[ أهلاً بالضيف الكريم ] 
للتسجيل
أنت الزائر رقم

إحصائيات الموقع

الدول المشاركة
عدد الكتَّاب
عدد النصوص
عدد الكتب
عدد التعليقات
عدد القراءات
عدد التوقيعات
عدد المشتركين
كتَّاب في الانتظار
نصوص في الانتظار
 
من وحي أبي مالك 
التاريخ:  القراءات:(219) قراءة  التعليقات:(0) لا يوجد تعليق  إهداء لصديق طباعة التعليقات أضف للمفضلة

  قصة ، من : أحمد علي بادي  
من أجل الحصول على لقمة تسد الرمق، كان يدور في الخارج صراع شرس دامٍ! حقاً إن الجوع كافر وابن كلب يعض حتى الكلاب!

ولكني لم أهتم لذلك، فما كنت أقوم به كان هو الأهم في رأيي.

* * *

كنت غارقاً في تأملاتي الذاتية، وأمامي إفطاري -المكرر كل صباح- قد حضر: خبز (طاوة)* مع كوب من حليب بقرتنا العمياء التي تجعلني أحس دوماً أن لحليبها سراً باتعاً لا يوجد في حليب باقي البقر المبصرات.

أخذت رشفة من الحليب وتناولت قطعة صغيرة من الخبز واقتطعت أخرى، وألقيت بها من النافذة لتلك الكلاب المتجمعة قرب داري.

* * *

ويدور من جديد ذلك الصراع الشرس الدامي من أجل الحصول على لقمة تسد الرمق.

ولكني لم أهتم له، فما كنت أقوم به كان هو الأهم.

* * *

كنت قد أخذت بعدها دفتراً مليئاً بالأوراق الفارغة البيضاء المسطرة، ثم أكببت عليه، وذهبت أملأ فراغ الأوراق وأسود بياضها وأسطر فوق سطورها بحبر راعف، وما إن انتهيت حتى وجدت نفسي غير مقتنع تماماً بما كتبته، فقمت بتمزيق كل الأوراق التي قد كتبت عليها وكرمشتها، ورميتها من النافذة، حيث لا تزال الكلاب المتجمعة قرب داري، ويبدو أن الكلاب ظنت تلك الأوراق الممزقة المكرمشة شيئاً يؤكل فاندفعت نحوها.

* * *

ويعود ذلك الصراع الشرس الدامي..

ولكني لم أهتم له، فما كنت أقوم به كان هو الأهم.

* * *

كنت أحاول جاهداً كتابة قصة جديدة، قصة مختلفة عن كل القصص التي كتبتها من قبل.

وهذا ما جعلني أهرق الكثير من الحبر إلى أن جف ريق القلم، ولم يعد بمقدوره أن ينطق بحرف واحد، فلم أجد إلا أن ألقي به من النافذة، حيث الكلاب التي لا تزال متجمعة قرب داري، ويبدو أنها ظنت أيضاً القلم الذي صار عاجزاً عن النطق شيئاً يؤكل فاندفعت نحوه.

* * *

ومجدداً يدور ذلك الصراع الشرس..

ولكني لم أهتم له، فما كنت أقوم به كان هو الأهم.

* * *

كنت لا أزال أفكر وأمعن التفكير في هذه القصة التي أريد أن تجود بها قريحتي، فتناولت قلماً جديداً، وتنبهت إلى كوب الحليب الذي لم آخذ منه غير رشفة واحدة، فعدت أرتشف منه، وكأنه قهوة من النوع الفاخر، علني أزيد أكثر من جلاء بصيرتي. ولم يكذبني إحساسي ناحية ذلك الحليب، فمجرد أن انتهيت منه حتى وجدت الإلهام يحضرني، وتلمع الفكرة في ذهني؛ بعد إلقائي نظرة على تلك الكلاب التي ما زالت متجمعة قرب داري، والتي اشرأبت أعناقها نحوي متوقعة أني سألقي لها شيئاً جديداً.

وعدت أكب على الدفتر، وأغوص في الكتابة، كانت الكلمات تتدفق من القلم وتنساب على الأوراق دون توقف، حتى أنهيت صياغة القصة كاملة، وبدأت أشعر أن هذه هي القصة التي تستحق أن تتربع على عرش الطموح والتي طالما حلمت بها.

وأخذت أقرؤها وأعيد قراءتها، حتى داهمني بغتة ضيق شديد لم أملك فكاكاً منه، وتملكني شعور غريب يدفعني إلى عدم الاحتفاظ بها!

فما كان مني إلا انتزاع تلك الأوراق التي كتبت عليها ورميها من النافذة سليمة كما هي دون تمزيق أو كرمشة، ورحت أراقبها وهي تتأرجح في الهواء إلى أن حطت بين الكلاب التي ما تزال متجمعة قرب داري.

وكان غريباً أن الكلاب هذه المرة لم تندفع نحوها.

* * *

ولم يدُر ذلك الصراع الشرس، الذي كنت لأول مرة أرى نفسي مهتماً له، ولم أعد أرى ما كنت أقوم به مهماً.

وفجأة أحسست بتلك الكلاب تنهش أمعائي وأن ذلك الصراع أصبح يدور داخل بطني.

ورأيت الخبز لا يزال أمامي؛ لم أتناول منه غير لقمة تسد الرمق، فاندفعت نحوه وأخذت ألتهمه في حقد.

---------------------------------------------------

*خبز الطاوة: من أشهر أنواع الخبز في اليمن، يؤكل عادة في وجبة الإفطار.


نشرت في المجلة العربية
العدد (484) | جمادى الأولى 1438 هـ- فبراير 2017 م

w w w .    A    r    a    b    i    c    S    t    o    r    y    . n e t

جميع الحقوق محفوظة لشبكة القصة العربية 2001-2007