[ أهلاً بالضيف الكريم ] 
للتسجيل
أنت الزائر رقم

إحصائيات الموقع

الدول المشاركة
عدد الكتَّاب
عدد النصوص
عدد الكتب
عدد التعليقات
عدد القراءات
عدد التوقيعات
عدد المشتركين
كتَّاب في الانتظار
نصوص في الانتظار
 
قلوب أسيرة قلوب أسيرة
التاريخ:  القراءات:(69) قراءة  التعليقات:(0) لا يوجد تعليق  إهداء لصديق طباعة التعليقات أضف للمفضلة

  قصة ، من : المصطفى سالمي  
حملت بين جوانحها الكره للناس أجمعين، كان أقوى ما فيها لسانها، فهو سيف بتار تجرح به القريب والبعيد، ولكن الذي لا يعرفه الكثيرون هو أنها منتفخة أحقادا وشرورا من داخلها أكثر أضعافا مضاعفة مما يظهره الخارج الأفعواني، ذلك أن بعضهم كان يمر على كلامها مرورا عابرا، ولسان حاله يستأنس بالمثل السائر: (النهر الهادر لا يخيفك كما الوادي الهادئ). كان الناس في الحارة يعتقدون أنها أشبه بالكلب النبّاح الذي لا يعض، ونسوا أنها صدى مزعج منبعث من صدأ داخلي، وأنها جبل من أحقاد لا يظهر منه إلا جزء يسير، فلو اطلع خلائق الرحمن على سواد طويتها وحقيقة بعضهم البعض لأخرجوا السيوف من أغمادها، ولكن لحسن عناية خالقهم بهم أن مكنون الضمائر والقلوب مخفي بحجاب، وإلا لتصافح الناس بالخناجر والطعن والحراب.

كانت (هنّون) بمثابة حيّة رقطاء في حارة (الباليين)، إلا أن الحية لينة الملمس، تعطي من أنيابها مصلا يمكن أن يكون شفاء لبعض العلل، لكن (هنّون) كانت شيئا آخر تماما، فهي كائن لجوج في خصومته، لا يرتفع أذاه حتى عن الصغار الأبرياء، فمن يلعب منهم الكرة بمحاذاة بيتها تسلط عليه لسانها الطويل السليط، وإن لم ينصع هؤلاء الصِّبية ويكفوا عن اللعب فجردل من الماء الملوث كفيل بأن يمثل حماما ينصب من أعلى ولا يرحم حتى المارة جميعهم، ولن تكثرت (هنون) بصياح أو لعنات الناس، لأن تمادي بعضهم قد يدفعها للاستعانة بحجارة تقذفهم بها من نافذتها، وكأنما ترميهم بحجارة من سجيل لا يدري الناس متى وكيف جمعتها، وقد ينخرط بعض الصغار معها في سلاح الرجم المتبادل، لكنها تخرج من تلك المعارك أشد قوة وتجبرا من السابق.

كانت (هنون) تعيش حياة العزلة الطوعية عن العالم، فحتى في الأعياد والمناسبات التي يتبادل الناس فيها الزيارات كانت هي تغلق عليها باب بيتها، ولا تفتح لأحد ولو كان من أقاربها، فالناس جميعا في عرفها ومعتقدها لا يأتي منهم الخير أبدا، كانت أحيانا وبدون مقدمات تفتح النافذة المطلة على حارة (الباليين)، ثم تبدأ بتوجيه الشتائم طالبة من ربها أن يزلزل الأرض من تحت هذه الأرض ولا يبقي من حارتها باقية، أو أن يأتي أقوام يدمرون هذه البيوت على رؤوس ساكنيها.. هكذا عاشت المرأة وحيدة بلا شريك ولا أنيس بعد أن مات كل أفراد عائلتها، وآخرهم والدتها التي ماتت والحسرة تنهش قلبها على ما آل إليه وضع ابنتها، لقد أصبحت (هنّون) وحشا آدميا، وتعددت مواقف الناس وتبريراتهم لحالتها، فمن قائل إن المجتمع هو سبب نكبتها حين عزف عنها الرجال ولم يتقدم نحوها أي خاطب، ومن قائل إنها الظروف التي تشكل وعي الإنسان، ومن مرجع هذه العدوانية لظروف تنشئتها وتعقيدات طفولتها.. ومهما تكن آراء الناس فإن شخصية (هنون) المثيرة العجائبية كانت حالة استثنائية حتى بين أقربائها ـ حسب العارفين ـ وكأنها استمدت طابعها العقربي من جذر بعيد امتدت شراسته عبر إرث جيني موغل في أزمنة سحيقة.

كانت (هنون) حين تذهب للسوق للتبضع يتمدد خيالها من بعيد على الباعة الجاثمين وسط بضاعتهم في جلستهم البريئة، فيصاب الواحد منهم بالخرس ولا يرد على ملاحظاتها حين تعقب على الأثمنة بكلام ناري، أو حين تحاول المساومة على المشتريات، حينها يبلعون ألسنتهم، ويكتفون ـ في دواخلهم ـ بترديد عبارات طلب السلامة ريثما تولي (هنون) وجهها بعيدا، عندها يتنفسون الصعداء ويرددون جهرا الحمدلة أو الحوقلة أو ما أشبه ذلك. وقد يقع في الحمّام الشعبي مثل ذلك، فالنسوة ينزوين في مكان بعيد اتقاء اللسان الحارق اللاسع.

اكتفت (هنون) بالمنزل القديم المتشقق الجدران الذي تركه والداها، تعيش على إيجار طابق سفلي، مع عائدات أرض فلاحية تركتها أمها قبل أن يلم بها مرض عجل برحيلها، وبقيت تعيش بمفردها بين الجدران، وكما يُقال إن الجنون ألوان وفنون، فقد أصبح الناس مع مرور الوقت يسمعون صرخات منبعثة من بيت (هنون)، وكأنما هي تتصارع مع مخلوقات خفية، ثم يخفت الصوت ويتلاشى، وما هي إلا أسابيع قليلة حتى يتداول الناس خبر فقدان المرأة لصوابها، حيث تمّ نقلها لمستشفى (برشيد) للأمراض العقلية، وتحول الحذر والتوجس والريبة اتجاه (هنون) إلى شفقة وتعاطف، واختفت الصرخات واللعنات تماما من حارة (الباليين)، وتلاشت تحذيرات الناس القديمة للصبية من مغبة اللعب أمام بيت الشريرة، بل أصبح حتى كبار السن لا يحلو لهم لعب الورق إلا تحت شرفة بيت (هنون)، وكأنهم يهزؤون بالماضي المرعب، ولا يتوانى بعضهم ـ في ظل البيت خلال أمسيات فصل الصيف ـ من سرد حكايات المرأة العجيبة التي غدت مجرد ذكرى كئيبة، لكائن كانت أجمل أمنية عنده هي تدمير الحارة برمتها على رؤوس أصحابها. رحلت (هنون) بهلوساتها وأمانيها الشريرة بعيدا، وبقيت الحارة وأهلها شهودا على أحداث قصة، كلما ذكروها طلبوا الستر والعافية، واستعاذوا بالله من شرور وآفاتٍ، تحملها بين طياتها مساحات خفية من كل زمن قادم وآتٍ.

w w w .    A    r    a    b    i    c    S    t    o    r    y    . n e t

جميع الحقوق محفوظة لشبكة القصة العربية 2001-2007