[ أهلاً بالضيف الكريم ] 
للتسجيل
أنت الزائر رقم

إحصائيات الموقع

الدول المشاركة
عدد الكتَّاب
عدد النصوص
عدد الكتب
عدد التعليقات
عدد القراءات
عدد التوقيعات
عدد المشتركين
كتَّاب في الانتظار
نصوص في الانتظار
 
ذكريات طفولة مشاكسة ذكريات طفولة مشاكسة
التاريخ:  القراءات:(43) قراءة  التعليقات:(0) لا يوجد تعليق  إهداء لصديق طباعة التعليقات أضف للمفضلة

  قصة ، من : د. زهرة خدرج  
ذكريات طفولة مشاكسة

فتحت عيناي على الدنيا لأجد عائلتي التي أنا أول أبنائها تعيش في بيت قديم بسيط سميك الجدران يتكون من غرفتين، الغربية منهما لوالدي، فيها نافذة صغير تفتح على الجهة الغربية، والغرفة الثانية التي تقع إلى الشرق من الأولى هي غرفة جدتي التي أصبحت وأخواتي نشاركها فيها، غرفة جدتي لا نوافذ فيها، تحوى رفاً داخل الجدار الشمالي يضعون فيه مؤونتهم من الزيت والزيتون وغيرها...

كنا ننام وجدتي على الأرض، على فراشٍ يزداد سمكه بازدياد برودة الجو، فوق حصيرة من القش، وكان سقف الغرفة من الجهة الجنوبية مشققاً يسمح لماء المطر بالنفاذ إلى داخل الغرفة، الأمر الذي يضطر والدتي لوضع دِلاء على الأرض أسفل الشقوق تقوم بإفراغها عدة مرات في اليوم الواحد في الأيام الماطرة. أما في فصل الصيف، فكنا ننام في باحة البيت السماوية طلباً لنسمات الهواء الليلية اللطيفة التي تخفف من قيظ الصيف داخل الغرف...

لأن غرفة جدتي تفتح على الباحة السماوية، كما غرفة والديَّ أيضاً، كنت أخاف جداً أن أخرج منها في الظلام وحدي مهما كان السبب، لهذا كنت أفضل أن أسمح لنفسي أن أتبول في فراشي على أن أخرج وحدي لقضاء حاجتي... استيقظت ذات ليلة على إلحاح قضاء الحاجة، فتحت باب الغرفة بهدوء، ووقفت بالباب من الخارج، نظرت إلى الأرض فإذا بي أرى ظلالاً تتحرك، (والتي كانت انعكاساً لفروع شجرة العنب التي تظلل باحة البيت "العريشة")... سيطر الرعب على نفسي وخاصة أن ذلك ترافق مع نباح كلاب في المنطقة، أخذت أبكي وأصرخ رعباً أيقظ جدتي وعبثاً حاولت تهدئتي وأخذي لقضاء حاجتي...

خم الدجاج يستلقي في الجهة الغربية من باحة البيت الكبيرة بين شجرة التين والنخيل، فيه دجاجات عدة ذوات ألوان جميلة ومختلفة، فلم تكن إحداها تشبه الأخرى، وكان بينهن ديك أحمر يتصرف كسيد البيت، كنت أعشق مشاكسته حتى يلحق بي يحاول نقري بمنقاره، فأولي هاربة أحتمي بجدتي التي كانت تحبني كثيراً فتطرده، وتخبئني خلفها.

أمام بيت الدجاج، على أحد فروع شجرة التين الضخمة تتدلى أرجوحة رائعة صنعها أبي من حبال وخشب تستوعب ثلاثة منا في آن واحد، تحضر بنات الجيران إلى بيتنا ليركبن معي في الأرجوحة، حيث نقضي الساعات الطويلة نلهو ونلعب وخاصة في فصل الصيف...

من الألعاب الأخرى التي طالما أحببناها وبرعنا في لعبها لعبة "بيت بيوت" والتي نحاكي فيها أدوار الكبار، إحدانا تمثل دور الأم التي تطهو الطعام وتنظف البيت وتقوم بجميع الأعمال المنزلية بالإضافة إلى تربية الأبناء، وواحدة أخرى منا تتقمص دور الأب الذي يعود إلى البيت في المساء محملاً باحتياجات المنزل، منهكاً وجائعاً... ولا بد في كل مرة أن يكون هناك طفلٌ مشاكس يسئ التصرف ويخل بقواعد الأدب، فكنا نتفنن في توبيخه وتوجيه النصائح له... ونجمع الأكواب المكسورة وأدوات الطعام التالفة ونصفُّها على قطعة خشبية ونضع فيها بعض الماء وأوراق الأشجار ونتظاهر بأننا نتناول وجبة من الطعام اللذيذ التي لا بد وأن تكون في كل مرة إما ساخنة جداً أو باردة، أو شديدة الملوحة أو بدون ملح... لنوجد لأنفسنا ملاحظات وتعليقات على الطعام نتسلى بإبدائها... كنا نعيش تلك الألعاب وكأنها حقيقة وواقع، وكان الدور الذي نقوم به يصبح جزءاً منا... وكم كنا نتقن أداء الأدوار...!!

