[ أهلاً بالضيف الكريم ] 
للتسجيل
أنت الزائر رقم

إحصائيات الموقع

الدول المشاركة
عدد الكتَّاب
عدد النصوص
عدد الكتب
عدد التعليقات
عدد القراءات
عدد التوقيعات
عدد المشتركين
كتَّاب في الانتظار
نصوص في الانتظار
 
القبض على السراب القبض على السراب
التاريخ:الجمعة 6 يناير 2017  القراءات:(358) قراءة  التعليقات:(0) لا يوجد تعليق  إهداء لصديق طباعة التعليقات أضف للمفضلة

  قصة ، من : المصطفى سالمي  
أمام الباب الرئيسي لمسجد (الإيمان) جلس (جلون) بجلبابه الصوفي الأسود الرث، ومد يده كتمثال للداخل والخارج من بيت الله، ولكل رائح وغاد من المارة، كان هذا هو مكانه المفضل أوقات الصلوات، ولكنه أيضا كان حين يشتد القيظ أو تنهمر الأمطار في فصل الشتاء، ينتقل بين الأزقة والدروب، ويقضي الليل تحت شرفة هناك، اتقاء بلل المطر الغزير. كان الجلباب لا يفارق الرجل لا صيفا ولا شتاء، فهو بمثابة لباس نهارا وغطاء وفراش ليلا، ولكن بعض زملائه المتسولين لا يستبعد أن يكون به رقع تضم أوراقا نقدية لا يريد لأحد أن يطلع عليها.

كان (جلون) قديما يشتغل راعيا في بلاد (الرحامنة)، لكنه تعب من العمل المرهق قليل المردودية، حقا لم يكن يشقى كثيرا في عمله، ويكتفي بالجلوس بجانب قطيع الأغنام التي ترعى وتمرح كما تشاء، ويأتي له أصحاب القطيع بالأكل في أوقات معلومات: مرق وخبز وأرغفة مدهونة ولبن طازج وشاي.. ، لكن مبلغ مائتي درهم في الشهر يحصل عليه هنا في صبيحة يوم الجمعة وحدها. لقد أصبح لا يطيق الحشرات السامة هناك، أبناء البلد الأصليون غادروا أرضهم، ولم يتبق منهم إلا كبار السن. هو اليوم ينعم بوجبة الكسكس التي يأتي بها المحسنون أمام بيت الله مرتين أو ثلاثا في الأسبوع، وفي عيد الأضحى لا يبخل الناس عليه باللحم الطري الذي يحصل على كميات وافرة منه طيلة يومين أو ثلاثة، لكنه يبيعه جملة وإن كانت تنبعث منه في المساء بعض الروائح، لكن لكل غلة مشترون، وهو يذهب كل مساء لدكاكين البقالة بالدراهم وأنصافها، ويحصل على ورقتين بنيتين، أو ورقة زرقاء يدسها مع صاحباتها. إن الأوراق الزرقاء تعطيه الدفء، هي أهم من الأكل، فقليل منه يكفي، ثم إن البركة في صناديق القمامة التي يرمي فيها أصحاب عربات الفاكهة المدفوعة أصنافا شهية في آخر النهار مما لم يقبل عليه الزبائن.

جاءت (رقية) وسلمت عليه، إنها زميلته في مهنة البؤس والتسول، هو يرتاح لها كثيرا، فهي مؤنسه في هذا المكان، لقد تعارك مع أكثر من متسول جاء لينافسه في موقعه يريد بذلك سلب مداخيله، وخاصة (المعطي) عدوه اللدود صاحب الصوت الحنون الذي يؤثر به على الناس ضعاف القلوب من الرحماء ويسلب ما كانوا سيجودون به عليه هو دون شك، لكن (رقية) كانت تلزم مكانها وتلوذ بالصمت، ولا تمد يدها، بل تكتفي بافتراش قطعة قماش أمامها، فيرمي عليها الناس ما يتفضلون به.

