[ أهلاً بالضيف الكريم ] 
للتسجيل
أنت الزائر رقم

إحصائيات الموقع

الدول المشاركة
عدد الكتَّاب
عدد النصوص
عدد الكتب
عدد التعليقات
عدد القراءات
عدد التوقيعات
عدد المشتركين
كتَّاب في الانتظار
نصوص في الانتظار
 
جارنا عجوز مشعوذ جارنا عجوز مشعوذ
التاريخ:  القراءات:(83) قراءة  التعليقات:(0) لا يوجد تعليق  إهداء لصديق طباعة التعليقات أضف للمفضلة

  قصة ، من : د. زهرة خدرج  
جارنا عجوز مشعوذ

لم يقتصر الأمر على منظر ذلك العجوز الذي يجعل منه في نظري أنا على الأقل جني خرج من عمق التاريخ من حكايات ألف ليلة وليلة واستوطن أحد البيوت المتهالكة، في حارتنا... ما لفت انتباهي أن أهل الحارة يتجنبوه وقد عزيت ذلك إلى أن هذا الرجل يثير الخوف في نفوس الكبار أيضاً، فكيف بطفلة صغيرة مثلي؟ فشعره طويل أشعث طال حتى بلغ كتفيه، ولحيته كثة امتدت بفوضى عارمة حتى أسفل معدته، ومشيته غريبة يبدو خلالها وكأنه يجر ظهره المنحني أماماً جراً، أضف إلى ذلك كله تمتماته غير المفهومة التي كان يتلفظ بها في اللحظات القليلة التي كنت أشاهده فيها في الشارع ذاهباً إلى الدكان لشراء احتياجاته أو متجهاً إلى حاوية النفايات يقذف فيها محتويات سطل كبير كان يثير الريبة في نفسي كما جميع أطفال الحي، أكثر من منظر حامله...

كنت أطلق لخيالي العنان فيصور لي أشياء تثير الرعب في النفس، تجعل من ذلك العجوز، الغول الذي لم يتمكن الشاطر حسن من التخلص منه وتخليص القرية من شروره... وزادت حدة الاسئلة التي تفرض نفسها عليَّ عن ماهية هذا الرجل، ونمت تلك التصورات وأينعت وأورقت وأثمرت عندما أصبحت أسمع أحياناً صراخ أناس مصابون بالهلع ينطلق من بيت العجوز، فرجح لي خيالي أنه يقوم بذبحهم ليأكلهم أو شيء من هذا القبيل، وأعتقد أنه السبب نفسه الذي حدا بجميع أطفال الحي أن يخافوه مثلي...

أما صبية الحارة الكبار، فكانت لهم مع هذا العجوز حكاية مختلفة، ففي أيام الصيف الحارة ولأن معظم سقف البيت الذي يسكنه من الصفيح الذي يصبح كالقدر يغلي بمحتوياته، كان العجوز يمضي وقته بشورت من القطن الملون وقميص داخلي يكشف كتفيه وساعديه، ولا يتورع عن الوقوف أمام باب البيت بهذه الملابس... وعندما يشعر الشباب الذين أصابهم طول العطلة الصيفية وقلة المثيرات بالملل، كانوا يحضرون أكواماً من الحصى ويأخذون بقذفها على سقف الصفيح... فيرتفع صراخ العجوز من الداخل طالباً منهم الكف عن إيذائه، وترتفع وتيرة الشتائم المنطلقة من الداخل بازدياد حدة قذف الصفيح بالحصى، وما هي إلا دقائق حتى يحل صمت مميت بالحي وتغدو شوارعه خاليةً من البشر تماماً وكأن وباءً قد ألم بالحي وأهله فقبض أرواحهم أو أجبرهم على الرحيل، كنت أسمع حينها أن العجوز قد استخدم سلاحه الفتاك ضد من يقومون بمشاكسته، ما كان يبث مزيداً من الرعب داخلي... وعلمت بعد سنوات عدة تفاصيل ذاك السلاح الذي يجبر جيش صبية الحارة على الفرار من وجهه والاختفاء عن الأنظار.. الذي كان عبارة عن روث حيوانات مخلوطاً بقش وبقايا نباتات، يقوم بتخميرها لفترة في دلو حتى يصبح دُبالاً شديد الرطوبة، رائحته قوية نفاذة تنتشر بسرعة في الجو تسبغ على من يستنشقها بشعورٍ من الدوار والتقيؤ.

