[ أهلاً بالضيف الكريم ] 
للتسجيل
أنت الزائر رقم

إحصائيات الموقع

الدول المشاركة
عدد الكتَّاب
عدد النصوص
عدد الكتب
عدد التعليقات
عدد القراءات
عدد التوقيعات
عدد المشتركين
كتَّاب في الانتظار
نصوص في الانتظار
 
الطريق نحو الجنوب المغربي الطريق نحو الجنوب المغربي
التاريخ:  القراءات:(195) قراءة  التعليقات:(0) لا يوجد تعليق  إهداء لصديق طباعة التعليقات أضف للمفضلة

  قصة ، من : المصطفى سالمي  
في ساحة (باب دكالة) بمدينة مراكش كان السائق (ناصر) يجلس على كرسي في مقهى (الشعب) ينتظر اكتمال عدد الركاب، بينما تعالى صوت مساعده وهو يصرخ: "العيون، العيون.. راكب واحد فقط"، كان العدد المتبقي هو اثنان، لكنه كان يتصرف هكذا دائما حتى لا ينصرف الراكب المفترض باتجاه محطة الحافلات القريبة، وذلك حين يعرف أن مدة الانتظار ستطول أكثر وأكثر. كان (ناصر) لا يكف عن التهام الفطائر أو الحلوى والفاكهة، بينما كانت جبهته تتصبب عرقا، كان المارة كلما رمقه أحدهم يطيل النظر إليه كأنما يشده مغناطيس إلى البطن الكبيرة والدراعان المكتنزان، والوجه المنتفخ..

ها هو منتصف النهار قد حل، ومازالت شمس يونيو تلهب الساحة المكتظة بالسيارات بسياط أشعتها الحارقة، وما زال (ناصر) يتناول كأس شاي بعد الآخر، ولا يتورع بين لحظة وأخرى عن طلب قنينة من المشروبات الباردة، ولكنها تتحول كلها إلى عرق يتصبب على جبهته وباقي جسده. كان الركاب الذين لا يعرفونه يتخوفون ويشككون في قدرته على القيادة، لكن من رافقه أو يعرفه حق المعرفة سيؤكد على أنه سائق من الصعب مجاراته في المهارة والتحمل، وربما بطنه المنتفخة كثيرا كانت توهم بأنها ستعيق حركة يديه، أو أنها هي من يقود السيارة بدلا عنهما. وأما كرسي القيادة فقد مال نحو الوراء بشكل واضح تحت وطأة الثقل الشديد.

فجأة يمر بائع حاملا ملابس تقليدية فضفاضة مما يلبسه فنانو الدقة المراكشية، فتناول (ناصر) "فوقية" زاهية الألوان، وقاسها على جسده من الخارج، ثم سأل البائع عن الثمن، فقال له الآخر: (خمسون درهما)، كانت حقا ملابس قديمة بالية، إلا أنها قد تتيح لصاحبنا أن يجد فيها ضالته، أما الجاهز من الملابس فمن المستحيل أن يجد فيها مقاسا مناسبا له، ليبقى الحل الوحيد المتبقي له هو شراء قطعة ثوب كبيرة وتفصيلها على مقاسه.

أخيرا مالت الشمس قليلا وتخففت من وضعها العمودي القاسي، كان (ناصر) وقتها قد ملأ معدته بوجبة دسمة أتبعها بحبات برتقال وتفاح، ثم تمطى بيديه، لقد أصبح قميصه يحمل بقع العرق في كل مكان من جسده، وبين الفينة والأخرى كان يجفف بقطعة ثوب رأسه الأصلع وعنقه من السوائل المتصببة. وفجأة تعالى صراخ المساعد طالبا من الركاب الالتحاق بأماكنهم في السيارة. كانت العربة وقتها كأنها السعير يكوي جنوبهم، تزاحموا قبل أن يحكم الرجل إغلاق الأبواب، فتح البعض النوافذَ عسى قليل من الأوكسجين المفتقد ينعش المكان ويخفف من التهابه، وتحركت السيارة بتثاقل وسط زحام المدينة قبل أن تنطلق كالسهم بعد أن أصبحت خارج المدار الحضري.