أخبرها أنه عثر بالأمس على مكان دافئ يحمي من المطر والبرد الشديد، وقد جمع بعض علب الورق المقوى وسيفترشها هناك. قالت له (رقية) بأنها تفضل الذهاب عند زميلة متسولة تقطن في سكن صفيحي في ضواحي المدينة، واقترحت عليه أن يؤجر غرفة من مساكن الصفيح، فلن تكلفه أكثر من مبلغ صبيحة واحدة من التسول كإيجار لشهر كامل، لكنه رفض بشدة قائلا:

ـ أنتِ متسولة راقية، هل تعهدين في أمثالنا إخراج النقود أو إنفاقها؟!

حل المساء وتفرق الناس، انتظر آخر المغادرين من المسجد بعد صلاة العشاء، كان برد الشتاء القارس قد دفع الكثيرين للاختباء بين جدران بيوتهم. عادت به الذاكرة إلى الوراء، لقد ترك بيت العائلة صغيرا، جرب أعمالا مختلفة دون جدوى، تسكع في مدن وقرى عديدة لسنوات خلت، وحين فكر بالعودة إلى الأصول، صدم بأن والداه فارقا الحياة منذ أمد ليس باليسير، لم يتركا من متاع الدنيا شيئا، فضل حياة الوحدة والانعزال بعيدا عن معارف بلدته البئيسة، كان يتصرف كأنما يعاقب ذاته على فشلها في تدبر أمورها، لا زوجة ولا أبناء، لا ماض ولا حاضر، لكن لابد من أن يقيم مشروعا شخصيا يعوض به الماضي التعيس. بدأت فجأة قطرات من المطر تتساقط، ولمع البرق بعيدا، حمل الرجل ـ الذي بدأ ظهره بالتقوس ـ علبه الفارغة، تحرك بتثاقل، وصلت به خطواته أخيرا إلى المكان الجديد. إن أطرافه بدأ يفقد الإحساس بحرارتها خلافا للسابق، هل هو السن الذي يتقدم به؟! لم يكن فيما مضى يحس بالتعب أو المرض أو الإرهاق، إن الأرض ـ اليومَ ـ تنبعث منها برودة قاسية كالموت. افترش الرجل الورق المقوى، وأسند رأسه إلى حجر بعد أن لفه بقطعة ثوب بالية. كان المكان شبه مهجور إلا من أضواء هنا وهناك لدور قليلة تنبعث منها الحركة والحياة. لم يرسل له أي أحد ولو قليلا من الشاي والخبز، كانت لديه بعض الأرغفة اليابسة يضعها في كيس بلاستيكي، إن أحس بالجوع ففيها الكفاية، هكذا قال لنفسه، أحس بالارتخاء يدب في مفاصله..

في الصباح الباكر ـ بُعَيد الفجر بقليل ـ سمع الناس صراخا وصياحا شديدين، كان (جلون) ينتحب كالنسوة ويندب حظه:

ـ رزقي، سرقوا مالي، سرقوا تعب السنين...

أطل رأس من نافذة قريبة قائلا:

ـ ماذا دهاك يا هذا؟! ماذا سرقوا؟ ومن الذي سرق؟!

ـ أحدهم هوى على رأسي ربما بحجر أو عصا، لا أدري، ولما أفقت وجدت جلبابي قد سرق!

ـ لا عليك، سأعطيك جلبابا جديدا يحميك من المطر ويدفئ جسدك الواهن.

كان الرجل ـ الذي بدت عليه آثار السنون أكثر من أي وقت مضى ـ يرتعش ويكاد يجن جنونه:

ـ لا أريد جلبابك، أريد جلبابي، يا ويلي، رزقي، مالي...!

تعجب الرجل من بلاهة رجل يرفض جلبابا جديدا، ويبكي وينتحب على جلباب قديم..

أغلق الرجل النافذة التي كان يتسلل منها برد يبطش بالمفاصل، وكأنما ندم على أنه حاول مساعدة من لا يستحق المساعدة.

منذ تلك الليلة، ما عاد أحدهم يعرف مكانا للسيد (جلون)، سألت (رقية) كثيرا من زميلاتها وزملائها في عوالم البؤس عن الرجل، ولكن دون جدوى، وقال بعضهم: (ربما قد عاد "جلون" للرعي في بلاد الرحامنة من جديد).

w w w .    A    r    a    b    i    c    S    t    o    r    y    . n e t

جميع الحقوق محفوظة لشبكة القصة العربية 2001-2007