[ أهلاً بالضيف الكريم ] 
للتسجيل
أنت الزائر رقم

إحصائيات الموقع

الدول المشاركة
عدد الكتَّاب
عدد النصوص
عدد الكتب
عدد التعليقات
عدد القراءات
عدد التوقيعات
عدد المشتركين
كتَّاب في الانتظار
نصوص في الانتظار
 
عندما تُغَيَّبُ الكرامة الإنسانية عندما تُغَيَّبُ الكرامة الإنسانية
التاريخ:  القراءات:(40) قراءة  التعليقات:(0) لا يوجد تعليق  إهداء لصديق طباعة التعليقات أضف للمفضلة

  قصة ، من : د. زهرة خدرج  
في العواصم والمدن الكبرى تكثر الحكايات وتتوه بين الزحام الكثيف الذي يغرق كثير من الناس بين تفاصيله التي يصعب الإلمام بها.. فبين هذه الحكاية وغيرها الكثير من المئات وربما الألوف بل الملايين من الحكايات الأخرى تكون المرأة هي محور الصراع والعقدة.. وتبقى هي الأكثر عرضة للجور والامتهان وسلب الحقوق.

إذا خيرك أحدهم بين أن تختار موتك حرقاً أو موتك سحقاً، أيهما ستختار؟ أليس كل منهما يفضي للموت بطريقة بشعة؟ وهل هناك أسوأ من أن تكون ملزماً باختيار أحد أمرين، أحلاهما أمر من العلقم؟ أليس أسوأ الاختيارات هي تلك التي تضطرك للحكم على نفسك بالذل والهوان في لحظة لا تتوفر لديك أية خيارات أخرى؟. أعتذر من حضراتكم مسبقاً على ما سأقول، وقبل أن أسهب في سرد حكايتها أرجوكم أن لا تسخروا منها ولا تعتبروا كلامها فلسفة غير جديرة بها من هن مثلها، أمهلوني حتى أروي حكايتها وبعدها قولوا عنها ما تشاؤون وأصدروا عليها من الأحكام ما ترغبون، ولكن أرجو أن لا تحملوها من اللوم والانتقاد ما لا تطيق.

لم تكن أروي لتكف عن جلد ذاتها ولومها وتقريعها على ما وقعت فيه من أخطاء في الماضي، لم ينقذها منها إلا لطف الله. وهي لا تقول هذا الكلام من باب البطر الكلامي، أو لتنهى عن أشياء لطالما مارستها هي شخصياً، أبداً، بل لأن هذا بالضبط ما آمنت به لاحقاً، وباتت تطبقه في حياتها.

طبعاً هي لا تذكر كيف شرعت في الحياة بعد اجتيازها لرحلة العبور من بطن أمها حيث الدفء والسكينة إلى عالم الشقاء، ولكنها واثقة بأنها أتت إليها صارخةً باكية، تغمض عينيها رافضة أن ترى ما يجري فيها.. وهي متأكدة أيضاً من أنها التقمت ثدي أمها، لتشبع جوعها وتروي ظمأ قلبها المتعطش لحب الأم وحنانها.. وبما أن الرياح لا تجري بما تشتهي السفن، ولأسباب لا تعلمها حتى الآن، فقد انفصل والدا أروي ولم يكن قد مضى على قدومها لهذه الدنيا سوى شهرين.. وبعد أيام عدة، كانت امرأة أخرى تحتل مكان أمها وقلب أبيها.. أما هي فقد أخذت تتناقلها الأيدي والبيوت كإرث بغيض غير مرغوب فيه يكاد ينعدم الأمل في التخلص منه.. تناقلوها بأقمطتها المبللة التي قلما وجدت من يبدلها، أو يتذكر أنها طفلة تحتاج لعناية كباقي الأطفال.. حتى ظهرت بثور كثيرة متقيحة على جلد أروي لم يجد العلاج معها نفعاً، ولم تجف وتتوقف عن الظهور إلا بعد أن أخذت تمزق حفاظتها بنفسها وتحبو عارية، وتترك فضلات جسدها في أرضية المكان.. وطبعاً كره الجميع بقائها بينهم، ليس لهذا السبب فقط وإنما لأسباب كثيرة أكثرها قوة أنها نذير شؤم على من تحل عنده، كما يرددون على مسامعها دائماً.. فليس طلاق أمها هو السبب الأول، كما لم يكن وفاة جدتها بعد شهر من احتضانها هو السبب الأخير.. وتعدد زواج والدها وطال غيابه.. وبقيت تحت رحمة زوجات الأب تارة، وتحت رحمة الأعمام وزوجاتهم تارة أخرى..

