[ أهلاً بالضيف الكريم ] 
للتسجيل
أنت الزائر رقم

إحصائيات الموقع

الدول المشاركة
عدد الكتَّاب
عدد النصوص
عدد الكتب
عدد التعليقات
عدد القراءات
عدد التوقيعات
عدد المشتركين
كتَّاب في الانتظار
نصوص في الانتظار
 
صانع العداوات صانع العداوات
التاريخ:  القراءات:(108) قراءة  التعليقات:(0) لا يوجد تعليق  إهداء لصديق طباعة التعليقات أضف للمفضلة

  قصة ، من : المصطفى سالمي  
التحق المدير الجديد السيد (الزهر) بمؤسسة (الحمامة) التي استقبلته في بداية موسم جديد، كانت الأخيرة بمثابة إعدادية أشبه بالابتدائية، تتواجد ببلدة صغيرة تسمى (العجيلات)، ولولا توفر الكهرباء وأنابيب الماء لعُدّ هذا المكان عالما قرويا بامتياز، فالحقول متمددة من كل ناحية، والبهائم ترتع سعيدة رغم أن الأرض لم تعد بها في هذه الفترة من السنة إلا حشائش يابسة هنا وهناك، المدرسون هنا يتنقلون يوميا من المركز الحضري البعيد بنحو عشرين كيلومترا. كان السيد (الزهر) قد دُفِع نحو العمل الإداري دفعا، فقد تناهى إلى أسماع الجميع أنه فشل في مهمة التدريس فشلا ذريعا داخل المجال الحضري الذي اشتغل به بفعل سوء التواصل لديه مع المحيطين به، وقد أصبح حارسا عاما قبل أن يمسك برأس الإدارة بأن أصبح مديرا، وها هو يغادر شغب المدن إلى هدوء القرية أو شبيهتها، ولكن بداية علاقته بالمدرسين هنا لم تكن تبشر بالخير، ذلك أنه في اليوم الأول يسلك مع الأساتذة سلوكا متعاليا حين لم يبدأ بالتحية، طالبهم في تصرف غريب بضرورة الالتحاق بفصول التدريس، هذا في وقت كان التلاميذ فيه لم يتم تسجيلهم بعد في لوائح الأقسام. كانت كلماته الأولى نحو تجمع المدرسين ـ الذين يقضون العام الدراسي متنقلين نحو مقر عملهم عبر حافلة (الفهد) أو سيارات أجرة كبيرة ـ بمثابة إعلان حرب عليهم، كانوا في هذا اليوم المشهود قد حلوا باكرا قبل قدوم المدير نفسه وقبل مجيء الحارسين العامين، جلسوا تحت شجرة التوت يتبادلون أطراف الحديث بمناسبة اللقاء بعد عطلة الصيف الطويلة، بينما استرجع بعضهم ذكريات مع المدير السابق وحسناته، كانوا جميعا يقدرون السيد (كريم) الذي كان يستقبلهم بترحاب داخل مكتبه، ويدعوهم لتناول الشاي وأكل الحلوى كلما سنحت فرصة لذلك، أو كانت هناك زيارة لمشرف تربوي أو درس كفاءة.. كان مكتب المدير السابق ملتقى المدرسين والإداريين، فيه أجواء حميمية تكسر كثيرا من الحواجز والشكليات، إلى أن حل وجه جديد متقمصا قناع التعالي والصلف وكانت أولى كلماته:

ـ هيا توجهوا نحو أقسامكم أيها الأساتذة!

وقتها احتج عليه الأستاذ (نبيل) ودعاه لاستدعاء التلاميذ أولا من بيوتهم، إنه ينبغي أن يعرف أنهم هنا للتدريس ولا لشيء آخر، تدخل السيد الحاس العام (حكيم) وهدأ الخواطر.

تمر أسابيع لا تخلو من مشاحنات مع المدير الجديد، ذلك أن السيد (الزهر) أراد أن يحرم الحارس الليلي (مولود) من السكن الإداري بدعوى أنه غالبا ما يذهب لسكنه الأساسي بأحد الدواوير، تاركا مهمته لكلبين يقومان بالحراسة نيابة عنه، والحقيقة أن السيد (مولود) كان يقوم بمهام عديدة أقلها الإشراف على فتح باب المؤسسة وإغلاقه أوقات الدخول والخروج، وقرع الجرس على رأس كل ساعة، مع القيام بأعمال البستنة والمرور بالمذكرات على الأساتذة في أقسامهم، وتنظيف حجرات الدراسة ودورات المياه. لكن السيد (الزهر) كبرت في رأسه فكرة مراسلة الجهات النيابية لحرمان الحارس الليلي من سكناه، وهو ما لم يسبق لأي مدير سابق أن تجرأ على فعله في مؤسسة (الحمامة)، إنها عداوة أخرى تنضاف للسيد (الزهر).

كان تلاميذ القسم الداخلي يتناولون وجبتين في اليوم، هما الغداء والعشاء، عدا السبت حيث يكتفون بوجبة الغداء فقط، والأحد حيث يغلق المطعم أبوابه، لكن السيد (الزهر) بدأ يحث التلاميذ والتلميذات على التوجه لقراهم مباشرة مع منتصف نهار السبت وإخلاء الداخلية بدعوى تنظيفها. فَهِمَ المدرسون حينها أن المدير الجديد يمارس شططا في استعمال السلطة، فبدأوا بمراسلة الجهات المعنية، وخاصة حين تم كشف علاقة خفية بين الجزار الذي يمون القسم الداخلي للمؤسسة، والسيد (الزهر) الذي كان يتلقى منه لفافات اللحم الطري باستمرار، فضلا عن أكياس من الفاكهة المختلسة من أفواه فقيرة جائعة من أبناء قرية (العجيلات)، ها هي عداوة ثالثة تنضاف لما سبق.

