[ أهلاً بالضيف الكريم ] 
للتسجيل
أنت الزائر رقم

إحصائيات الموقع

الدول المشاركة
عدد الكتَّاب
عدد النصوص
عدد الكتب
عدد التعليقات
عدد القراءات
عدد التوقيعات
عدد المشتركين
كتَّاب في الانتظار
نصوص في الانتظار
 
سوء فهم 
التاريخ:  القراءات:(142) قراءة  التعليقات:(0) لا يوجد تعليق  إهداء لصديق طباعة التعليقات أضف للمفضلة

  قصة ، من : مياسة النخلاني  

في أحد أركان حديقة سنترالك بارك بوسط منهاتن، اقتربت سيدة كبيرة في السن تتهادى بخطوات منهكة نحو أحد كراسي الحديقة؛ لتريح قدميها. جلست على مقربة من رجل انشغل بقراءة كتاب ما، سمعت ترتيله الخافت؛ فاسترقت النظر نحوه بطرف عينها، وحين لاحظت لحيته والمصحف بيده ابتعدت قليلا عنه، وبين الفينة والأخرى تسترق النظر إليه بحذر.

أثناء مراقبتها له لاحظت أنه هو الآخر يسترق النظر بين اللحظة والأخرى نحو شيء ما أمامه، مدت قامتها لترى ما يراقبه؛ ولدهشتها وخوفها رأت ولدا في التاسعة من عمره يلعب بالكرة ويمرح: «يا إلهي! ما الذي يخطط له». همست في نفسها، وتحفزت في جلستها لتنقل كل تركيزها على الرجل والطفل الذي يراقبه، متناسية كل ما حولها.

شعرت بقلبها يقفز من مكانه حين قفز الرجل من كرسيه وركض مسرعا نحو الصغير، تناست كبر سنها وتعب قدميها وقفزت نحوهما محاولة تخليص الولد من يد الرجل، وحين أفلحت أمسكت الولد بيد وباليد الأخرى قبضت على ياقة قميص الرجل الملتحي وهي تكيل له بكل أنواع الشتائم، وتصرخ في من حولها أن يتصلوا بالشرطة ليمسكوا بـ«الإرهابي الخاطف».

- «سيدتي، هلا هدأت قليلا؟!»، قالها الرجل بصوت هادئ وهو يحاول التخلص من قبضتها.

- «لن يهدأ لي بال حتى تكون بقبضة الشرطة»، ردت والشرر يقدح من عينيها.

- «بأي جرم؟!».

- «حاولت أن تخطف الولد لولا أني تنبهت لك».

- «لكن... ».

- «لا تنطق بكلمة أيها الإرهابي»،

- «سيدتي...»، قال الطفل متوسلا وهو يجذب يدها التي تمسك به بقوة.

- «لا تخف، ستكون بأمان معي»، ردت عليه مطمئنة.

- «لست خائفا؛ لكن لدي سؤال لك».

- «طفل شجاع، تفضل اسأل».

- «لماذا تخاطبين جدي بالإرهابي؟!»، سأل الطفل مستغربا.

- «جدك!»، قالتها وهي تنظر إلى الرجل الذي تمسك بياقة قميصه، فأومأ برأسه مؤكدا.

انعقد لسانها وعجزت عن قول كلمة إضافية. أخيرا أرخت يديها اللتين تمسكان بالرجل والطفل معا، وحين تحرر من قبضتها عدل من ياقة قميصه وهو يقول بالصوت الهادئ ذاته: «هذا ما كنت أحاول إخبارك به منذ البداية».. صمت برهة ثم أكمل «هذا حفيدي، وجريت نحوه حين حاول الشجار مع رفيقه على الكرة، هل فيما فعلته شيء معيب؟!»، قال مستنكرا بالصوت الهادئ ذاته!

- «حسنا»، قالتها السيدة وهي تعدل من هندامها. رمته بنظرة احتقار ثم غادرت، وقبل أن تبتعد أتاها صوته مناديا، التفتت إليه وهي تقول: «مازلت بنظري إرهابيا؛ لذا ابتعد عني»!