تسربت أروي من المدرسة قبل أن تستطيع أن تتقن القراءة والكتابة.. فالمعلمات اللائي لا يعرفن عن حياتها الخاصة شيئاً، عاقبنها على كسلها وإهمالها باستمرار، ومنهن من طردتها خارج الصف أحياناً، فهي تحضر للمدرسة كل يوم، ليس في حقيبتها سوى بعض الكتب المتسخة من تلك التي سلمتها المدرسة إياها، وليس بحوزتها قلم ولا ممحاة أو دفتر أو أيٍ من الأدوات المدرسية الأخرى، أما الواجبات البيتية فلا تؤدي أي منها في البيت.. أما قصتها مع النظافة فلها حكاية خاصة، فحقيبتها قذرة جداً ومهترئة، وأزرار مريول المدرسة فمفقودٌ معظمها، وشعرها متلبد على بعضه يستطيع الناظر إليه أن يرى القمل يزحف على سطحه دون ورع.. وكانت تغادر البيت في الصباح دون أن تتناول لقمة تسد رمقها، ولم يحدث وأن حملت معها ذات يوم كسرة خبز في حقيبتها أو قطعة نقدية كباقي الطالبات.

لم تستطع صبراً على الإهانات التي تتلقاها في مدرستها، فأخذت تغادر البيت الذي تقيم فيه صباحاً، لتهيم على وجهها في الشوارع، تتسول لقيمات الخبز وقطع الحلوى من المارة.. وحين يحين موعد الخروج من المدرسة تعود..

أبلغت مديرة المدرسة أحد أعمامها عن تغيبها عن المدرسة وطلبت منه تبرير الغياب.. انتظر عودتها، ودون أن يسألها انهال عليها بالضرب المبرح، ثم حبسها في سقيفة على سطح البيت مقيدة الأيدي والأرجل.. دون طعام أو شراب.. لتغدو هذه السقيفة التي لا تصلح إلا مبيتاً للحيوانات مسكناً لها بعد ذلك..

وبدأت سمات الأنوثة تبرز في وجهها وجسدها، ما لفت انتباه عمها إلى ضرورة تزويجها والخلاص من مشاكلها التي لا تنتهي.. فعرضها كما يعرضون سلعة للبيع، ورغب رجل متزوج في أربعينياته باقتنائها.. وتمت الموافقة وتم الزواج على عجل.. لتبدأ مرحلة جديدة ونوع جديد من المعاناة.. فقد أخذ الزوج يطلب أن تبيع جسدها، فهو يريد النقود، لا يهم كيف، حتى وإن كان ذلك عن طريق الدعارة.. إلا أن أروي كانت ترفض بقوة.. ما عرَّضها باستمرار للضرب المبرح، والإهانات الدائمة التي وصلت في يوم ماطر بارد حد الطرد من البيت ليلاً لأنها رفضت زبوناً ليلياً أحضره زوجها معه مقابل مبلغ لا بأس به، وأغلق الباب دونها..

لم تدرِ أين تذهب.. هامت على وجهها في الشوارع تبلل الأمطار ملابسها.. فلا تستطيع العودة إلى أهلها.. كما لا تستطيع العودة إلى ذلك الوحش البشري الذي يسمى في الشرع والقانون زوجها.. وسكنت الحركة تماماً في المدينة الصاخبة، ونام كل من كان يدب على الأرض سواها، أو هكذا تصورت.. إلى أن فوجئت بثلاثة من الشبان يلتفون حولها، ويمطرونها بعبارات غزل خليعة.. أمرتهم بقسوة أن يبتعدوا عنها.. اقتربوا منها أكثر وحاولوا الإمساك بها وسحبها معهم.. صرخت بهم، وأخرجت من جيبها سكيناً كانت تحمله معها منذ صغرها تهدد به المتطفلين والمعتدين، وتستعمله إن دعت الحاجة لذلك.. وبقوة ضربت به اليد التي أحاطت خصرها.. فولى ثلاثتهم هاربين وهم يقولون: لا بد وأن هذه امرأة مجنونة أو أن لعنة قد أصابتها.. وإلا ما كانت لتخرج وحدها في هذا المطر والبرد بعد منتصف الليل، ولما تصرفت بهذه الطريقة الشرسة.

وتذكرت والدتها التي لا تعرف ملامحها، والتي سمعت زوجة عمها تقول إنها تسكن مع زوجها إلى جانب مسجد "الإمام علي" في طرف المدينة الغربي.. وصلت المنطقة بعد ما يربو عن ساعة ونصف من السير على الأقدام.. نظرت فإذا بيت وحيد في المكان، فالمسجد قد أحاطت به محلات بيع الدواجن والأنعام وأصواف الأنعام.. طرقت الباب طرقات عدة، وهي تدعو الله أن يكون هذا الباب هو العنوان الصحيح فلا تتعرض للمزيد في هذه الليلة الليلاء التي تركت أثرها في نفسها كالكثير من أيام حياتها.. وقفت تنتظر بالباب فرجاً يطل عليها من دون ميعاد.. شعرت بشعاع من الأمل يتسرب إلى نفسها عندما رد رجلٌ سائلاً: من بالباب؟..

