[ أهلاً بالضيف الكريم ] 
للتسجيل
أنت الزائر رقم

إحصائيات الموقع

الدول المشاركة
عدد الكتَّاب
عدد النصوص
عدد الكتب
عدد التعليقات
عدد القراءات
عدد التوقيعات
عدد المشتركين
كتَّاب في الانتظار
نصوص في الانتظار
 
صديقي وكسكس العزاء صديقي وكسكس العزاء
التاريخ:  القراءات:(254) قراءة  التعليقات:(1) تعليق واحد  إهداء لصديق طباعة التعليقات أضف للمفضلة

  قصة ، من : المصطفى سالمي  
انطلقت السيارة بالزملاء المدرسين الأربعة باتجاه بلدة (أمطل) التي تقع خارج مدينة (سيدي بنور) بحوالي عشرين كيلو مترا. توجهوا مباشرة من مقر عملهم ببلدة (مطران) بعد أن سمعوا نبأ موت والد زميلهم: الأستاذ محمد. ورغم كونهم كانوا متعبين من العمل والتنقل، إلا أنهم قرروا الإسراع بالقيام بواجب العزاء، لأنه لا وقت لديهم في قادم الأيام وقريبها، فجدولهم الزمني ليس فيه فراغات. وصلت السيارة إلى قرية نائية حيث نُصبت خيمة كبيرة تجمّع فيها أهالي البلدة. تقدم زميلهم محمد نحوهم مُحيّيا بوجه كالح حزين. تركوا السيارة بعيدا.. وجلسوا على زرابي كانت قد فُرشت على عجل.

سمع فتحي صوت أذان المغرب منبعثا من مسجد القرية المجاور الذي تظهر صومته في طرف القرية. فأصر على أداء الصلاة مع الجماعة والعودة السريعة، ثم غاب في زحمة المكان. وعلى الفور ودون مقدمات وُضعت صحون طعام الكسكس تفوح رائحتها الشهية، وخاصة مع الجوع المستبد بهم، فهم يتوجهون لمقرات عملهم مع مُنتصف النهار، ذلك أن الدراسة تبدأ بعد الواحدة بعد الزوال، والخروج يكون في الخامسة مساء لتيسير وصول التلاميذ لمنازلهم البعيدة قبل حلول الظلام. كان صحن الكسكس يعلوه اليقطين والجزر ولحم العجل. امتدت الأيدي والملاعق إلى الصحون، وكان أغلبها من طين أحمر. كانت باقي الأطباق في الخيمة يتجمع على الواحد منها ستة أو سبعة أفراد. أما صحنهم فكان يضم ثلاثة فقط هم المدرسون بمطران، وينقصهم الرابع الذي ذهب للمسجد وتأخر في العودة. استمرت الأيدي والملاعق كالمعاول التي لا تتوقف عن جرف المادة الشهية. اقتربوا من اللحم أخيرا، وتذكروا زميلهم الذي ما زال لم يعُد بعد، كانت شهيتهم كبيرة، ولكن المعروض كان أكبر من مقدرتهم وشهيتهم. وفجأة جاء أغراب آخرون لم يجدوا لهم مكانا مريحا في الموائد الأخرى. وكان الأصدقاء الثلاثة قد رفعوا أيديهم من الطعام. كان بالصحن خير كثير ولحم شهي وفير، وسِرّ لذّته هو أجواء وطقوس الطبخ بالبادية، ومهارة نساء البادية في الطبخ. هاجم هؤلاء البدو الصحن بتلقائيتهم المعهودة، وما هي إلا دقائق معدودات حتى اكتسحوا أعماقه فبانَ قعره الطيني الأحمر القاتم. وقام الرفاق حين ظهر صديقهم محمد عازمين على التوجه مباشرة للمسجد لتفقد صديقهم فتحي، فإذا بالأخير يُطل برأسه من الخيمة من الجهة الأخرى. سلّموا مرّة أخرى على زميلهم محمد وطيّبوا خاطره بكلمات عزاء منتقاة لإدخال الصبر والتحمل والجلَد على نفسيته. ثم انسحبوا من الخيمة التي كانت تُسمع فيها همهمات وأحاديث خافتة تتناسب مع مقام العزاء.

في السيارة سأل الرفاق زميلهم فتحي عن سرّ تأخره، فقال لهم: "تأخر الإمام في الحضور". فردوا عليه بأنهم علموا من خلال بعض الحاضرين بجوارهم في الخيمة أن الإمام لم يُفوّت الطعام على نفسه، ولم يذهب إلا بعد أن شارك بنصيبه وملأ معدته من طعام العزاء. ولما كان صديقهم فتحي يحب الأكل حبّا جما وخاصة الكسكس، وخاصة أن زملاءه زادوا من تهييجه بتعداد أوصاف كسكس البادية ولذته، فقد أبدى صديقهم إحساسا بأنه استُغفل لمّا كان الوحيد منهم الذي حُرِم لذّة هذه الوجبة الشهية. فقابلوا الأمر بمعادلة معكوسة: "أنت الوحيد منّا الذي نال حُظوة الصلاة في وقتها ومع الجماعة". لكن هذا لم يُطيب خاطره بالمرة، فادّعى زملاؤه أن كسكس العزاء سر لذته هو الدموع المنسكبة أثناء بكاء النسوة وهن يطبخن.. لكنه أصر على أنه سيطلب من زوجته عند وصوله بأن تُعد له الكسكس في هذه الليلة، فهو لا يُطيق الانتظار ليوم الجمعة: اليوم المعتاد لهذه الوجبة.

تمرُ الأيام على هذه الحادثة وما زال الأستاذ فتحي يتذكر قصة كسكس العزاء قائلا: (ما زالت غُصة يوم العزاء في الحلق، الرائحة الشهية التي انبعثت في فضاء الخيمة حين عُدت من المسجد لا مثيل لها، وما أكلته ليلتها في بيتي لم يكُن كافيا ليشفي غليلي أو يُعوضني). فقالوا له بتهكم: (أذهبتَ أجر تلك الصلاة بهذه الغصة، وأضعتَ أيضا وجبة شهية في نفس الوقت).

w w w .    A    r    a    b    i    c    S    t    o    r    y    . n e t

جميع الحقوق محفوظة لشبكة القصة العربية 2001-2007