[ أهلاً بالضيف الكريم ] 
للتسجيل
أنت الزائر رقم

إحصائيات الموقع

الدول المشاركة
عدد الكتَّاب
عدد النصوص
عدد الكتب
عدد التعليقات
عدد القراءات
عدد التوقيعات
عدد المشتركين
كتَّاب في الانتظار
نصوص في الانتظار
 
سوء الظن القاتل سوء الظن القاتل
التاريخ:  القراءات:(169) قراءة  التعليقات:(0) لا يوجد تعليق  إهداء لصديق طباعة التعليقات أضف للمفضلة

  قصة ، من : المصطفى سالمي  
انطلق (سلام) حاملا وصفة الطبيب الخاصة بابنه المريض، وتوجه نحو الصيدلية المركزية، تسلّم علبا مختلفة ثم نقد العاملة وهمّ بالانصراف، لكنه وجد قبالته عجوزا تستعطفه لمساعدتها في شراء دواء لمرض القلب، كان يبدو عليها التأثر وتوشك على ذرف الدموع، طلب منها اسم الدواء فسلمته ورقة طبية متقادمة ممزقة الحواشي، نادى (سلام) على العاملة وسلمها الورقة الممزقة، ناولته علبة صغيرة وسدد الواجب ثم انصرف تاركا العجوز تتمتم بعبارات الدعاء الصالح، شعر بالرضى عن نفسه، لقد جرب الإحساس بالمرض، وعانى في ماضيه كثيرا من الظروف المادية الصعبة في آخر الشهر حين كان يمرض هو أو يمرض واحد من المحيطين به ولا يجد المال الكافي للتداوي.

توجه صوب بيته يجر الخطى، وجد ابنه المريض نائما، وبدأ بإخراج الأدوية من الكيس البلاستيكي، لكنه لم يجد وصفة الطبيب، تحسس جيوبه دون جدوى، تأكد أنه نسيها حين انشغل في مساعدة المرأة العجوز، طلب من ابنه الأكبر أن يتوجه بسرعة نحو الصيدلية المركزية ويسأل العاملة عن وصفة طبية مكتوب عليها اسم أخيه المريض، فهو ـ أي الأب ـ سيحتاجها لضبط المقادير التي سجّلها الطبيب على الوصفة، وأيضا لاسترجاع نسبة من التعويضات المادية عن المرض من التعاضدية، لقد كانت أدراج السلم قد أتعبته أثناء الصعود، لذلك استلقى على الأريكة حتى يسترد أنفاسه..

تأخر الابن في العودة، ولكنه ما يلبث أن يعود أخيرا حاملا الوصفة، وهو ما جعل الأب يحجم عن لوم ابنه، فهو المسؤول عن نسيانها هناك، وحين سأله عن سر تأخره مع أن الصيدلية قريبة للبيت، ردّ عليه بأنه وجد الناس متحلقين هناك، وأحدهم يوبخ امرأة عجوزا تحتال على الناس، فتساءل الأب باستغراب:

ـ كيف ذلك يا بني..؟

ـ تدّعي أنها مريضة، وأنها لا تجد المال الكافي لشراء الدواء، وحين يساعدها بعضهم، تعيد بيع الدواء لنفس الصيدلية بعد أن تخصم العاملة مبلغا معينا لنفسها.

ـ ومَن أدراك بكل هذا؟

ـ الناس المتحلقون حول الصيدلية، و تقريع الرجل الذي اكتشف التحايل لدى كل من العاملة والمرأة العجوز!

ـ للأسف يا ولدي، فاحتيال هاتين ـ ونحن لا ندري ظروفهما ـ مثل ادعاء ذاك الشاب الغرق للسخرية بالآخرين، وحين كاد يغرق حقيقة، لم يجد من يصدقه وينجده.

ـ أنانية البعض يا أبي تجعلهم لا يهتمون بمسألة الثقة التي تتحدث عنها.

ـ حين تنعدم الثقة بين الناس، وقتها لن يجد المحتاج الحقيقي من يساعده حين يشيع مثل هذا المكر اللعين.

ـ كان لابد للرجل من كشف هذا المكر الخبيث حتى لا يستمر ويستفحل، وحبذا لو أنه استدعى الشرطة، ولكنه للأسف لم يفعل.

ـ ينبغي أن نجد العذر للمخطئ دائما يا ولدي، فربما العجوز تخلى عنها أبناؤها، وظروف العاملة المادية صعبة للغاية، مع أني لا أبرر خطأهما.

ـ لا ينبغي التصدق إلا لمن تُعرف عنه الحاجة والعوز.

ـ وهل يتوجب يا بني أن يقوم المحسن بكشف بيانات كل محتاج، إننا نتعامل بالظاهر ونترك لله السرائر، والمرء يتصدق ابتغاء مرضاة وجه الله، لا من أجل الأشخاص.

ـ لكني لا أقبل أن يستغلني أمثال هؤلاء يا أبي!

ـ من يدعي المرض أو الفقر، يبتليه الله بمثل ما ادعاه، وأما عنصر الثقة فلا ينبغي أن نفتقده بيننا نحن معاشر الناس، ماذا عنك لو أنك ـ على سبيل الافتراض ـ فقدت ثقتك في المجتمع بأسره؟!

ـ بالنسبة لي سأقاطع الناس جميعا وقتها..

ـ وماذا بعد؟!

ـ وربما أكرههم!

ـ وقد تمكر بهم أنت أيضا، وبمجرد أن تتآمر تصبح خبيثا بدورك وتفقد ذاتك.

وهنا لا حظ الأب أن ابنه المريض بدأ يتقلب في فراشه، فتوجه إلى سريره، وتحسس رأسه بيده لعله يكون قد تخفف قليلا من الحمى، وعادت به الذاكرة إلى زمن مضى حين كان يدرس بالجامعة، ولا تسعفه المنحة الهزيلة، وكيف كان السيد (محفوظ) صاحب دكان البقالة يتعامل معه بأسلوب الدَّيْن ويقدم له المواد الغذائية ويمهله لأسابيع طويلة فقط لأنه يثق به، وكيف أنه في كثير من الأحيان لم يكن يجد ثمن التنقل لمدينته عبر الحافلة، فيتوجه نحو الطريق المؤدية لبلدته، ويبدأ يشير بيده للسيارات، ولم يكن بعضهم يتردد في إيصاله لوجهته، فينعم بالعيد مع أسرته، ولم يكن هؤلاء السائقون يغلبون الشكوك السوداء، أو سوء الظنون.

أيقظ الوالد ابنه المريض برفق ورددت أعماقه:

ـ اللهم ارزقنا القناعة والرضى، وادفع عنا البلاء و سوء الظن منا أو علينا، فأمراض البدن علاجها قريب وفي المتناول، بينما علل المجتمع علاجها قد يمتنع على كل من يحاول..!

w w w .    A    r    a    b    i    c    S    t    o    r    y    . n e t

جميع الحقوق محفوظة لشبكة القصة العربية 2001-2007