بدأ التآلف يدب قليلا بين الركاب، بعضهم كانت تمثل له هذه الرحلة سفره الأول نحو الجنوب المغربي، بينما كان للسيد (محسن) صولات وجولات مع السفر نحو الصحراء، فقد كان مدرسا هناك بمدينة (بوجدور) الساحلية التي تقع جنوب مدينة (العيون) وتبعد عنها بحوالي مائتي كيلو متر.

مرّ السيد (ناصر) على باعة البطيخ الأحمر في جنبات الطريق، فتوقف ليشتري بطيختين، ثم عاد ليقود سيارته ويخبر مرافقَيه في الأمام بأن هذه المنطقة بإقليم (شيشاوة) تعرف تواجد أحسن أنواع البطيخ بالبلاد، بعدها جرهم الحديث نحو الأكلات الشهية بالمنطقة، وخاصة (الطاجين). كان المرافقان في الأمام لا يكفان عن الحديث، وكأنما بالفطرة عرفا نقطة ضعف السائق التي يمكن بها إشغاله حتى لا يقع ضحية النعاس أو التعب والملل، فقد كانت الطريق بين مدينتي (مراكش) و (العيون) تتجاوز التسعمائة كيلو متر، مسافة يحس الركاب أنها لن تنتهي أبدا، لولا التسلح بالموسيقى والأحاديث والحكايات الطريفة.

بعد مدن: (أكادير)، (تيزنيت) و(كلميم) بدأ الإرهاق يدب في الأجساد التي ارتخت بعد حوارات حول الساحل الجنوبي للبلاد ووفرة السمك وباقي السلع وفرص العمل.. لقد بدأت ألوان بشرة الركاب تميل إلى الشحوب.. وأخيرا توقف (ناصر) بمدينة (طانطان ـ الشاطئ) حيث تناول الجميع وجبة العشاء. كان الظلام قد خيم على الوجود، فأخفى معالم الصحراء وكتبانها الزاحفة نحو حواشي الطريق، ورغم ذلك فقد كانت الأخيرة شاسعة، أسفلتها صقيل، وهي لا تشهد ازدحاما في السيارات مقارنة بطرق شمال المغرب ووسطه، بل على العكس تماما، حيث كانت شبه خالية من الحركية مما كان يسبب حوادث سير على خلاف المتوقع، فالسيارات تنطلق بأقسى سرعة مطمئنة إلى الفضاء المتمدد والأفق البعيد الذي لا ينتهي، لكن النعاس الذي يستبد بالسائقين كان من العوامل المميتة، إلى جانب غياب تقاطعات إشاراتُها محفزة لبصر السائق في الليل، حينها يدب الاسترخاء الذي يعيشه السائق لساعات طويلة في ليل جعله الله سباتا، مما يؤدي لتثاقل وضعف في ردود الفعل..

في مدينة (طانطان) استراحت الجماعة قليلا بأن ذهب عناصرها باتجاه مقهى محاذية للبحر، هنا تتواجد المحلات التي تبيع الأسماك المشوية والمقلية على مختلف أشكالها وأصنافها. توزع الركاب على الكراسي وتناولوا حظهم من السمك الشهي، بعد ذلك بعضهم طلب الشاي، والبعض رغب في المشروبات الباردة، بينما توجه أكبر الركاب سنا نحو أقرب مسجد لأداء الصلاة، واستغل السائق (ناصر) الفرصة ليخبرهم أنه سيستريح قليلا في سيارته ويتركهم يأخذون راحتهم، ويدخن المدخن منهم، وينصرف من يشاء إلى دورة المياه...