كان دائماً لدي حب استطلاع وفضول يضطراني لارتكاب الكثير من الحماقات التي كانت تغضب أمي فتعاقبني دون أن أدرك تماماً السبب وراء غضبها، فأنا لم أكن أقصد أن أتلف شيئاً وإنما أريد معرفة ما يكمن ورائه... فمثلاً كنت أقوم بتقشير طبقات اللحاء التي تغطي ساق شجرة العنب لأتبين ماذا يوجد أسفل منها، حتى أعريها من اللحاء تماماً، وكنت أخرج خلسة وأجلس تحت ماء المطر حتى أبتل لأشاهد اللحظة التي ستنهار فيها شجرة النخيل بفعل الرياح القوية التي تهزها بقوة وتحرك أوراقها الضخمة، وطبعا لم أكن أستجيب لأوامر أمي وجدتي بالدخول إلى الغرفة للاحتماء من البرد والمطر، والمشكلة أنني كبرت دون أن أتمكن من رؤية انهيار الشجرة التي يصل طول ساقها إلى خمسة عشر متراً... لأنها بقيت صامدة في وجه العواصف حتى الآن! وكنت أيضاً أطيل التحديق في السماء وأمطر والدي بوابل من الأسئلة حول النجوم والقمر، ولماذا لا تظهر الشمس في الليل؟ ولماذا يكون القمر كل يوم بحجم يختلف عن باقي أيام الشهر؟ وأين تذهب شمس المساء التي تختفي رويداً رويداً؟، فقد كنت مقتنعة أنها تغوص في البحر وتمكث فيه لتعود في اليوم التالي، وعندما بدأت أدرس الجغرافيا في المدرسة أخذت أسأل جميع من حولي: إذا وقع سكان القطب الجنوبي، أين يا تُرى سيسقطون؟ لأنني كنت أتصور أنهم سيقعون للأسفل، إذن سيسقط سكان القطب الجنوبي في الفراغ... أي في الفضاء! ولماذا نشاهد أمواج البحر تتجه صوب الشاطئ في أي منطقة من البحر نذهب إليها؟ من أين بالضبط تبدأ الأمواج بالتكون لتذهب باتجاه جميع الشواطئ؟ وغيرها من الأسئلة التي كانت تشغل بالي ولم أجد إجابات للكثير منها لدى من هم حولي إلى أن كبرت وأخذت أقرأ وأجيب على أسئلتي بنفسي.

ومن النوادر التي لا زلت أذكرها أنني كنت السبب في أن ابن الجيران قد بال في ملابسه خلال عودتنا من الروضة، حيث أقنعته بأن يسير فاتحاً قدميه لأبعد مسافة ممكنة بينهما إذا أراد أن يمسك نفسه حتى يصل إلى البيت، فبعد مسافة قصيرة لم يتمالك نفسه من التبول في ملابسه.

كان هناك شجيرة ورد جوري تحبها جدتي جداً وتعتني بها، وعندما كنت أجد رغبة في نفسي في إغاظتها أقوم بقطف أوراق الشجيرة وأزهارها، وألقيها أرضاً وأدوسها بقدمي بعد أن أمزقها، فتغضب جدتي بشدة وتشكوني إلى والدي الذي لم يكن يسمح أن يتطاول أحدنا عليها، ولهذا كنت أُعاقب في كل مرة وأُمنع من اللعب والخروج من البيت.

ورغم المشاكسات الكثيرة التي أقوم بها مع جدتي إلا أنني كنت الأحب إليها، وأعتقد أنها هي من غرس في نفسي البحث عن التميز والاختلاف عن جميع من حولي... فعندما زارت أهلها في جزيرة وقبرص وكنت أنا في الثانية من عمري، أحضرت لي معها مريول أبيض كالذي يرتديه الأطباء، ومنذ طفولتي المبكرة كانت تريني المريول في مناسبات شتى وتقول لي في كل مرة: هذا لك عندما تصبحين دكتورة... وكبرت... وكان المريول دوماً بانتظاري في خزانتها... والمشكلة أنني فقدت المريول بوفاتها رحمها الله وكنت على أعتاب الثانوية العامة حينها، فلم أعد أدري إلى أين انتهى به المطاف، إلا أن ذكراه وذكرى جدتي لا زالت عزيزة على قلبي... فالمريول أبداً لا أنساه كما لا أنسى كلماتها... وحتى عندما وقفت على المنصة أناقش رسالة الدكتوراة، تذكرته وتمنيت لو كانت جدتي على قيد الحياة لترى الحلم يتحقق...