تمر الأسابيع ويتم إحداث ما سمي بمجالس التدبير في كل المؤسسات التعليمية بربوع البلاد، وكان يفترض أن تتلقى كل واحدة دعما ماليا حكوميا من أجل تطوير وتحسين الفضاء التدريسي، ولأجل تفعيل مجلس التدبير بمؤسسة (الحمامة) الإعدادية، كان لابد من إعداد عناصر المجلس مجموعة وثائق إدارية، وفعلا تمّ ذلك وتلقت المؤسسة المنحة المنتظرة، كان الجميع يعول على ذلك المبلغ لتجميل فضاء المؤسسة، خاصة بعد أن تآكل الطلاء ولحق العطب بمعظم صنابير المياه، واقتلعت عديد من مفاتيح الكهرباء، وظهرت كثير من الشقوق بجدران الأقسام.. لكن السيد (الزهر) توجس من إنفاق أي مبلغ لإعادة الحياة والروح لفضاء المؤسسة مخافة المساءلة، مكتفيا بشراء آلة نسخ لصالح الإدارة. وتساءل المدرسون بحسرة وحنق:

ـ ما جدوى أن قمنا بتفعيل هذا المجلس وإعداد كثير من الوثائق على نفقتنا الشخصية إذا لم تستفد مؤسستنا من هذه المنحة المالية؟!

وحين يمر الحول على تلقي المبلغ المذكور ولا يتم إنفاقه، يتم حينها استرجاعه من المركز، وها هي جدران المؤسسة وفضاؤها تنضاف إلى لائحة الأعداء المفترضين للسيد (الزهر) كما ردد بعض المرحين من طاقم المؤسسة، لكن السيد المدير الجديد لم يخف من المساءلة حين اقتطع مبالغ نقدية لكل مدرس عن واجب تصحيح أوراق الامتحان الموحد الجهوي بدعوى أنه تنقل إلى المصالح النيابية بسيارته وجاءهم بهذا الواجب، مع أنه لم يطلب منه أحد هذه الخدمة المؤدى عنها!

لم يكن السيد (الزهر) يتردد في معاقبة أي تلميذ تمتد يده نحو ثمار أشجار المؤسسة من رمان وتفاح وغيرها، مع أنه غير مقيم بالسكن الوظيفي المخصص له بين جدرانها، وكم مرة عاقب تلميذا بالحرمان من حقه الدراسي من يومين إلى أسبوع كعقاب تأديبي على امتداد يده لأشجار مؤسسة (الحمامة).

أصبح السيد (الزهر) مع مرور الوقت يُنظر إليه على أنه عنصر نحس وشؤم على المؤسسة، وأنه غراب البين وبوم الخراب والشقاء، وخاصة بعد أن رفض تسليم مفاتيح السكن الوظيفي لبعض الأساتذة الجدد الراغبين في الاستقرار بها، خاصة وأن المؤسسة تتوفر على ثلاث دور مغلقة تعشش فيها العناكب والخنافس وما يجري مجراها، ولكن ما العمل والسيد (الزهر) لا يسمح لأحد باستغلالها ويفرض على المدرسين الجدد الذين لا التزامات أسرية لهم بأن يستمروا في التنقل اليومي الذي يستنزف طاقتهم ويستنزف جيوبهم.

وفجأة بدأت بعض الجرائد الوطنية تكتب عن مؤسسة إعدادية اسمها (الحمامة) في قلب بلدة (العجيلات)، فلا يكاد يمر أسبوع أو أسبوعان حتى يظهر مقال عن أوضاع التهميش والبؤس بهذه المؤسسة، هكذا ضاق المسؤولون ـ بالمصالح النيابية ـ ذرعا بالسيد (الزهر)، ووجد نفسه محاطا بسياج من الكراهية لا قبل له بها، فأجبر على طلب الانتقال بعيدا عن (العجيلات) ومؤسسة الحمامة، بعيدا عن الناس الطيبين الأخيار، وردد السيد (نبيل):

ـ الحمد لله أن انزاحت الغمة. كان بإمكان السيد (الزهر) أن يَسعدَ هنا ويُسعِدَ مَن حوله، ولكنه أبى إلا أن يجعل من نفسه اسما على غير مسمى!

هكذا رحل السيد (الزهر) وبقي (مولود) في سكنه الإداري البسيط الذي أراد المدير المتسلط أن يسلبه حقه في السكن به، وردد الحارس البسيط:

ـ الحمد لله الذي جعلنا نجرب الرجل الطيب السيد (كريم)، وأن نجرب من هو دونه، ولولا هذا ما عرفنا مقدار الطيبين الأخيار.

بينما تمتم الأستاذ (نبيل):

ـ لله الأمر من قبل ومن بعد، فسبحان من بيده ملكوت كل شيء، يقلب الأمر بين الليل والنهار، وهو خير الوارثين!

w w w .    A    r    a    b    i    c    S    t    o    r    y    . n e t

جميع الحقوق محفوظة لشبكة القصة العربية 2001-2007