[ أهلاً بالضيف الكريم ] 
للتسجيل
أنت الزائر رقم

إحصائيات الموقع

الدول المشاركة
عدد الكتَّاب
عدد النصوص
عدد الكتب
عدد التعليقات
عدد القراءات
عدد التوقيعات
عدد المشتركين
كتَّاب في الانتظار
نصوص في الانتظار
 
على وقع خطوات مترنحة على وقع خطوات مترنحة
التاريخ:  القراءات:(167) قراءة  التعليقات:(0) لا يوجد تعليق  إهداء لصديق طباعة التعليقات أضف للمفضلة

  قصة ، من : المصطفى سالمي  
بخطوات متثاقلة انطلق الفقيه الإمام (الحاج مرتضى) نحو مسجد النور الواقع في أطراف المدينة الشعبية، إنه منذ عقود يؤم الناس بالصلاة. كان الوقت فجرا والشوارع خالية من المارة، فالناس مستغرقون في سباتهم المعتاد، والمجرات تسبح بحمد ربّها، الإحساس بالخشوع ينتابه ممزوجا بألم دفين في قرارة قلبه على فلذة كبده، هو يحس بجرح غائر ـ في أعماقه ـ على نجله الأصغر "سعيد" الذي جرفه تيار الضياع في غفلة من الزمن، بينما (محمد) و (علي) يواصلان دراسات عليا بالعاصمة، كان هو قد انقطع عن الدراسة باكرا وأصبح يجاهر بالتدخين وأشياء أخرى ربما كانت أعظم، لقد طرده من البيت ولا يعلم له مأوى أو عنوانا، ما يحز في نفسه هو ألم وحسرة أم الأولاد، إنها لا تكف عن البكاء، ولكن هل يسمح له وقاره وتدينه ـ وهو الذي ينصح الناس من على المنبر كل جمعة ـ أن يكون ولده حالة شاذة يُشار لها بأصابع الاتهام، ربّاه! من أين جاء هذا البلاء المبين؟. استغفر الرجل العجوز ربه وهو يقرع بعصا واهنة الأرض يتحسسها في ظلمة الحي الشعبي.. تمتم لسانه بالدعاء لابنه الضال.

أخيرا وصل للمسجد الذي كان دافئا ككل فجر، سكون حالم وأرواح تسبح بحمد ربها رغم أن بيت الله شبه خال من المصلين، إلا أن (الحاج مرتضى) يشعر دائما وكأن مخلوقات غير مرئية تصلي خلفه في كل صلاة، ولكن العدد لم يكن يسمح باحتشاد أكثر من صفين..

اغرورقت عينا الحاج في أثناء سجوده، وتمنى أن ينهي الله عاقبته على خير في هذه الدنيا الفانية، كثير من أقرانه ودعوا هذا العالم السفلي مؤخرا، وهو يتمنى أن يلقى ربه وهو في أحسن حال، يلقاه دون أن يؤذي أحدا أو يترك واجبا من واجبات دينه أو دنياه إلا وأداه على الوجه المطلوب..

افترق المصلون ـ الذين كانوا في الأغلب من كبار السن ـ على باب مسجد النور، وبدأ (الحاج مرتضى) يعد خطواته البطيئة نحو منزله العتيق على وقع عصاه المرتجفة، لم يدر لم سيطر عليه موضوع ولده الذي اشتاق إليه كثيرا، أزيد من ستة شهور لم يهنأ فيها بنوم مريح، واليوم ازداد انشغالا على فلذة كبده، هل تُراه غادر البلاد نحو المهجر؟ أم تراه في مدينة أخرى؟ ولكن، لو عاد هل يسمح له بالعيش وسط بيت طاهر نقي وكأن شيئا لم يقع؟! لن يكون ذلك أبدا، لقد نصحه وطلب منه أن يقلع عن تلك المنكرات وأن يقطع علاقته مع رفاق السوء، وأن يبحث له عن عمل صالح شريف مُبديا استعداده لتزويده برأسمال حلال يستثمره في مشروع تجاري، ولكن دون جدوى.. لكن أن يأتيه ثملا سكرانا في إحدى الليالي فهذا عار وسبة في حقه!

كان الظلام ما زال يسيطر على المكان، والهدوء والامتداد يخيمان على الحي الشعبي، وفجأة وجد (الحاج مرتضى) نفسه وسط دائرة، وفي موقف لم يسبق له أن عاشه، وسُمِعَ صوت كأنه حشرجة يقول:

ـ ضع يدك أيها العجوز في جيبك واصعد بكل المحتوى!

ورد صوت ثانٍ بشكل متقطع الحروف:

ـ الجيب! لا، لا، لا.. نريد الجيب والجلباب القشيب..

وتعالت قهقهة الثالث وهو يقول بنغم إيقاعي:

ـ بشرى لنا، بشرى لنا..

وإذا بالثلاثة يرددون اللازمة: بشرى لنا، بشرى لنا..

تسمرت قدما الحاج، وكاد يترنح ويتهاوى، ولكنه تمالك نفسه تاركا زمام أموره لخالقه يتدبرها بعلمه وحكمته، فهو كان في أيامه السابقة يهش بعصاه من بعيد على الكلاب، فتولي بإرادة من الله هاربة مولية، ولكنه اليوم لا يقوى حتى على رفع عصاه في وجه كلاب بشرية، إن عكازه بمثابة رجله الثالثة التي يستند إليها. تحركت غشاوة على عيني الرجل كأنها سحابة، ما هذا؟ إنها جماعة اخرى تحيط بالأولى، وتعود السحابة على ناظري (الحاج مرتضى)، ثم كأنما كان يحلم، لا يجد أمامه إلا الجماعة الجديدة.. وانحنى شبح على يده يقبلها، تحسس بغريزته الأبوية رائحة ابنه "سعيد"، أحس أن الدنيا تلف به في عوالم بعيدة رغم أنه لم يبرح مكانه، قبل أن يتردد صوت الشاب قائلا:

ـ كن مطمئنا والدي، سأحرس خيالك من بعيد حتى تدخل البيت، لا تخف شيئا!

وتوارت المجموعة في ظلمة المكان.. مرّ المشهد سريعا كأنه حلم بالنسبة للعجوز. تحركت قدماه الواهنتان، وبدأ يردد في أعماقه: "الله يرضى عليك يا ولدي! أنت أيضا صالح، ولكن بطريقتك الخاصة!"

كان الشيخ وقتها قد استمد من هذا المشهد ثباتا وسكينة أكبر، واستقر كبده مكانه، وبدأ يردد: (الحمد لله على أنه حي يرزق، إن شاء الله يهديه رب العالمين بكرمه تعالى، فلم يحك لي والدي أو جدي عن عرق شرير في أصولنا، إن ولدي "سعيد" مجرد فرع انحرف عن مساره، وأرجو من الرب أن يعيده بسلام لوضعه الحقيقي، وما ذلك على المنان بعزيز). واختفى العجوز في عتمة المكان خلف بنايات الحي الشعبي!

w w w .    A    r    a    b    i    c    S    t    o    r    y    . n e t

جميع الحقوق محفوظة لشبكة القصة العربية 2001-2007