[ أهلاً بالضيف الكريم ] 
للتسجيل
أنت الزائر رقم

إحصائيات الموقع

الدول المشاركة
عدد الكتَّاب
عدد النصوص
عدد الكتب
عدد التعليقات
عدد القراءات
عدد التوقيعات
عدد المشتركين
كتَّاب في الانتظار
نصوص في الانتظار
 
وثبة للخلف 
التاريخ:  القراءات:(84) قراءة  التعليقات:(1) تعليق واحد  إهداء لصديق طباعة التعليقات أضف للمفضلة

  قصة ، من : ناصر الحسن  
يُدير قفل الباب ثلاث مرات، يهزه بعنف كمن يمسك خصمه من تلابيبه. يمشي خطوات، ثم يعود يحرك ذراع الباب حتى يسكن فؤاده. يضع يده في جيبه يتأكد من غرق المفتاح في قاع الجيب. يمشي منحنيا إلى جهة اليمين، في حين ترك يده اليسرى خارج الجيب تصعد وتهوي تشق عباب الهواء.

يلتقط القاذورات في طريقه وهو يمشي في الشارع، يضعها في القمامة ويلعن راميها. يرى لوحة إعلانية مكتوب عليها: ( سارع قبل نفاذ الكمية ) يتأفف ويهزُّ رأسه، يُخرج منديلا من جيبه، يبله بلسانه ويمسح بها النقطة فوق حرف الذال لتصبح: ( سارع قبل نفاد الكمية ) يعود للخلف يتأملها، يبتسم ويمضي بارتياح.

كدقات الساعة كان يسيّر يَومه، أعلن الحرب على الفوضى في كل شيء. ظل في صراع دائم معها كفيروس قاتل. كل شيء في محيطه منظم ودقيق. ليس في بيته وعمله فقط بل حتى الأوراق النقدية في محفظته نضدها بالتساوي. يريد كل شيء في المدينة نظيفاً ومنمقاً، حتى السيارات التي تسير في الطريق، يلوّح لها من خلف مقوده، يريدها أن تكون كطابور منظم كأفراد الجيش. يخرج يده من النافذة مزمجرا على السائقين:

"اصطفوا بالنظام، الله يلعن البقر اللي أنتوا منهم".

رأى سيارة مسرعة ترفُّ من بابها الخلفي عباءة سوداء، أشار له بالوقوف لكن السائق لم ينتبه له. قطع الضوء الأحمر لإشارة المرور، وتبعه. أخذ ينظر في ساعته خشية الوقت الباقي لبدء العمل الصباحي. مشت السيارة في النوافذ والأزقة، وهو يسير خلفها مسرعا. وضع يده مطولا على منبه السيارة وهو يصيح:

العباية، العباية! لكن صاحب السيارة لم يتوقف. خرجت السيارة من المدينة، وسلكت الطريق السريع، وهو يسير خلفها، وكلما زادت السيارة من سرعتها، زاد منسوب توتره. تجاوز السرعة القانونية وهو يحاول إيقافه دون جدوى. أخذ يضرب مقود السيارة بقبضة يده، وهو يشتم ويصرخ. بعد مدة وهو يطاردها كلبوة جائعة، هدّأَت السيارة من سرعتها، فارتاح وجيب قلبه، ولكن حين اقترب منها، نزلت في الرمل، وسلكت طريقا غير معبد. أخذ يندب حظه، ويبصق من النافذة، نزل خلفها وأخذ يرفع أجفان السيارة ويخفضها محاولا جذب انتباهه للتوقف. سار خلفه مدة من الزمن حتى توقفت السيارة عند خيمة في أثباج الصحراء. نزل مسرعا وأرياقه متخشبة من لهيب الطقس، بادره بالتحذير من العباءة التي ترف خلفه. تبسم السائق ذي الملامح الآسيوية، ورد عليه بكل برود:

بابا هذا مافي عباية، هذا كيس أكل حق خروف!

أقحم رأسه في النافذة ليتأكد، أحس بالخجل، أخرج رأسه ثم أخذ ينظر في ساعته، برر له بأن الوقت قد تأخر جداً عن عمله. آب من رحلته وقد أضناه التعب، نزل من سيارته، وقبل دخوله إلى مقر عمله رأى كسرة خبز يابسة ملقاة في طريقه، حملها ومسح التراب من عليها، قبلها ثم مررها على جبهته، احتار أين يضعها، خشي أن يدهسها أحد، تلفت يمنة ويسرة ثم وضعها في جيبه!

دخل مكتبه، ألقى بجسده على الكرسي، تأمل في حادثة اليوم، وما سببت له من إحراج. عزم على أن يمارس الفوضى ولو ليوم واحد، ربما يرتاح من ذلك الهاجس الذي كان يؤرقه طوال حياته. قرر أن ينزع الساعة من يده وأن ينام وقت ما يشاء، وأن يستيقظ متى شاء، ولن يحرص على متابعة الأخبار أو الاستماع لحالة الطقس، ربما يهدأ له بال بعد غربال ويرتاح. عندما همّ بنزع الساعة من يده انبثق من أعماقه سؤال، كيف يعرف عدد الساعات التي مارس فيها الفوضى؟ فكر قليلاً ثم أعاد إحكام السير، وأكمل عمله.

الأحد

4/12/2016م

w w w .    A    r    a    b    i    c    S    t    o    r    y    . n e t

جميع الحقوق محفوظة لشبكة القصة العربية 2001-2007