[ أهلاً بالضيف الكريم ] 
للتسجيل
أنت الزائر رقم

إحصائيات الموقع

الدول المشاركة
عدد الكتَّاب
عدد النصوص
عدد الكتب
عدد التعليقات
عدد القراءات
عدد التوقيعات
عدد المشتركين
كتَّاب في الانتظار
نصوص في الانتظار
 
NY 743 NY 743
التاريخ:  القراءات:(576) قراءة  التعليقات:(1) تعليق واحد  إهداء لصديق طباعة التعليقات أضف للمفضلة

  قصة ، من : شيماء الوطني  
طِوالَ رحلتي التي استغرقتْ ثلاثَ ساعاتٍ بالطائرة ، ظلتْ يدي تستشعرُ اليدَ القويةَ لمديرِ الشركة، وهو يهزُها مصافحاً وقد ركزَ عينيه داخلَ عينيَ مؤكداً على أهميةِ أن لا يغيبَ الطردُ الذي أحملهُ عن ناظري .

ولم يتوقفْ سيلُ أسئلتي عن ذلك الطردِ ايضاً ، ما الذي يحويه ؟ لماذا يَخْشَونَ ضَياعَه ؟ ما سببُ حِرصِهم على أن يَحمِلهُ شخصٌ ما بدلاً من أن يُرسلَ بالبريد كما هي الحالُ دائماً ؟

والأهمُ من كلِ ذلك، لماذا وقعَ اختيارُهُم عليّ لأكونَ حاملَه ؟

زهوٌ خفيٌ بدأ يتسللُ إلى نفسي حين بدأتُ أخمنُ أسبابَ اختيارهِم لي لأنالَ شرفَ إيصالِ هذا الطردِ الهام !

صَعَدتْ سيارةَ الأجرةِ من المطار ،متجهاً نحو المدينة، وقررت وضعَ الطردِ بكلِ حنان على قدمي .

هي المرةُ الأولى التي أزورُ فيها مثلَ هذه المدينةِ الشاسعة . ولولا المَهمَة التي كلفني بها المدير لما وَطَئَتْ قدماي خارجَ حدودِ مدينتي الصغيرة .

بين لحظةٍ وأخرى أستَرِقُ النظرَ من نافذةِ السيارة، أتأملُ سماءَ المدينة، وقد تعانقتْ في فضائِها العِماراتُ الشاهقة ، لكني بين الفينةِ و الأخرى كنتُ أجفلُ وأعودُ لأصوبَ نظري نحو الطرد، وكأني أتحاشى لحظةَ غيابِهِ عن مدى بصري .

قطعَ صوتُ فراملِ السيارةِ أفكاري المسترسلةَ في تخمينِ ما يحويه الطرد

أخبرني السائقُ أني وصلت للعنوانِ المطلوب ، مددتُ يدي بالمبلغِ الذي ظهرَ على شاشةِ عدادِه ، واتجهتُ إلى صندوقِ السيارةِ لأُنزلَ حقيبتي ، وما أن استمعَ إلى صوتِ إغلاقي لصندوقِ سيارتِه حتى أنطلقَ مسرعاً ينهبُ الشارعَ الممتدَ أمامه .

حتى هذه اللحظة كانت رحلتي ميسرة وتمضي بصورة طبيعية لولا أني تذكرت أمراً في لحظةٍ تلت، قلبَ كلَ شيءٍ رأساً على عقِب وحولَ لحظاتي التاليةَ إلى لحظاتٍ مرعبةٍ مرت كدهرٍ لا ينقضي !

حين مددتُ يدي لأسحبَ حقيبتي التي أنزلتُها للتو من صندوقِ السيارة ، وعلى حين غفلة، شعرتُ بأن قلبي هوى إلى مكانٍ سحيقٍ لا يعرفُ قراراً ، تصببتُ عرقاً وكنتُ أجاهدُ بُغيةَ التقاطِ أنفاسي اللاهثة، في محاولةٍ مني لإدراكِ حقيقةَ نسياني للطردِ الهام داخلَ سيارةِ الأجرة التي غادرتني إلى حيثُ لا أعلم !

بقيتُ للحظاتٍ عاجزاً عن التصرفِ، حتى أن قدميّ كانتا عاجزتين عن حَملي لأي مكان، فبقيتُ واقفاً على الرصيف ، اتلفتُ لليمين والشمال دونما هدف .

أمامي كان يقفُ رجلُ أمن يحرسُ بوابةً كهربائيةً لمتجرٍ كبير ظلت تُفتحُ وتُغلقُ كلما غادرَها الزبائن مُحملين بأكياسٍ مثقلةٍ بالبضائع ..

