[ أهلاً بالضيف الكريم ] 
للتسجيل
أنت الزائر رقم

إحصائيات الموقع

الدول المشاركة
عدد الكتَّاب
عدد النصوص
عدد الكتب
عدد التعليقات
عدد القراءات
عدد التوقيعات
عدد المشتركين
كتَّاب في الانتظار
نصوص في الانتظار
 
كبرياء زائف 
التاريخ:  القراءات:(115) قراءة  التعليقات:(0) لا يوجد تعليق  إهداء لصديق طباعة التعليقات أضف للمفضلة

  قصة ، من : مياسة النخلاني  

منذ أن توفي والده تاركا على عاتقه الاعتناء بأم وأربعة إخوة وأخوات -أصغرهم فتى لا يتجاوز العاشرة من عمره- شمر أحمد عن ساعديه واضطلع بالمسؤولية الثقيلة التي ألقيت عليه وهو لا يزال طالبا في الثانوية العامة، ولرحمة الله به أن والده ترك له محلا لبيع الأدوات الكهربائية يساعده العائد على الاضطلاع بمصاريف البيت وتعليم إخوته، ورغم ثقل العبء عليه؛ فإنه تشبث أكثر بالدراسة قاضيا ما تبقى من النهار في محل والده.

"رحمة الله عليك يا والدي"، قالها وهو يستعد لفتح المحل كما يفعل كل يوم منذ ثلاثة عشر عاما. لم ينس يوما أن يترحم على روح والده كلما بادر بفتح المحل.. 13 عاما قضاها وهو مغيب نفسه تماما لا يحمل هما سوى أن يفي بوعده لوالده وهو يحتضر بأن يعتني بأمه وإخوته. لكن، وبعد هذه السنوات من الكد والعمل والتضحية، قالها هذه المرة وهو يكابد غصة تأبى أن تغادر حلقه، بعد شجار حدث بينه وبين أخيه الأصغر، الذي اعتبره بمثابة ولده ، وما زاد من ألمه أن الجميع وقف مع أخيه الأصغر ضده.

تحمل الكثير وكابد على مر السنوات لأجلهم ورفض الكثير من الفرص التي واتته ليكبر في مجال دراسته (هندسة الحاسوب) فقط ليضمن أن يعيشوا حياة كريمة، لكنه عجز اليوم عن تحمل الطريقة غير اللائقة التي خاطبه بها أخوه ضاربا بعرض الحائط فارق العمر بينهما وسنوات الكفاح التي قضاها لأجله ولأجل البقية.

هل يلزم عليه أن يكون والدهم الذي أنجبهم ليعطوه حقه من الاحترام؟!. فكر بشيء من القهر.

عاد من عمله وخلال الأسابيع اللاحقة أغلق على نفسه باب غرفته، توقع أن يطرق أخيه الباب ليعتذر له، لكن لم يحدث شيء على الإطلاق، هكذا وبكل بساطة ينتهي كل شيء ، عاش مع إخوته سنوات تحملوا فيها بعضهم بعضا، وفي لحظة تتحول المحبة إلى جفاء والوصال إلى قطيعة. فكّرَ في مصالحته؛ لكن سريعا ألغى هذه الفكرة، فهو يرى نفسه على صواب فلماذا يتنازل، وإن كان أخيه قد استغنى عنه بعد أن كبر فهو كذلك!

عانقت عيناه صورة والده على الجدار فهمس له: "سامحني، لكن لا أستطيع، لا يستطيع قلبي أن يغفر له، فأنا من لحم ودم".

بعد أيام دقت عليه أمه باب غرفته، جلست إلى جانبه وهي تقول له بصوت هامس: "ألن تصالح أخاك؟".

"هو يريدني أن أتركه وشأنه". رد ببرود مصطنع

"غير صحيح، أقسم أنه يتألم ويعاني". همست له برجاء

"أمي أرجوك".

"أرجوكَ أنتَ، أخوك سيسافر بعد غد ليعود إلى جامعته، آمل ألا تفترقا وأنتما على هذه الحالة.. هذا كل رجائي منك". قالتها و خرجت قبل أن يلمح دموعها.

حاول النوم لكنه لم يستطع.

في الصباح الباكر، وقبل أن يتوجه إلى المحل، دخل غرفة أخيه الذي كان نائما، وضع على طرف السرير مظروفا وغادر.

ترك له مبلغا من المال ورسالة كتب فيها:

"أخي الحبيب

يسهل علينا أن ننسى شخصا عرفناه يوما ما، لكن أخي من أبي وأمي فمستحيل، فكيف إذا كان هذا الأخ بمثابة الابن.. أدْركْ أنني فقدتُ أعصابي، وأعتذرُ عن ذلك؛ لكن حين تكبر وتتزوج ويكون لديك أطفال ستدرك مقدار الألم الذي يعتري قلبك حين تتلقى كلمات قاسية من ابنك ككلماتك لي ذلك اليوم.. اعتن بنفسك وتأكد أنني لن أتخلى يوما عنك أو عن أحد من إخوتك".

لم يكن سهلا عليه أن يتنازل عن كبريائه ويبادر بالاعتذار، لكن أياما من القطيعة والجفاء أنهكت روحه، هل يعقل أن ينسى الإنسان أناسا من لحمه ودمه، فقط لأن الكبرياء لا يسمح ببعض التنازل؟! سواءً قَبلَ أخوه اعتذاره أم رفضه، لكن شعورا لذيذا بالراحة لامس شغاف قلبه لمجرد أن غسل قلبه من الحقد والكراهية وسامح بصدق؛ هذه الراحة التي حرم منها أياما طويلة، وكلما عمقها في قلبه أكثر زادت حدة كراهيته لكل من حوله.

مضت ساعات العمل الأولى وهو يتخيل حال أخيه بعد قراءة اعتذاره : "متأكدٌ أنه سيمزقها ويعيد لي المال، لكن يبقى عذري أني حاولت..." وقبل أن يكمل جملته فُتح باب المحل ليجد أخاه واقفا أمامه يحمل بيد الرسالة وباليد الأخرى المال، مد له المال وقال بصوت متهدج: "لا أريد المال، أريد أخي فحسب، أقسم أني أحبك، ظننت أنك لن تسامحني يوما وخشيت إنْ تقدمت لك بالاعتذار أن تصدني عنك، أرجوك سامحني، خذ أموال الدنيا لكن لا تقْسُ علي".

احتضن أخاه شاعرا بمدى سخافته أن تركه طوال تلك الأسابيع، واستسلم كلاهما لهذا الشعور المقيت: بمن سيعتذر الأول أو بأن الآخر لن يسامح؛ لتُسحق القلوب تحت وطأة الكبرياء الزائف.

انتهى

w w w .    A    r    a    b    i    c    S    t    o    r    y    . n e t

جميع الحقوق محفوظة لشبكة القصة العربية 2001-2007