[ أهلاً بالضيف الكريم ] 
للتسجيل
أنت الزائر رقم

إحصائيات الموقع

الدول المشاركة
عدد الكتَّاب
عدد النصوص
عدد الكتب
عدد التعليقات
عدد القراءات
عدد التوقيعات
عدد المشتركين
كتَّاب في الانتظار
نصوص في الانتظار
 
أم إحسان  
التاريخ:  القراءات:(170) قراءة  التعليقات:(0) لا يوجد تعليق  إهداء لصديق طباعة التعليقات أضف للمفضلة

  قصة ، من : سمير الفيل  
أم إحسان

بقلم : سمير الفيل.

أم إحسان الجارة التي تسكن في الطابق الثاني من عمارة جدي الحاج توفيق كانت طيبة وشرسة . فهي حينما تغضب من زوجها ـ البائع السرّيح بالقماش وبيده المتر الخشب المحمي من الطرفين بقطعتي ألمونيوم ـ تزنقه في الركن ، وتلكمه بقبضة يدها التي تشبه قطعة العجين الخارجة من الفرن ، وهو يدافع عن نفسه باستماتة ، فلا تلتفت لصراخه بل تزداد توحشا ، خاصة عندما يقول لها : حرمت!

تنسحب خطوتين ، فيما هو يتفقد بطنه ووجهه وعنقه الذي خنق لدقائق ثم يرتمي على المقعد القطيفة الأزرق ، وهو يهددها : سوف أهرب ، وأتركك للذئاب تفترسك!

فتعود إليه وتزيده ضربا ، لا أحد فينا يتدخل ، فالجميع يعرف أنه سيعدل هندامه ويتفقد خسائره قبل أن يهبط الشارع كي يجري على رزقه ، يغيب طويلا ، يعود في المساء مهدودا من كثرة المشاوير ، فإذا بها تطبطب عليه ، تقبل رأسه ، وسرعان ما تدحلبه حتى حجرة النوم التي تفضي إلى خزنة فيها سريرهما المشجر بملاءة بمبي ، ومع طلوع الصبح ، ترقيه بالشبة و الفاسوخ ، وتقف له عند البسطة ، كي تشيعه بعبارة صارت محفوظة : مع السلامة يا جملي !

كانت أم إحسان ـ التي لم تنجب سوى ابنتها البكر إحسان ، والولد حسين الذي يعمل صبيا في ورشة نجارة بحارة المنشية ـ هي التي تقوم بتزويق فتيات الحارة ليلة الدخلة ، وتلقنهن ما يفعلن بعد انصراف فرقة المزيكا النحاسية ، وهي التي تكشف غطاء " حلة الاتفاق " الساخنة بعد سحبها من تحت السرير ، وحين ينصرف المدعوون والمدعوات تبقى قليلا مع الأم في الصالة ، تتلكأ عن عمد ، توشوشها في أذنها ، وتقرصها في فخذها ، وتكشف لها بعض الأسرار بالتدريج ، وتكون آخر من يغلق الباب قبل الانصراف .

هي الخبيرة بشئون نزع الشعر باستخدام " الحلاوة " وهي تقوم بعملها في إخلاص وأمانة ، فلا تبوح بأي نقص أو عيب خفي ، ربما فات على أهل العريس ، باختصار هي ستر وغطاء على العروس ، لذا كانت حصتها من النقود ـ بعد انتهاء مراسم الفرح ـ أكبر من أي أحد.

عبود ، الزوج المسكين كان له شارب يقف عليه الصقر ، وبجيب سترته علبة من الصاج بها سجائر " سمسون أشرف " ، وهو نزيه في لبسه ، سهل في البيع والشراء ، يسميه أهل حارتنا باسمه مجردا " عبود" ، وأحيانا تندس كلمة " الريس " لتحتل مكانها قبل الاسم على سبيل المداعبة.

أحبت إحسان ـ وكانت في دبلوم التجارة ـ فتحي بائع السبرتو والخل ، وكانت تمر عليه كل يومين ثلاثة لشراء الخل في زجاجة خضراء اللون ، قبل أن يعاير الزجاجة تتركه يمسك يديها ، فتضحك له ، وهو يشاغلها بنظرته ، ويحضر لها مجلات ملونة جاءت من بيروت . يضع يده على فتاة الغلاف ، ويشير إليها بمعنى أنها أجمل منها مائة مرة ، وهي تفهمه فتضج بالضحك ، تسحب يدها والمجلة وتمضي إلى بيتها والشوق يسكن قلبها الغض.