أسرعتُ إلى رجلِ الأمن وبلا مقدماتٍ وجدتُ نفسي أشكو المأزقَ الذي كنتُ فيه - لقد نسيتُ مغلفاً هاماً داخلَ سيارةِ الأجرة التي أنزلتني بالقربِ من مَحلِكم ؟

- وهل سجلتَ رقمَ السيارة ، نوعَها ؟ هكذا سألني

- لا ، لم ألحَظهُ ابداً ، هي سيارةُ أجرةٍ صفراء

وجهَ الرجلُ لي نظرةً لا مباليةً أو ساخرة ، وقال هازئاً : إعلم يا عزيزي أن في هذه المدينةِ المئاتِ بل الآلافَ من سياراتِ الأجرةِ الصفراء ،أنت تبحثُ عن إبرةٍ في كومةِ قش طالما أنك لم تلحظْ رقمَ السيارة ...

سُرعانَ ما ابتعدَ الرجلُ عني تاركاً إياي أصارعُ الحيرةَ والارتباكَ. نظرتُ إلى عقاربِ ساعتي فوجدتُها تسرعُ الخُطى نحوَ موعدِ تسليمِ الطرد فازدادَ هلعي ..

قفزتُ نحو الرصيفِ المقابل. كانت امرأةٌ عجوزٌ تحملُ صناديقَ الفاكهة، وتَهُمُ بإدخالِها إلى محلِ البقالة، شرحتُ لها وَرطتي فقامتْ بإعطائي رقمَ شركةِ سياراتِ الأجرةِ الذي اتصلتُ به وكلي أملٌ أن يجدوا حلاً لمِحنتي

كانت محاولةً بائسةَ فلم تكلفْ موظفةُ البدالةِ نفسَها عناءَ المحاولة ، بعد أن علمتْ أني لم أسجلْ رقمَ السيارة ، وأخبرتني أنه يمكنني المرورُ على أحدِ مكاتبِ الشركة المنتشرةِ في أرجاءِ المدينة، وأن أقدمَ بلاغاً عما فقدتُه، وسيعممُ البلاغ لاحقاً على جميعِ أقسامِ المفقوداتِ بالشركة، وسننتظر أيَ فرعٍ سيجدُه !

حين سألتُها عن الوقتِ الذي تتوقعُهُ لحدوثِ كلِ ذلك ، أجابتني أن الأمرَ قد يستغرقُ أسبوعاً فيما لو كنتُ محظوظاً ..

ما إن أنهتْ كلمتَها حتى أفلتتْ مني أعصابي وصرختُ في وجهها غاضباً وقد خرجتْ من فمي كلُ كلماتِ الشتائم و السِبابِ التي عرفتُها في حياتي ، فأسرعتْ هي إلى إغلاقِ الهاتفِ في وجهي !!

لجأتُ فيما بعد إلى سؤالِ المنتظرينَ في محطةِ باصٍ قريبة إن كان أحدُهم قد لمحَ ولو بطريقِ الصدفةِ رقمَ السيارةِ التي نزلتُ منها ، الجميعُ نفى ذلك ..

عدتُ إلى البقعةِ التي أنزلني السائقُ عندها ، فتذكرتُ على الفورِ أني لمحتُ امرأة تجلسُ بهدوء، على كرسيٍ أخضرَ حين أنزلتُ حقيبتي من السيارة .

ولحسنِ حظي ما زالتِ المرأةُ تجلسُ على ذاتِ الكُرسي الأخضرَ بهدوء، ممسكةً بحِزامٍ معلقٍ في رقبةِ كلبٍ ينامُ بالقربِ من قدمِها،

وقبلَ أن أسرعَ إلى سؤالِها ، استوقفتني النظارةُ السوداءُ التي تُغطي ملامحَ وجهِها وقد ارتدتْها في وقتٍ شارفتْ فيه الشمسُ على المغيب .

أدركتُ أنها امرأةٌ كفيفةٌ، وأنها تعتمدُ على ذلكَ الكلبِ في تَنقِلها ..

جلستُ يائساً على الرصيف، أبكي حظيَ العاثر، الذي أوقعني في مثلِ هذه الوَرطة بلِ المصيبةِ التي حتماً ستُفقدني وظيفتي، كانتْ الحياةُ تتسارعُ من حولي، يمضي فيها كلُ شخصٍ نحو وُجهتِه ،وأنا أجلسُ حيث أنا، رجلٌ بائسٌ فَشِل في إنجازِ مَهمَةٍ بسيطةٍ أوكلتْ إليه ..

وأنا في حالتي البائسةِ تلك امتدتْ يدٌ إلى كَتِفي تَهُزُه ، وبتثاقلٍ أدرتُ رأسي فوجدتُ المرأةَ ذاتَ النظارةِ السوداءِ تبتسمُ في وجهي قائلة : رقم سيارتك ( NY 743 ) .

w w w .    A    r    a    b    i    c    S    t    o    r    y    . n e t

جميع الحقوق محفوظة لشبكة القصة العربية 2001-2007