[ أهلاً بالضيف الكريم ] 
للتسجيل
أنت الزائر رقم

إحصائيات الموقع

الدول المشاركة
عدد الكتَّاب
عدد النصوص
عدد الكتب
عدد التعليقات
عدد القراءات
عدد التوقيعات
عدد المشتركين
كتَّاب في الانتظار
نصوص في الانتظار
 
الضيعة والمدراء الآفلون الضيعة والمدراء الآفلون
التاريخ:  القراءات:(104) قراءة  التعليقات:(0) لا يوجد تعليق  إهداء لصديق طباعة التعليقات أضف للمفضلة

  قصة ، من : نورالدين الطويليع  
أقسموا عليه بأغلظ الأيمان أن يدخل الضيعة المسيجة, وعدوه بأن يكون مديرها القائم بأعمالها, وبألا يعترض سبيله أحد, وألا يمكنوا أحدا من استغلال أرضها, أو قطف أزهارها, أو عب مائها, أو التهام سمك بحيراتها وثمار أشجارها كما كان الشأن من ذي قبل..., كبادرة حسن نية أقالوا من جثم على صدرها وصدر عمالها سنين عددا, ونصبوه في حفل باذخ مديرا, قبل أن يرموه بالرصاص ويردوه جريحا, تخترق جسده الثقوب, وتسيل الدماء منه منسابة كدمع عاشق هائم, أخذوا المدير, عفوا جسد المدير خارج الضيعة في وقت تعالت فيه الصيحات وارتفعت الشعارات, مطالبة بإنجاز تحقيق شامل وعادل حول ما جرى, وفي خضم الجلبة والضوضاء جاء بالبشير يؤذن في الناس بعهد جديد لا ظلم فيه, ويدعوهم أن يدخلوا مساكنهم, ويطمئنهم بفارس جديد سيأتي حاملا مصباحا ذريا سيزيل به ظلمة الضيعة الكالحة, ويرثق ثقوب جسد سابقه الذي انزوى في ركن قصي يداعب جروحه ويلثمها عساها تتوقف عن النزيف, وتكف عن التدفق..., انصرف الناس عن الاحتجاج, ونسوا حكاية الجسد المرمي على أعتاب الضيعة, تمت المناداة في خضم هذا السكون على المدير الفارس الذي امتطى صهوة فرسه, فرحا جذلان بهذا التشريف, ولكنه وهو يهم باجتياز الحواجز تعثر فرسه, فهوى أرضا وتكسر مصباحه ففقد إنارته, واصل الفارس مسيره, ونتيجة لشدة الظلام, ولضعف نظره داس على كل شيء, الوجوه والورود والأزهار, سمع نداءات النجدة, فحسبها صيحة عليه, , صوب نيران بندقية لسانه صوب سلفه الذي اتهمه بالضعف والهوان والاندثار, وبعدم القدرة على الصمود, والعجز عن ترويض غير المنضبطين والمشاكسين والمنفلتين من قبضة القانون وعديمي التربية, وسع المدير الجديد دائرة انتقاداته, فتحدث عن وجود أشباح وأرواح شريرة داخل الضيعة, خاطب يوما جمعا التأم لزيارته قائلا:" هنا يقع شيء ما غير طبيعي, أضع أشياء, وعندما أستيقظ في اليوم الموالي أجدها في غير مكانها, آمر بفعل معين, ثم أراهم يأتون بضده, وعندما أسألهم عن ذلك, يجيبونني: أطعنا سادتنا وكبراءنا فأضلونا عن سبيلك, وسنبقى كذلك, فاقض ما أنت قاض, فغضبك أهون علينا من غضبهم, وعقابك لن يبرح لسانك..., سأقولها لكم صريحة واضحة: أنا لست سوى مدير واجهة لهذه الضيعة, ولا شيء غير ذلك, مدير بدون إدارة, ومع وقف التنفيذ, ولا أعرف مَنِ المدير الحقيقي, قد يكون عفريتا أو جنيا, لست أدري".

أنهى الرجل كلامه, وانصرف إلى حال سبيله, ليتفاجأ بالتوبيخات والانتقادات وهي تنهمر على رأسه, حاول أن ينفي بداية جملة وتفصيلا قول ما قال, لكنهم فاجؤوه بتسجيل مرئي لكل كلامه المختلط بالقفشات, ففكر وقدر في مخرج يخلصه من ورطته, ليهتدي إلى إلقاء اللوم على الخصوم, واتهامهم بتحوير كلامه حسدا من عند أنفسهم, ورغبة في التفريق بينه وبين من يقول بأنه وإياهم سمن على عسل, وعسل على سمن, أو سمن على سمن....

تٌرك الرجل غارقا في حكاية السمن والعسل, يقلب كلماتها ويعيدها عساها تكفر عن ذنب إيغار صدور من أزعجهم, وبقي كذلك أسابيع وشهورا, معتكفا في بيته, معتزلا عن الناس, شعاره "لا مساس, لا مساس", قبل أن ينادوا عليه ليأخذ أخاه المدير السابق الذي مات على مشارف الضيعة, ويواري سوأته, حتى لا تأكله الوحوش البرية, فرفض الأمر رفضا قاطعا, زاعما بأن الجثة متعفنة, وإدخالها للضيعة سيفسد ثراها وهواءها..., فقيل له: "اخرج منها أنت ومن تبعك من الغاوين", حمل الرجل أمتعته وغادر الضيعة, دون تردد, إلى جهة مجهولة, وعهد بالإشراف عليها إلى أحد إخوانه الذي بادر إلى تجهيز الميت بسرعة فائقة, مستندا إلى ما سماها تعاليم الإسلام التي تحث على الإسراع بدفن الميت إكراما له, وفي الوقت الذي خرج ومن معه لأداء مراسيم التشييع همت ريح سموم أردتهم جميعا قتلى, لتتولى آلات الحفر طمرهم جميعا تحت التراب..., نسجت حول الحادث أساطير كثيرة, فمن قائل بأن الجثة كانت محملة بمادة سامة انسابت من الكفن الذي لم تكن أزراره محكمة الإغلاق, ومن قائل بأن الأرواح الشريرة هي من قتلت الجمع, وهناك من زعم بأن كائنات أخرى تعيش في الضيعة لم يعد يروقها رؤية مدراء على شاكلة واحدة, فوضعت حدا لآخرهم, وهي تفكر في تنصيب خلف يحمل صفة أخرى غير صفة المدير.

w w w .    A    r    a    b    i    c    S    t    o    r    y    . n e t

جميع الحقوق محفوظة لشبكة القصة العربية 2001-2007