أولاد الحرام أفشوا سرها ، وهذه الحارة بالذات لا يبل في فمها فولة ، فلم تدر يوما إلا وأمها تتسحب خلفها ، فترى بعينيها ما يجري من شئون الغرام ، فتهبش في صدر الشاب وتمزق له قميصه الأبيض " السكروتة " ، فتتطاير الأزرار وتنفك العراوي ، ثم تسحب البنت من شعرها ، وتدخلها البيت ، تخلع شبشبها من رجليها وتوشك أن تضربها به .

في تلك اللحظة هب عبود من النوم أثر الجلبة التي حدثت ، وكان في فترة راحة بعد سعيه على قدميه بالساعات ، فاحتمت به الفتاة . وقعت اللطمات على وجهه ، ولما لم تكن هذه هي المرة الأولى في تلقي الضرب فقد تحمل ما يحدث ، وخلفه ظلت البنت تبكي ، وهي تقسم أنها لم تفعل شيئا بطالا.

فتحي يحبها ، وهي تميل إليه ، وحين يكمل مهرها سيصعد السلم مع أمه وخالاته ويطلبون يدها.

أصرت أم إحسان أن تقطع عيش الفتى من الحارة كلها ، ذهبت للمعلم عادل اللفات ، وأخبرته أن ابنتها في خطر ، وأن الشاب الماجن قد لاف على البنت وخسر لها عقلها ، فاستوجب الطرد.

ولكي تقطع عرقا وتسيح دمه ، ذهبت إلى دكان عبد الوهاب العسيلي تاجر الأقمشة ، وكان قد لمح لها بأنه يريد خطبتها لابنه سامي " الأنزوح " ، ذراعه الأيمن في المحل فطلبت منه مهلة للتفكير.

هي الآن في أمس الحاجة إليه قبل أن يقع الفأس في الرأس ، بعد حديث مقتضب عن حقوق الجيرة ، ونجدة الملهوف ، وكون الناس لبعضها البعض ، حددت يوما لزيارة التاجر وأسرته للبيت.

أوشك فتحي أن يجن ، فالمعلم قد وبخه ، وأفهمه أنه قد تجاوز حدوده ، صحيح أنه لم يطرده لكنه نبه عليه أن يمتنع عن استقبال البنت ، وأفهمه أن كل شيء قسمة ونصيب . يمكنه أن يختار فتاة بكماء مثله ، وسيكون التفاهم سهلا ميسرا ، وهو يعرف أكثر من فتاة تناسبه.

تعكرت الحياة في عيني فتحي وبقى شاخصا للفضاء ، ظل يعمل بهمته القديمة دون أن يصدر عنه صوت ، وكانت كلما مرت في الشارع من بعيد تلتفت كي تراه فيضع عيناه في الأرض ويتشاغل بتفريغ البراميل.

جاء يوم الزيارة في عصر يوم جمعة ، فدخلت أم إحسان بأطباق الفاكهة من كل نوع ، ومنها طبق عنب بناتي يحتضن البرقوق الأحمر المتورد ، وأحضرت حلوى غالية منها الجزرية باللوز في صحون صينية مذهبة ، أدخلت العروس التي جلست صامتة كأنها خرساء مثل فتحي.

يسألها المعلم عبدالوهاب العسيلي عن دراستها فتنظر إليه مليا ، ولا تنطق ، يضع العريس سامي جنيها ذهبيا للملكة فيكتوريا على الصينية الفضية فتضع عليه كوب الماء بإهمال بعد أن تشرب ، وأم إحسان تحاول أن تخفف الهواء الراكد بضحكها المصطنع لكن الفتاة لا ترد بسلام أو بكلام.

شرب الجميع الشربات إلاها ، فقد تركتهم بعد استئذان طياري ، وقفت في الشرفة لتلتمس نسمة هواء في حر أغسطس المميت ، سمع الجميع صوتا يعرفونه ، كان مثل الطقطقة. عرفوا أن فتحي يمر تحت البيت ، وأنها تلوح له .

مدت أم العريس يدها واستردت الجنيه الذهب ، وحين انفردت الأم بابنتها صرخت في وجهها : فضيحتنا ملأت الشارع.

رد الريس عبود : اتركيها تختار.

هجمت الزوجة على رجلها لتذيقه علقة ساخنة من التي تعود عليها فوجدت البنت تتصدى لها ، وهي لم تتراجع حيث أنشبت أظفارها في وجهها حتى دميت.

بكت الفتاة بلوعة ، وهي تجد أباها متأثرا بلطمات أمها القاسية ، فهي لم تمنع اللكمات أبدا ، وقررت شيئا.

في اليوم التالي ، ذهبت الأم لتجهيز عروس ستزف في المساء لعريسها ، غابت نصف يوم ، ولما عادت لم تجد ابنتها. صرخت ، ولفت الشوارع والمستشفيات وأقسام الشرطة بلا فائدة ، رجعت وهي تلطم خديها.