"أبو سهام الشامي" هذه التسمية التي كنا نطلقها على ذلك العجوز، أكان من الشام أم لا، أم له ابنة اسمها سهام أم لا... هذا ما لم يكن لي علم به... كانت جدتي تروى عنه الكثير من القصص التي كثيراً ما عجزت عن نوم الليل الذي أعقب سماعي لإحداها... والآن وبعد مرور سنوات طويلة لا أدري إن كان أبو سهام لا يزال حياً يرزق، أغدو غير متأكدة إن كانت تلك الحكايات التي كان يتداولها الجميع عنه صحيحة، أم أنها مجرد تلفيق كان الغرض منه إشباع الفضول الذي يحوم حول الرجل وسلوكياته الغريبة.

بعد أن كبرت ونضجت وزاد إدراكي ومعارفي، أدركت أن أبو سهام لم يكن غولاً كما ظننت سابقاً، كما لم يكن شيطاناً من شياطين ألف ليلة وليلة... إنما هو مشعوذ، يلف خصلاً من الشعر على أوراق يطويها بشكل غريب ويكتب داخلها خطوطاً وكلمات لا يمكن قرائتها... ويربط خيوطاً ويعقدها بطريقة غريبة على قطع من القماش المبللة بقطرات من الدم، ويطلب ممن أتاه طالباً مساعدته أن يضعها في أماكن غريبة كشقوق الجدران أو تحت عتبة الباب أو شيء من هذا القبيل، وكان يكتب على قشر البيض، ويصنع منه قلائد يضعها الناس في أعناق أطفالهم أو النساء الحوامل.

واتضح لي أن الصراخ الذي كنت أسمعه ينطلق من بيته، فهو صراخ المرضى المصابين بالأمراض العقلية الذين كانت عائلاتهم تحضرهم عنده ليخلصهم من مس الشياطين (كما كان يدَّعي)، فيقيد أيديهم وأرجلهم، يهمهم بطلاسمه وهو يضع يده على رؤوسهم ثم يبدأ بضربهم ضرباً مبرحاً بعضا أو بفردة حذاء حتى يخرج الجني الذي يتلبسهم...

سألت جدتي ذات مرة: جدتي، لماذا كنت تروين لي حكايات مخيفة وغير صحيحة عن أبو سهام؟ أليس من الأفضل لو أنك أخبرتني بحقيقة الرجل؟ أجابتني: لم أتوقع أنك ستفهمين الوضع، ولخوفي عليك، كان همي أن أخيفك منه ومن كل ما يمت له بصلة، حتى لا تقتربي منه أو من بيته، وحتى تهربي من أمامه إن شاهدته في الشارع... كنت أخاف أن يؤذيك، خاصة وأن ذكائك وحيويتك كان تلفت الانتباه لك.

اعتقدت جدتي المسكينة أن هذا الرجل يمكنه أن يؤذيني وتناست أن الله خير حافظا وهو أرحم الراحمين... المشعوذ لا يؤذي إلا بأمر الله، ولا ينفع إلا بأمر الله أيضاً، ومن يتوجه لمشعوذ وساحر وهو مكذب له لا تقبل له صلاة أربعين يوم، فكيف بمن يذهب لمشعوذ لإزالة ضر مسه وهو مؤمن بقدرته على إزالته، أليس هذا هو الشرك بعينه؟

طرقت هذه الذكريات رأسي فأحببت أن أدونها، وأرويها، فهناك كثيرون مثلي واجهوا تجارب مشابهة تركت في نفوسهم أثراً عميقاً، ولكن ورثت قناعات مختلفة.

د. زهرة خدرج

w w w .    A    r    a    b    i    c    S    t    o    r    y    . n e t

جميع الحقوق محفوظة لشبكة القصة العربية 2001-2007