أجابت: أريد أن أرى فاطمة؟.

-من أنت لتسألي عنها بعد منتصف الليل؟، ماذا تريدين؟.

-أخذت تبكي قائلة: أنا ابنتها أروى، أرجوك افتح لي الباب يا عم، وسأخبرك بكل شيء بعد ذلك.

ودون أن يطرح مزيداً من الأسئلة أزاح مزلاج الباب وفتحه، وأذن لها بالدخول.. تبدل حاله سريعاً من حالة الغضب إلى الشفقة والرأفة بحالها، وقال لها: ماذا جرى يا ابنتي؟ من أنت؟.. وأشار إلى غرفة الاستقبال، فدخلتها وملابسها تقطر ماءً.

حضرت "فاطمة".. أنكرت أروى على نفسها عدم شعورها بأية مشاعر تجاهها، وكأنها ليست هي من حملت بها وأنجبتها.. نهضت عن كرسيها صافحتها وقبلت يدها قائلة: انا أروى يا أمي.. ضاقت بي السبل، فجئتك في هذا الوقت طالبة منك العون ومن زوجك.

أخذت فاطمة تضمها بشوق ولهفة.. وتقبلها.. وهي تتكلم بكلمات كثيرة غير مترابطة تخرج من لسان أذهلته المفاجأة، وتمطرها بعدد كبير من الأسئلة دون أن تترك لها مجالاً للإجابة..

نامت أروى ليلتها بالقرب من والدتها بهدوء وسكينة لم تعهد له طعماً في سنواتها العشرين الماضية.. ثم بدأت رحلة البوح التي طالت أعماق الماضي، منذ جمعت الأقدار بين والديها.. وأصغت أروى إلى أمها تروي لها كيف كانت الأيام القليلة التي قضتها في بيت والدها، والأسباب التي دفعتها للانفصال عنه، وأخبرتها كيف حُرمت من احتضانها وهي وليدة صغيرة لا غنى لها عن ثدي أمها.. وكيف مُنعت من رؤيتها بعد مغادرتها لبيت الزوجية، وكيف أجبرتها أسرتها على الزواج من هذ الرجل الأرمل "الحج محمود"، الذي ظهر لها فيما بعد أنه عقيم، والذي آثرت البقاء معه رغم ذلك، لأنها وجدت فيه رجلٌ كريمٌ شهمٌ أحاطها بحبه وحنانه فعاشت معه حياةً آمنة وادعة، عوضتها عن أيام البؤس التي أمضتها مع زوجها السابق.. وطلبت من أروى الصفح على ما تعرضت له من اضطهاد لم تستطع الإسهام في رفعه عنها.

أدركت أروى أن الظلم الذي اعتصرها بين أذرعه كان امتداداً لظلم عصف بنفس والدتها وأسبغ على روحها سوداوية لا تفارقها، وكآبة جعلتها ترى الحياة محض غابة تنتشر المفترسات في جنباتها، القانون السائد فيها هو: القوي يفترس الضعيف، غابة شُردت فيها رضيعةٌ عن والدتها، ولفظها المجتمع بغير ذنب..

ضمتها والدتها إليها، حتى وإن جاء ذلك في وقت متأخر جاء بعد عشرين سنة من الفراق. رحب الحاج محمود ببقائها معهم.. وفي مركز للتدريب المهني أخذت أروى تتعلم حياكة الملابس التي أبدعت فيها وأتقنتها في وقت قصير رغم أنها بالكاد كانت تستطيع تهجئة الحروف وقراءة الكلمات.. وبعد عام تقريباً أخذ الزبائن يترددون عليها طلباً لخدماتها لتكييف وتصميم الملابس، وتفصيل الستائر، وغيرها.

انفصلت عن زوجها، بعد أن قايضت حريتها بالمال الذي لم يستطع مقاومته.. شعرت بعدها وللمرة الأولى في حياتها وكأنها ولدت من جديد.. فهي وللمرة الأولى تمتلك زمام أمرها.. لم تعد تابعاً لأحد كما كانت دائماً، وفارقها شعور العبودية الذي كان يحكم قبضته على روحها، ويشعرها بالدونية طوال الوقت.. هي إنسانة كباقي الناس.. لها حقوق، من أهمها أن تعيش بكرامة، وأن لا يجبرها أحد على عمل شيء تكرهه..

#دكتورة_زهرة_خدرج


فلسطين-أغسطس 2016

w w w .    A    r    a    b    i    c    S    t    o    r    y    . n e t

جميع الحقوق محفوظة لشبكة القصة العربية 2001-2007