[ أهلاً بالضيف الكريم ] 
للتسجيل
أنت الزائر رقم

إحصائيات الموقع

الدول المشاركة
عدد الكتَّاب
عدد النصوص
عدد الكتب
عدد التعليقات
عدد القراءات
عدد التوقيعات
عدد المشتركين
كتَّاب في الانتظار
نصوص في الانتظار
 
طريق الحرير 
التاريخ:  القراءات:(187) قراءة  التعليقات:(0) لا يوجد تعليق  إهداء لصديق طباعة التعليقات أضف للمفضلة

  قصة ، من : محمد بن مانع الشهري  
طريق الحرير

بعد مشادة كلامية، وتيار صراخ أخرس الهمسات في أروقة مقر العمل، خرج حسين والغضب يقوده إلى اللعنات، شمس الظهيرة في أبها تكاد تكون بلسما في فصل الشتاء، وبالصدفة شاهد رفيق جنونه أمجد في الخارج، كان يعاقر تبغه في شرود الحياة، ناداه بزفرة، فعرف أمجد أن صديقه يعاني من أمر جلل، ومضى معه صامتا لكيلا يثيره أكثر.

من وحي زفرات حسين استشف أمجد أن مديرهما قد استفزه إلى جنون الغضب، أدار محرك السيارة ولم يظهر صوت بعده وكأن عنق الحياة قد انقطع، سارا في شوارع المدينة والوجوم يحرك مخيلتهما في رحى الكوابيس، بينما هما كذلك انعطف حسين ناحية شارع الفن، وتوقف بقرب سوق الثلاثاء الشعبي، ثم أرخى مقعده وراح يكرر زفراته.

ـ المدراء في منشأتنا لا يفقهون في الإدارة شيئا، إنهم يصدرون الأوامر الارتجالية دون تمعن، لا توجد لديهم استراتيجيات يا رجل، جل همهم أن يظهروا بمظهر لامع أمام كبار موظفي الوزارة، أما المواطن فله الله.

قالها حسين وكأنه يريد استنطاق الصمت، ونظراته متجهة إلى سقف السيارة، بينما كانت نظرات أمجد ترقص في الباحة المجاورة، وحينما انتبه حسين إلى صديقه الشارد إلى البعيد، انتصب جالسا ولم تمر ثوان معدودة حتى عاد إلى حاله الأول والغضب يسيّر طريقة تنفسه.

ـ أنت لا تبالي بما أقول، ولا تشعر بي أيها العربيد، أما آن لك أن تكف عن مطاردة النساء؟

كانت نظرات أمجد إلى الفتاة نظرات في قالب الذكريات، لم يعد يشعر أن الفتيات يملن إليه كما كان حاله سابقا، فقد تجاوز عمره منتصف العقد الثالث، وأصبح لسواد شعره عدو أبيض اللون، وفي كل عام ينتصر ذلك العدو ويوسع من نفوذه ليس على مستوى الشعر فحسب، بل على كل شيء تقريبا في جسده.

انتبه أمجد لنفسه عندما سمع صوت زفرات حسين، وعرف أنه قد وقع فيما لم يكن يريد، وبدأ في تحريك ذرات الأصوات المحيطة بهما عندما أدار مفتاح المذياع، لم تكن صدفة أن تتحدث المذيعة عن الحب في زمن الثمانينيات، قالها في نفسه وهو يحاول أن يحيط بغضب حسين.

ـ لم لا يكون هنالك مجلس إدارة لمنشأتنا لكي يحاسبوا المدراء المستبدين؟

قالها حسين فأومأ أمجد برأسه، ثم التفت إلى الفتاة فوجدها قد جلست جلسة تشعل القلوب، كانت تنظر إلى هاتفها وتتلصص عليهما في أحيان كثيرة، فزاد جسده دفقا نحو الماضي، اجتمعت عليه كل الذكريات وكأنهن يأتينه راقصات، فخرج من السيارة واللهب في قلبه يزين جسد أمله الزجاجي، خطا خطوة كأنها شوق، ثم خطوة أخرى فثالثة انتهت بشلل ضوء الشمس والمكان والهواء، عندما رأى أحدهم قد أوقف سيارته أمام الفتاة.

ـ هل أحدث نفسي يا معتوه؟

سمعها تخرج من فم حسين ولكنه لم يبالِ، تراجع إلى مقدمة السيارة وظل يرمق تاريخه الجريء مع الفتيات، لم يعد ذلك المقدام بعد أن تزوج وأصبحت له ذرية، نظر إلى حسين فوجد ملامحه قد انتفخت غضبا، لم يعرف ماذا يفعل معه، وخاصة أن اهتماماتهما في تلك اللحظة تكاد تكون متنافرة، عاد بنظره إلى مكان الفتاة فوجد الشاب قد اقترب منها وأخذا بأطراف الحديث، وفي نهاية المشهد لقنها رقم هاتفه ونظراته متأرجحة بين الفتاة والخوف.

ـ هلاّ انطلقنا يا صديقي

خرجت من حنجرة أمجد وكأنها مغلولة، تسحب أذيال الهزائم كلها، وامتد جسر بين أمجد وصديقه، جسر من خيوط العنكبوت، كأنهما صُبح العزاء والمكان مقبرة.

دخلا إلى السيارة وتحركت بهما والصمت شعاع الهزائم في نفسيهما، ولج صدر السيارة إلى الشارع فاقتلعه نطح سيارة مسرعة، وعندها دارت بهما السيارة والحياة والذكريات وأشياء مستحيلة.

w w w .    A    r    a    b    i    c    S    t    o    r    y    . n e t

جميع الحقوق محفوظة لشبكة القصة العربية 2001-2007