قالت للأب : هربت ، لأنك دللتها .

رد بهدوء لم تعتده : نالت حريتها.

نظرت نحوه في غل ، وباتت مسهدة ، أما هو فقد خرج ليجلس في المقهى يقهقه ، ويقول لرفاق المقهى من جموع الحشاشين : بنت أجدع من أبيها.

راحت الأم الملهوفة لدكان الخل والأسبرتو ، رجت الشاب ان يعيدها إليها إن كان قد أخفاها ، وستفكر في الموضوع بتؤدة . راح فتحي يدافع عن نفسه ، يصرخ بهمهمات لم تفهم منها شيئا. قال لها المعلم عادل : إنه لا يعرف مكانها. اتركيه لحاله.

في سابع يوم من اختفاء إحسان رجع شقيقها حسين الذي يعمل صبيا في محل نجارة " الأمانة المحمدية " بورقة مطوية. دسها في يد أمه ووقف ينتظر.

قرأتها الأم ورقعت بالصوت الحياني : ابنتي راحت.

لما جاء الأب استمع لزوجته : ابنتك .. سوف تنتحر. أو تتزوج الأخرس.

هز الأب رأسه وقال بمنتهى الفظاظة : نتركها تنتحر.

هبت الزوجة من مكانها منشبة أظفارها في عنق عبود ، ما كادت تلطمه حتى لطمها ، شدت شعره فشد شعرها ، وزاد بأن جذب خصلة رمادية من شعرها المتموج ، رماها على الأرض. ركلته في بطنه وبدلا من أن يتراجع كما تعودت منه ارتمى عليها يخنقها. صرخت وهي تحته : أتركني يا مجنون.

لا يعرف عبود سر هذه القوة التي دبت في جسده ، وهو سارع يضربها بكف يده ،حتى عندما رأى الدم يسيل من أنفها لم يتوقف إلا بعد أن أفرغ فيها غله ، جامعا القديم والجديد .

استنجدت بالجيران ، ولكن حارتنا مؤدبة ، لا تتدخل فيما لا يعنيها ، فقد تركت الأمور لتحل داخليا.

كانت المرة الوحيدة التي شاهد الرجل زوجته تنتحب ، فهي لم تفعلها من قبل . قالت وهي تختنق بالبكاء : تتزوج زفت ، هي حرة.

كتب عبود الأب جملة في ظهر الورقة وأرسل بها ابنه صبي النجار . اختفى ساعة ، عاد بشروط جديدة : تجهز أمي حجرة نوم وحجرة سفرة وحجرة صالون ، وفتحي سيقدم مهرا مناسبا .

لطمت أم إحسان خديها : موت وخراب ديار.

قال عبود وهو يضع رجلا على رجل : حجرة النوم بالمفروشات من نصيبي.

قالت الزوجة وهي في أشد حالات العصبية والهياج : جاءت له زبدية على فطيرة.

بعد انتهاء الاتفاق ، جاءت إحسان وفي ذراعها الفتى الذي أحبته ، ومن خلفه المأذون.

اتجهت أمها نحوها تتلمس جسدها : سليمة يا بنتي؟

ضحكت البنت : طبعا.

نظرت حولها في استفسار غامض : كنت فين يا مجرمة؟

قالت دون أن تخفي تشفيها : كنت في بيت زوجة أبي.

لم تستوعب الكلام ، أخفت وجهها في قماش بلوزتها : زوجة ثانية لعبود.

ردت البنت بمنتهى البرود : نعم ، بين بيتنا وبيتها ثلاثة شوارع.

دبت أم إحسان يدها في صدرها ، واستعدت للعراك من جديد ، لكنها حسبتها بغاية السرعة : إحسان وعبود وفتحي في جانب ، وهي في جانب آخر.

توقفت ، ثم ما لبثت أن عاودتها ثورة لا قبل لأحد باحتمالها ، ورغم معرفتها بالخسائر المتوقعة فقد هجمت على ثلاثتهم ، وأطاحت بكل من وقف في طريقها ، وبعد أن انهد حيلها همدت فوق مقعد بالصالة .

حاصرتها الزغاريد من كل جانب. فدخلت حجرتها وأغلقتها بالترباس ، بعد نصف ساعة بالتمام والكمال رأوها تتحرك ، كي تترك الباب مواربا.

مدينة دمياط

14 /2/ 2017.

w w w .    A    r    a    b    i    c    S    t    o    r    y    . n e t

جميع الحقوق محفوظة لشبكة القصة العربية 2001-2007