجة التي لم تجد إلا عون أبويها لشراء لوازم البيت ومأكل الأولاد معتبرة الزوج العائد في حكم الغياب، وكأن الأقدار ما حملت لها يوما نبأ رجوعه حيا من بلاد المهجر.

تمر السنوات ويغادر الأبناء المدرسة واحدا بعد الآخر ، كان زملاؤهم يتهامسون ويشيرون إلى أسمالهم البالية وكأنما يلمحون إلى قسوة الوالد "عاشق التراب". وكانت الزوجة تلح باستمرار على الضاوي ـ الذي يقضي معظم الوقت بالبادية ـ بضرورة الانتباه للأولاد، لكنه كان يردد على مسامعها بأن ما يفعله هو لصالح الأولاد، ثم يردف بالقول: (وماذا تفعلون أنتم هنا؟ وما جدوى بقاء الأولاد هنا وأنا أصارع الأعداء وحدي هناك؟ لن تنالوا شيئا ما لم ترافقوني إلى الأصل، إلى الجذور حيث مهد الآباء والأجداد). ويرفق كلامه المعتاد بالتهديد بالزواج بامرأة أخرى تقبل العيش معه ولو في الجحيم. وفعلا نفذ السيد (الضاوي) تهديداته وتزوج امرأة بدوية من قبيلة مجاورة، وكرس حياته للصراع في جلسات لا تكاد تنتهي في المحاكم . لقد أنفق السيد الضاوي في هذا الصراع أموالا طائلة تكفي لشراء مثيل لأراضيه ـ موضع النزاع ـ حيث لم يكن يكتفي بتقديم المال وحده، بل كان يجود أيضا بغلات البادية على المحامين من ثمار ومن طيور الدجاج والديك الرومي .. وحين يأتي خبير الأرض الفلاحية يذبح الذبائح ويعد الولائم للشهود. وحين أوشكت القضايا يفصل فيها لصالح صاحبنا تدخل "فاعلو الخير" من أجل الصلح. وأخيرا يربح صاحبنا القضايا التي رفعها في المحاكم، وتعود له أرضه كاملة غير منقوصة، وهي عشرات الفدادين الفلاحية بأشجارها المثمرة. ويقوم بإجراءات المحافظة العقارية. ولكن الأبناء والبنات كانت الأحداث قد تجاوزتهم، لقد أصبحوا منقطعي الصلة عن أبيهم ، وإشارات السوء تترصدهم، ماتت الزوجة وغصة في حلقها على أبنائها الذين تلقفتهم الدروب والأزقة. وتناسى الناس جهود السيد (الضاوي) من أجل استرجاع هكتارات شاسعة من الأراض الفلاحية. كل ما يذكرونه هو ضياع الإنسان والبشر ، وأما تراكم الحجر فلا أحد يذكر له ثبات الوضع والأثر.

ذات يوم تسامع الناس خبر موت السيد (الضاوي) على الأرض التي عشقها أكثر من نفسه . وجدوه ممددا على التراب ، وتقاسم الأولاد والبنات القطع الفلاحية المترامية. بل إن بعضهم سارع لبيعها إلى أعداء الوالد الذي أفنى عمره في حراستها ومنع مجرد مرور أغنام هؤلاء الخصوم على تربتها.

w w w .    A    r    a    b    i    c    S    t    o    r    y    . n e t

جميع الحقوق محفوظة لشبكة القصة العربية 2001-2007