[ أهلاً بالضيف الكريم ] 
للتسجيل
أنت الزائر رقم

إحصائيات الموقع

الدول المشاركة
عدد الكتَّاب
عدد النصوص
عدد الكتب
عدد التعليقات
عدد القراءات
عدد التوقيعات
عدد المشتركين
كتَّاب في الانتظار
نصوص في الانتظار
 
معاناة معاناة
التاريخ:الجمعة 31 مارس 2017  القراءات:(160) قراءة  التعليقات:(0) لا يوجد تعليق  إهداء لصديق طباعة التعليقات أضف للمفضلة

  قصة ، من : المصطفى سالمي  
انطلقت الزغاريد في بيت (كبور) الذي رُزِقَ بمولوده الأول، كانت فرحة (رقية) لا تقل عن فرحة زوجها، إنها ابنة خالته التي شاركته حياة الفقر والبؤس، وها هما ينعمان بمولود ينتظران أن يدخل الفرحة على بيت يفتقد لكل مقومات الحياة الحقيقية، فالأسقف خشبية، والجدران متشققة، يتكون هذا المسكن من غرفتين ومطبخ صغير وحمام وفناء غير مبلط وبلا سقف، كله أتربة وحفر تتحول إلى ما يشبه بركة ماء شتاء، ومأوى لحشرات صغيرة صيفا. كان يُتوَقّع لهذا المولود أن يكون بلسما لجراح الزمن بالنسبة لأب يمتهن مهنة يسميها هو: "على باب الله"، والحقيقة أن (كبورا) كان يمتهن مهنا عديدة، ولا يستقر على واحدة منها، ولكن المولود أصبح عنصرا منغصا على الأبوين مع مرور الشهور والسنوات، لقد تأخر نموه الطبيعي، ولم يستطع المشي كما يفعل الصغار بعد مرحلة الزحف على الأطراف، لقد أصبحت عيناه زائغتين، وتضخم حجم رأسه، وردد الناس أنه يعاني إعاقة خلقية، وتأكد الأبوان من هذا الأمر بعد شكوك أولية واعتقاد بأن مسًّا شيطانيا ـ أو ما أشبه ذلك ـ ألمّ بالطفل، ولم ينفع أي علاج في تغيير ما سطرته الأقدار، إنه زواج الأقارب يفعل فعله في غفلة عن الناس، وقرر الأبوان تقبل القدر والتماس مولود جديد ينسيهما مرارة الواقع الأليم، ولكن مولودا ثانيا وثالثا كرسا نفس اللعنة الإلهية، وهنا توجهت الأم المقهورة المنكسرة إلى الأضرحة والأولياء الصالحين، وتناولت الوصفات الغريبة العجيبة، وجاء حمل آخر ولم يتغير الحال، ثم تغيرت بوصلة الأبوين فالتمسا البركة على أيدي الفقهاء ورجال الدين، فربما الأحياء يقدرون على ما عجز عنه الأموات، وتوالت ولادات أخرى، فأصبح العدد سبعة بالكمال والتمام، فقط مولودان سلما من العلة بفعل كرم رباني.

بدأت المخلوقات العجيبة الغريبة تدب في ساحة المنزل المتربة صيفا، الموحلة شتاء، كانوا يصدرون أصواتا حادة مثل أصوات الخفافيش في طيرانها الليلي، وكانوا يقفزون كما الجنادب أو الضفادع، منظرهم يثير الشفقة والرهبة، لكن (كبورا) و(رقية) قررا أن لا يتخليا عن المواليد أصحاب التشوهات مهما كبر البلاء، ومهما صعبت المهمة وبدتْ أقرب إلى الاستحالة، ولن يدفعا بهم نحو دور إيواء أو علاج أو ترويض كما طالب البعض، فلتكن مشيئة الله أولا وأخيرا.

كان الناس يتحدثون عن قصة أبناء (كبور) كأنما يتحدثون عن مخلوقات من كواكب بعيدة، فبدأ كثير من أهل البلدة يأتون بدافع الفضول لرؤية هذه المواليد، كانوا أحيانا يتسلقون الجدار ويطلون على الفناء المكشوف، وقد أثار ترددهم وفضولهم انزعاج الأبوين والجيران، ولكن مع مرور الوقت سلّم الجميع بالأمر الواقع، وجاءت وفود من الإعلاميين والمتضامنين الذين قرأوا قصة هذه الأسرة المنكوبة من وسائل التواصل الاجتماعي، وتلقى الأبوان مساعدات عينية ونقدية، ولكنها كانت بمثابة نقطة في بحر المعاناة النفسية والمادية للأبوين، كانت (رقية) تشرف على الأبناء مخافة أن يلحقوا الضرر ببعضهم، وكانت تغير ملابسهم وتنظفها حين يبللوها حتى وإن بلغوا سنا يُفترض معها أنهم قطعوا مع مراحل التنظيف الداخلي، لكنهم للأسف لن يصلوا لرشدهم أبدا. أما (كبور) فقد بدأ ـ على غير عادته ـ يسهر إلى وقت متأخر يفكر في هذا العبء الثقيل، لقد كانت معاناة الأبوين أكبر وأشد، فالأبناء مغيبون لا يدرون من أمرهم شيئا، مصيرهم بيد الألطاف الإلهية، بدأ الرجل يلعن ـ في قرارة نفسه ـ واقعه المر، لكنْ ما يلبث أن يعود إلى جادة الصواب معتبرا أن القدر خيره وشره ابتلاء من الله، حينها يلوذ (كبور) بالصبر يجد فيه طوق راحة مؤقتة، فربما تكون هناك حكمة إلهية وبشائر خفية وراء ما يظهر شرا، هكذا كان يبرر الرجل الأمور وهو يسمع كثيرا من الناس يتحدثون عن زواج الأقارب ووجوب إجراء تحليلات طبية عن الزوجين المقبلين على هذا الارتباط، لم يكن (كبور) يفقه في هذه الأمور قليلا أو كثيرا وهو الذي لم يذهب في حياته للمدرسة شأن (رقية)، لقد تزوجا عن طريق (الفاتحة) و(الشهود)، كان زواجا تقليديا بامتياز، إنهم في بلدته نادرا ما يخرجون عن نطاق الدائرة الضيقة، فهم يتحدثون عن رابطة الزواج كأنه مزيج للدقيق بالزيت، وأنه مرادف للميراث، رغم أنهم في بلدتهم لا يتوارثون إلا الفقر والبؤس، مع خليط من الجينات قد يفرز مخلوقات هجينة.

تمر السنون ويكبر الأولاد، ولكنهم يستمرون على حالة التشوه الخلقي التي تزداد استفحالا، وتلفظ الجدران المغلقة مكنونها من الكائنات العجيبة إلى الشارع، فتتلقفهم الأزقة والدروب ككائنات متسولة متشردة، مما زاد المدينة البئيسة قتامة وتجهما في زمن لغته قساوة القلوب وأنانية الجيوب!

w w w .    A    r    a    b    i    c    S    t    o    r    y    . n e t

جميع الحقوق محفوظة لشبكة القصة العربية 2001-2007