[ أهلاً بالضيف الكريم ] 
للتسجيل
أنت الزائر رقم

إحصائيات الموقع

الدول المشاركة
عدد الكتَّاب
عدد النصوص
عدد الكتب
عدد التعليقات
عدد القراءات
عدد التوقيعات
عدد المشتركين
كتَّاب في الانتظار
نصوص في الانتظار
 
موسم التين والعنب موسم التين والعنب
التاريخ:  القراءات:(155) قراءة  التعليقات:(0) لا يوجد تعليق  إهداء لصديق طباعة التعليقات أضف للمفضلة

  قصة ، من : المصطفى سالمي  
كانت بلاد (سوق السبت) بقلب سهول "الشياظمة" مشهورة بزراعة العنب وأشجار التين، مساحات شاسعة نشاطها الأساسي يقوم على ذلك، وأهلها ينتظرون بشغف حلول موسم جني الثمار الحلوة من أجل تسويقها نحو كل بلاد (عبدة) و (الشاوية) و(الحوز) وما وراءها من المناطق والبلاد الفلاحية المتمددة، يبيعون الثمار الناضجة بعد وضعها في الصناديق والسلال، ويقومون أيضا بتجفيفها وبيعها بأثمنة أكبر من وضعيتها الطبيعية الطرية.. وكانت الأموال المتحصلة من كل ذلك تجعلهم يشترون الثياب الجميلة والمواد الغذائية المختلفة، ويقيمون الأفراح والليالي الملاح، لكن الذي لا يُفوّته هؤلاء الأهالي ـ سواء كانوا كبارا أو صغارا ـ هو لحظات المتعة الروحية التي تتحقق من خلال هذه الثمار نفسها، إذ كانوا في بلدة (سوق السبت) مشهورين ومتخصصين في تخمير هذه الطيبات، يعيشون ـ حسب زعمهم ـ أياما من السعادة في شرب ما يسمى: "ماء الحياة"، إذ يتم استخراج سوائل من التين عن طريق وصفات وطرق طبخ خاصة تحيل هذه الفاكهة إلى مادة ذات مفعول سحري يلعب بالعقول والأدمغة.

كانت أسابيع شهري غشت وشتنبر من كل سنة تشهد حالات وطقوسا لا تثير سوى الزائرين الأغراب عن البلدة الصغيرة، فالشبان والفتيان في الأزقة والحواري والساحات ممن يلعبون الكرة مثلا ترى الواحد منهم يترنح وهو يعدو، أو عوض أن يقذف الكرة يطيح برجل خصمه أو ربما حتى صديقه في الفريق، وآخر يترك ميدان اللعب ليصطدم بالجمهور، ولا تتعجب إن رأيت بعضا من الجمهور يهتز على كرة طائشة يظنها هدفا في الشباك، أما المقاهي فالناس فيها يضحكون بلا مسبب واضح يجعلهم يضحكون، وترى البعض يلقي بنفسه على كرسي ولا أحد يسنده، والشوارع تشهد مثل هذه القهقهات والهستيريا العجيبة، بينما تبقى المساجد خاوية على عروشها تشهد مناراتها من عليائها على عبث العابثين.

كانت سنوات الجفاف وشهور القحط العجاف وحدها ما يجعل الناس هنا يعودون قليلا لرشدهم، ويكتفون بالطيبات أو ما تيسر منها، ولكنهم لا يرتدعون أبدا حين تدور الأيام دورتها حاملة لهم طيبات العنب والتين، وكأنهم يضعفون ويتهاوون في انبطاح غريب، أو كأنما يستبد بهم جنون شيطاني يتسلط على أرواحهم، حقا كان شهر رمضان يحد من غلوهم حين يصادف ذروة الموسم، وما عدا ذلك فالطغيان والعتو والسهر والعربدة شعار هؤلاء الناس..

في أحد أكبر مقاهي البلدة التي تنعت بـ: (مقهى المحطة) علق أحد الظرفاء قائلا:

ـ إننا من سلالة أبي نواس وأقرانه من المعربدين!

وردد آخر:

ـ إن مقاطعة الناس هنا للمساجد هي السر وراء هذه اللعنة أو الغضب الإلهي..

بينما هتف شخص يظن نفسه من العقلاء:

ـ لو كان أهل بلدتنا يتركون هذه الطيبات على وضعها الطبيعي لما كان حالهم على هذا الوضع، إن الخمر هي جزاء رباني في جنات أنهارها من خمر ومن لبن ومن عسل، فلِمَ الاستعجال؟!

وعلق شخص من بعيد على كلامه:

ـ وهل نحن ممن تأكدوا وتيقنوا من دخول الجنة حتى يكون هناك استعجال من عدمه، شياطين بلدتنا من الإنس أصبحت جنتهم دنياهم.

وتعالت ضحكات هنا وهناك، وتمادى أحدهم في السخرية حين قال:

ـ إن العلة الكامنة وراء هذا العبث هي في تسمية بلدتنا، فلو كانت تسمى (الجمعة) لكنا من معاشر المؤمنين الصالحين!

ضحك الجميع بجنون أكبر، إلا شخصا كان يبدو غريبا عنهم، لقد اكتشف هذا الرجل أنه وسط جماعة من السكارى التائهين، فقام متأبطا حقيبة سفره منسلا من وسطهم، وكأنما خاف أن تنتقل إليه العدوى، كان يحمد الله في سرّه أنه مجرد عابر سبيل لن يطول به المقام في بلاد التين والعنب!

w w w .    A    r    a    b    i    c    S    t    o    r    y    . n e t

جميع الحقوق محفوظة لشبكة القصة العربية 2001-2007