وجدها الجميع فرصة ليستعيدوا حيويتهم المفتقدة، ذلك أن الطريق الطويلة قد استنفدت كل طاقتهم، وقد كانت الأجواء منعشة رطبة هنا في الجنوب المغربي على خلاف القيظ الذي خلفوه وراءهم في مدن وسط المغرب.

مر الوقت متدحرجا وهم في المقهى يتابعون مباراة في كرة القدم من مباريات كأس العالم، إنها المباراة النهائية بين الفريقين الإيطالي والألماني، كانت الحماسة على أشدها ليس بين اللاعبين وجمهور الملعب فقط، بل حتى بين رواد المقهى الذين توزعوا بين مشجع لهذا الفريق أو ذاك، فكانوا يتفاعلون مع كل فرصة أو مشروع هدف. أحس السيد (محسن) أنه الوحيد بين الركاب الي تنتظره مسافة مائتي كيلو أخرى، فسارع نحو مرافقه الأقرب الذي انتهى من تدخين سيجارة أخرى، وطلب منه أن يذهبا لتحفيز السائق لاستكمال الطريق، وتوجها نحو المكان القريب حيث رُكنت السيارة فوجدا السيد (ناصر) مستغرقا في نوم عميق، وبطنه تنتفخ كأن بداخلها ثعبان (الأناكوندا)، لقد كان يصدر صوتا مخيفا يسمع من وراء زجاج النافذة، قاما بقرع الزجاج، فهب الرجل كالمذعور، ثم تجمع الركاب من جديد، وانطلقت العربة بأقسى سرعة، وبدا أن السائق كان قد عاد لالتهام إحدى البطيختين الحمراوين، فقد كانت رائحتها تفوح مختلطة برائحة البنزين، في الطريق كان (ناصر) يمسك أحيانا المقود ببطنه كأنما يثبت حركته، ثم يمرر بيديه قطعة الثوب على زجاج النافذة أمامه من الداخل يمينا ويسارا، كانت كثير من دوريات الدرك تشكل نقاطا في مداخل ومخارج كل مدينة ومركز هنا في الجنوب المغربي.

عاد التعب والإرهاق يتسللان بقوة هذه المرة إلى مفاصل الركاب ممزوجين هذه المرة بالنعاس، فقد مرت ساعات إضافية من الطريق، وبانت زرقة حول العيون، وارتخت الجفون والأطراف, وحده السيد (ناصر) كان متقدا حيوية وعنفوانا، وهو من كان مصدر سخرية أول الأمر حين نزل الرجل لشراء البطيخ الأحمر، فقد تهكم عليه اثنان ـ في غيابه ـ أبديا لامبالاتهما بالموت بسبب سائق لا كالسائقين، بينما زعم مرافقه أنهما الوحيدان اللذان سينجوان من أية حادثة محتملة، فكتلة اللحم أمامهما ستشكل بالونا واقيا، لكن الآخر ادعى أن البالون ليس من هواء منتفخ، بل مجرد شحم وقليل من اللحم سيستحيل إلى كفتة آدمية أو لحم مفروم، لكن تدخل الرجل المسن والسيد (محسن) ليطلبا منهما الكف عن هذا النوع من المزاح. الآن أصبح هذان الشخصان هما الكتلة المفرومة تعبا وإرهاقا، لقد انتقلا إلى عالم آخر، عالم النوم الأشبه بعالم الموت.

أخيرا توقفت سيارة الأجرة في محطة (العيون)، كانت المدينة وقتها ساكنة هادئة سكونا جميلا ممتعا، تفرق الركاب متثاقلين نحو وجهاتهم ومقاصدهم، بينما استلقى السيد (محسن) على كرسي بمقهى المحطة، وطلب كأس (قهوة) يطرد به ما تبقى من آثار النعاس، منتظرا سيارة أجرة اخرى ستنقله إلى مدينة (بوجدور). كان آذان الفجر وقتها يُسمع من بعيد.

w w w .    A    r    a    b    i    c    S    t    o    r    y    . n e t

جميع الحقوق محفوظة لشبكة القصة العربية 2001-2007