«نسيت حقيبتك على الكرسي»، مد لها حقيبتها وانصرف إلى حال سبيله.

أثناء مغادرتهما، سأل الحفيد جده مستغربا: «مازلت غير مصدق يا جدي ما حدث! لماذا تصرفت معك بهذه الطريقة؟! ورغم تصرفها الفج معك عاملتها بلطف؛ رغم أنها لم تحاول حتى أن تعتذر عن سوء تصرفها؟».. صمت ثم أكمل مستنكرا «بل وجريت خلفها لتعيد إليها حقيبتها التي نسيتها وهي تتشاجر معك وتسيء إليك! ».

- «بني، إنما نعامل الناس بأخلاقنا لا بأخلاقهم، ثم لا تنس أنها سيدة كبيرة، وعلي احترام سنها وشيخوختها. بالطبع كان بمقدوري أن أنتقم لنفسي وأرد لها شتائمها، أو حتى أشتكيها إلى الشرطة لسوء تصرفها معي دون مبرر؛ لكن لا يهمني أن أثأر لنفسي بقدر ما يهمني أني علمتها درسا بأننا لسنا كما تظن، أو كما يروج عنا؛ فنحن ما نحن عليه فعلا من أخلاق علمنا إياها قدوتنا ورسولنا الكريم عليه أفضل الصلاة والسلام».

هز الولد رأسه، رغم عدم استيعابه لكل ما قاله له جده، لكنه لزم الصمت.

«ستفهم كل شيء في حينه»، قال الجد وهو يفتح باب السيارة لحفيده، وبمجرد أن شغل محركها أوقفته نقرات خفيفة على زجاج النافذة؛ فأوقف المحرك وفتح النافذة، حيث بادره شاب في مقتبل العمر: «سيدي، أود أن اعتذر لك باسمي واسم والدتي عما حدث في الداخل، كان سوء فهم منها، الحق يقال، هي نادمة على ما حدث ولولا خجلها من نفسها لأتت بنفسها لتعتذر»!

ترجل من السيارة وصافح الشاب قائلا: «لا بأس عليكما، فقط لدي سؤال لها إذا لم تمانع»، سارا معا إلى حيث تنتظر، وبادرها: «سيدتي، ما أود معرفته: ما الذي جعلك تعتقدين أنني أنوي شرا بالطفل؟».

- «هذا وذاك»، قالت وهي تشير إلى لحيته والمصحف في جيبه!

ابتسم وهو يمسك لحيته ورد قائلا: «وهل بالفعل هذه وهذا يجعلاني رجلا شريرا؟!».

وحين لم ترد أكمل: «أظن بعد الذي حدث عليك أن تتوقفي عن الحكم علينا من خلال التلفاز أو الإعلام غير المنصف بحقنا، أرجو أن تصدري حكمك علينا من خلال ما نحن عليه فعلا، لا ما يقال عنا؛ فليس كل ما يقال صحيحا، نحن بشر مثلكم، طبيعيون جدا، ومسالمون جدا، بل إن ديننا يحثنا على مكارم الأخلاق مع الجميع دون استثناء».

طأطأت رأسها بخجل وهي تقول: «سأفعل، أعتذر عما بدر مني».

في طريق العودة التفت إلى حفيده وهو يسأله: «هل رأيت، لو كنت انتقمت لنفسي منها ومن تصرفها الجائر بحقي هل كنت سأحقق ما حققته الآن من إيضاح الصورة لها. لدى الغرب فكرة مغلوطة عنا نحن المسلمين؛ لذا علينا أن نكون أكثر حكمة بالتعامل معهم؛ ليتأكدوا أن ما يقال لهم عنا غير صحيح».

انتهى

w w w .    A    r    a    b    i    c    S    t    o    r    y    . n e t

جميع الحقوق محفوظة لشبكة القصة العربية 2001-2007