كانت خزانة جدتي كالكهف المليء بالكنوز في نظري بل ربما فيها ما يجذبني أكثر من الكنوز والجواهر... ففيها صندوق يحوي الكثير من الصور لأقاربها وأهلها الذين كانت تسميهم لي دائماً عندما أطلب منها رؤية تلك الصور... وكانت تحكي لي الكثير عنهم وعن حياتهم، رغم أنها في كل مرة تكرر نفس الحكايات إلا أنني كنت أستمتع جداً بالاستماع لها حيث أسبح بخيالي هناك عندهم على شاطئ البحر حيث سلطانة وشفيقة وخالد وتامر وجونول.

وصور لشاطئ بحر قبرص، وصور أخرى لإحدى قرى "بافوس" التي ولدت وعاشت فيها حتى زواجها ومغادرتها جزيرة قبرص بالكامل عندما انتقلت للعيش في فلسطين، وصور "لجيرنا" المدينة الجميلة التي تقع على شاطئ البحر المتوسط والتي انتقلت إليها عائلتها بعد مجازر التطهير العرقي الذي تعرض له القبارصة المسلمون من قبل العصابات المسيحية المتطرفة في الجانب اليوناني من جزيرة قبرص. في خزانتها أيضاً هناك منديل أسود موشى بخيوط ذهبية تحبه جدتي جداً وتحتفظ به ككنز ثمين لأنه هدية من أختها شفيقة...

ومن المواقف المضحكة التي لا أستطيع نسيانها أنه كان لدى جدتي قرآن مكتوب بغير اللغة العربية، وعندما رأيته لأول مرة اعتقدت أنه إنجيل واعتقدت أن جدتي مسيحية، فما كان مني إلا أن سألتها: هل أنت مسيحية يا جدتي... فأخذت جدتي تبكي بكاءً مراً وقالت لي بأنها مسلمة أباً عن جد وما هذا إلا قرآن باللغة التركية، لأنها لا تعرف أن تقرأ العربية، وأضافت: أتعتقدين أنكم أنتم الوحيدون المسلون لأنكم عرب؟ ولطالما بحثت في خزانتها على المسبحة الطويلة ذات الحبُّ السكري اللون الذي يميل للخضرة الخفيفة، فعندما كنت أطفئ الأنوار أرى حباتها تتلألأ بطريقة تسلب لُبي وتثير فضولي وكم تمنيت لو أعرف كيف يحدث ذلك... والتي لا يلبث تلألؤها أن يخبو بعد دقائق من الظلام... ولخشية جدتي على المسبحة من أن ينفرط خيطها وتتشتت حبَّاتها وتضيع، تغضب جداً عندما تجدها بين يدي، ولهذا كانت تخبئها في خزانتها وتبقي بين يديها مسبحة أخرى مصنوعة من نوى الزيتون، إلا أنني كنت أتطفل على خزانتها وآخذها من دون علمها في الليل، وأدفن رأسي تحت الفراش وأستمتع بجمال حباتها تتلألأ في الظلام... وما ألبث أن أغفو...

كنت كثيراً ما أسمع جدتي تتغنى بألحان تركية جميلة لم أدرِ معناها يوماً، إلا أنني كنت أحس فيها بالحنين للأهل والوطن، وخاصة عندما كانت تخنقها العبرات، وتندفع حبات من الدمع خارج مآقيها تحاول إخفائها عني... لشأن خاص بها...

وعندما نزور أحد الأقارب أو الأصدقاء في الليالي القمراء- ولم نكن نمتلك سيارة أو أي شيء نركبه في ذلك الوقت- كنت أضع يدي في جيب معطف جدتي الصوفي السميك لتقودني خلال مسيرنا لأتفرغ أنا طوال الطريق لمراقبة القمر وكيف يسير معنا أينما سرنا ويلتف معنا أينما التففنا... وأسأل نفسي باستغراب: لماذا يتبعنا القمر دائماً؟ أليس لديه أناس آخرون يرقب تحركاتهم؟ ولاهتمامي بالقمر والنجوم منذ صغري، كانت تربطني علاقة من نوع خاص بالكون والفضاء الخارجي، فعندما أتقنت القراءة وفهم المقروء منذ سن صغيرة انطلقت أقرأ الكثير من الكتب في علم الفلك، أتعرف على المجرة والمجموعة الشمسية والكواكب والنجوم، والشمس، والقمر، ونظريات نشوء الكون وغيرها... كنت أقرأ بشغف لا يوصف لأنني وجدت في بطون الكتب إجابات للأسئلة التي كانت تؤرقني وتحيرني ولا أجد لها الأسئلة الشافية.

د. زهرة وهيب خدرج

د. زهرة خدرج

w w w .    A    r    a    b    i    c    S    t    o    r    y    . n e t

جميع الحقوق محفوظة لشبكة القصة العربية 2001-2007