[ أهلاً بالضيف الكريم ] 
للتسجيل
أنت الزائر رقم

إحصائيات الموقع

الدول المشاركة
عدد الكتَّاب
عدد النصوص
عدد الكتب
عدد التعليقات
عدد القراءات
عدد التوقيعات
عدد المشتركين
كتَّاب في الانتظار
نصوص في الانتظار
 
الراعية والبناء 
التاريخ:  القراءات:(140) قراءة  التعليقات:(0) لا يوجد تعليق  إهداء لصديق طباعة التعليقات أضف للمفضلة

  قصة ، من : مسعد عيد العطوي  
الراعية والبناء

بحثت عن الراعية الزاهدة طويلاً ، حتى زرت إحدى آثار المدن المندثرة فوق الجبال ؛ فإذا هي مستقرة في إحدى حجرات المبنى ، فسلمت عليها وخرجت منها.

وقالت: وعليكم السلام ، وجلست مرتكزة على جانب الغرفة .

فقلت: ما الذي جاء بكِ في هذا المكان الخالي الذي عفى الدهر عليه، وعلى أهله.

فقالت: اقتربت منه واغتربت في رؤوس الجبال ، فقد زهدت في ملتقيات الناس .

قلت: عسى ألا أكون منهم ؟

قالت: بلى ، ولكن أحمل نفسي على الصبر في محادثتك .

قلت: جزاكِ الله خيرا.

وقلت: لقد صادف مأواك لهذه المباني هوى في نفسي، فأنا أميل إلى الوقوف على هذه المباني لا سيما القديمة المندثرة التي لا معالم لها تحدد زمانها ، ولماذا كانت هذه المدن الحجرية في رؤوس الجبال؟

قالت: والله لا علم لي .

قلت: تهيئتك الحجرة ، وتنظيمك لها يوحي بميلك للاستقرار فيها.

قالت: أنا ابنة فلاحين ، ولست بدوية .

قلت: أين وكيف ؟

قالت: كنا في مطلع الشمس من جبل حضن المعروف.

فقلت: والله أنكِ أذهلتيني تقولين أنكِ من (تربة) و (حضن) والآن أنت في أطراف جبال السروات شمالاً .

قالت: يروي والدي ووالدتي رحمهما الله : أنهما كانا في البادية في زمن شبابهما وفي إحدى السنوات تكاثفت الأمطار على تلك الديار ، فحفر والدي ثميلة في تلعة من تلاع حضن وأستقر حولها ، ثم أراد أن يملكها ، فزرع نخيلات حولها وزرع حبوبا ، فبارك الله في زراعته مما جذبه إلى الاستقرار ، ففكر في بناء حائط حول مزرعته ، وكان قد أستقر بجانب (نزل) فطلب منهم (العونة) لبناء حائطا حول المزرعة ، فتجمع رجال النزل وأخذوا يعملون ، فمنهم البناء ، ومنهم من يجلب الحجارة ، ومنهم من يرفعها ، وقد أخذت أمي تعد الإفطار لهم، وأجتمع معها بعض نساء الحي يأتين بالحطب ، والماء ، وأخذن يصنعن الأخباز ، والأولاد يأخذونها مع السمن والعسل لرجال العونة ، ثم ذبح والدي ذبيحة وبعد الظهيرة أعدها لهم ، فتناول الجميع تلك في ما يقارب العصر ، ولم يلبثوا حتى أكتمل الحائط مع الأصيل .

قلت: وهل أقتفى آثر والدك أحد بالبناء ؟

قالت: نعم ، فقد أخذ البناء يغزو التلاع، وأحضان الجبل بالطريقة ذاتها حتى تكونت بلدة .

قلت: وهل كنت في زمن الشباب تعيشين في خيام الشعر؟

قالت: لا ، ففي فترة وجيزة أخذا يبنون الحجرات المشابهة لمانحن فيه ، بجانب مزارعهم .

قلت: هل استدعوا عمالة خارجية لبناء الحجرات ؟

قالت: تروى والدتي: أن الأبنية تقوم بالعونة بين رجال الحي ، وهم يلبون النداء ، حتى تحول الناس من خيام إلى مباني حجرية .

قلت: معنى ذلك أنك : أبنة قرية وفلاحة .

قالت: نعم .

وقلت: وهل شهدت عمل حُجرات ، وقيام قرى ومزارع؟

قالت: نعم .

وقلت: وهل ترين أن بناء هذه المباني القديمة الجميلة البناء بالحجارة المصنعة : من باب التعاون .

قالت: أكاد أجزم أن البناء القديم قام على التعاون .

قلت: وحفر الآبار والثمائل ؛ وهل فيه نوع من التعاون؟

قالت: كلها قامت على التعاون ، فهم يحفرون البئر متعاونين ، ثم يطوونها بعونة أخرى ، فالعونة هي أساس الأعمال الأخرى .

قلت: هل زرتِ هذه بعد عزلتك وغربتك ؟

قالت: تصبرت عن زيارتها أكثر من ثلاثمائة سنة ، ثم زرتها ، فإذا بهذه الديار قد اندثرت والحجارة بليت وتناثرت، والمعالم الزراعية طمرت ، فسبحان الله مقدر الأقدار ، فبكيت البشر، وبكيت الديار ، وقلبت الأطلال ، وصعدت بشويهاتي إلى أعالي الجبل، ومكثت أشهر والدموع لم تفارق عيني، وتارة أفقد الوعي بعد نشيج طويل.

ثم قالت: قد ذكرتني بألوان أخرى لتعاون النساء ، وتعاون الرجال ، لا نستطيع أن نتحدث عنها في جلسة واحدة ، فصلاة الظهر قد وجبت منذ ساعة .

w w w .    A    r    a    b    i    c    S    t    o    r    y    . n e t

جميع الحقوق محفوظة لشبكة القصة العربية 2001-2007