[ أهلاً بالضيف الكريم ] 
للتسجيل
أنت الزائر رقم

إحصائيات الموقع

الدول المشاركة
عدد الكتَّاب
عدد النصوص
عدد الكتب
عدد التعليقات
عدد القراءات
عدد التوقيعات
عدد المشتركين
كتَّاب في الانتظار
نصوص في الانتظار
 
الجسر 
التاريخ:  القراءات:(612) قراءة  التعليقات:(2) تعليقان  إهداء لصديق طباعة التعليقات أضف للمفضلة

  قصة ، من : ناصر الجاسم  
* * *

في البدء : بين كل اثنين يمتد جسر وهمي ، تنقل العيون عبره ما لا يقال .

* * *

يقظى ونائمة في المقعد الخلفي ، وكفها البيضاء المطلة من النافذة المرسلة عطرها إلى أنوف المارة تشع بكف أخرى فوقها مصنوعة من ذهب ، والعروق الخضراء الممتدة تحت جلدها تحكي بالدلال ، وغلالة الوجه الحريرية السوداء الرقيقة تشف عن عينين وحشيتين تجرحان بحركة الرموش حال إغماض الجفنين الأبيضين وحال فتحهما ، ومكان السائق مسكون بالانتظار الممل ، وأنا خارج من المكتبة أحمل الكتب ، والتعب ، والمرض ، وأشياء أخرى لا تقال ، وكفي مجهدة ، وآثمة ، وعروقي تنطق بالخلل ، ودركات السلم الحجرية التي أهبطها ، والرصيف العاري من العشب والأشجار يفصلان بين كفي وكفها ، ووجهي المنسوخ من وجه أبي لا يكف عن فضيحتي ، وعيناي جسر ينقل إليها كل ما في نفسي .

لم أدرك أن لعينيّ كل هذه القدرة الهائلة على النقل إلا حين حاذاني أحد رواد المكتبة ، وهو يرقى درجات السلم آخذًا طريقه إلى بابها ، ونهرني : اخجل ، لقد أكلتها بعيونك ،

حين سمعت نهرته أسقط في يدي ، وتدحرجت الكتب على فخذي ، فالتفتْ نحوي فاتحة عينيها ، ووسوس الذهب في كفها التي انسحبت قليلاً عن مكانها فوق باب السيارة المطلي باللون الأبيض .

صاخب ذلك الشارع بحركة المارة ، وأصوات الباعة ، والسيارات ، وشهي بها ، وبرائحة الشاورما ، والكباب المشوي على الفحم ، ومساء الهفوف يوقظ خلايا ميتة في جسدي ، ويشطرها من جديد .

جلست على إحدى الدركات تاركا جمع كتبي لأجمع أشياء حميمية فرت مني ، جل الرواد والمارة ينظرون إليّ ولا يسألون ، فموسم الامتحانات قد ابتدأ ، جميل أن تمارس الكلام مع إمرأة بعينيك ، وأن يلزم الصمت لسانك الجبان ، لتقل عيناك لها ما لا يقال ، كانت هذه القناعة الجبانة خلاصة جمعي للأشياء الحميمة التي فرت مني ، أو سرقت في مساءات الهفوف في زمن كنت فيه أشعل أشياء مبهجة غير السجائر ، والحطب اليابس ، والصور ، والمشاعر السوداء ...

حين اتصل الجسر بين عيني وعينيها ، خرج من قاع نفسي هذا الكلام : هذا الذي ترينه قاتل في الحرب من غير تدريب ، وأكمل دراسته بدون إمرأة ، وحورب في عقله ، وشكك في عقيدته ، وأشيع حوله حكايات كثيرة ، وانهارت مبادئه ، وسكنت جسده أمراض عديدة ، وسُحِر مرتان، وتعرض للموت مرات كثيرة ، ونجا من حوادث سير ، وحوادث غرق ، وحوادث حرق ، وخُدِع في أبناء عمومته ، وشُتِم كثيرًا في غيابه .

لم تحتمل ما كان يمشي من قاع نفسي إلى قاع نفسها ، فقطعت الجسر بإغماض جفنيها ، وعادت إلى حالتها الأولى بين النوم واليقظة ،

ثويت مكاني على الدركة ، وحولي الكتب مبعثرة أرجو الجسر أن يتصل ثانية ، فلا زال قاع نفسي يحوي الكثير ، ولا زالت عيناي قادرتين على توصيل الكلام ،.

شيء ما دعاها فالتفت إليّ فاتحة جفنيها ، كاشفة وجهها بكفها ، فوسوس الذهب ثانية في يدها ، وأقامت الجسر قويًا بين عيني وعينيها ، ثانية واحدة وشلت عيناها قدرة عيني على نقل الكلام ، كان قاع نفسها مكتظًا ، ومدخرًا أشياء لا تباح ، وكان ما فيه يمشي إلى قاع نفسي منتقلًا عبر الجسر ، وقد خرج منه هذا الكلام : هذه التي تراها فقدت أعز ما تملكه ، وقطعت الجسر فجاءة بإغماض جفنيها ، وإعادة الغلالة الحريرية الرقيقة السوداء على وجهها بكفها ، ووسوس الذهب مرة ثالثة في يدها ، فالتفت لأعرف السبب ، فإذا بالرجل الذي نهرني وهو يصعد درجات السلم يحاذيني ثانية وهو ينزل دركاته ، وينهرني نهرة أغلظ من الأولى : استح ، والله لو أنها ذبيحة لانتهت بين أسنانك .

حين سمعتْ نهرته لي ، نزلتْ من سيارتها ، وانكشفتْ ربلة ساقها البيضاء ، حينذاك شعرت أن لساني الجبان نطق ، وقال : تعالي نجمع الكتب .

العيون 19/7/1995 م

w w w .    A    r    a    b    i    c    S    t    o    r    y    . n e t

جميع الحقوق محفوظة لشبكة القصة العربية 2001-2007