[ أهلاً بالضيف الكريم ] 
للتسجيل
أنت الزائر رقم

إحصائيات الموقع

الدول المشاركة
عدد الكتَّاب
عدد النصوص
عدد الكتب
عدد التعليقات
عدد القراءات
عدد التوقيعات
عدد المشتركين
كتَّاب في الانتظار
نصوص في الانتظار
 
الهديّة 
التاريخ:  القراءات:(115) قراءة  التعليقات:(0) لا يوجد تعليق  إهداء لصديق طباعة التعليقات أضف للمفضلة

  قصة ، من : فتيحة قصاب  
كان عليه أن ينهض قبل طلوع الشمس، لينجو من أشعتها اللّافحة، في أوّل يوم من شهر يونيو الحارّ، وهويتوجه إلى مكانه المعتاد لبيع تلك الخردوات المحمّلة في كيس على كتفه الأيمن الذي مال مع الحمولة، وكأنّه دفّة ميزان رجحت ...

قدماه الصغيرتان غاصتا في خفّيه البلاستيكين وعانقت الأحزان عينيه العسليتين في وجه شاحب أبان عن سوء تغذية بجسمه النحيل، المستور بثياب صيفية مهلهلة.

على قارعة طريق يعرف بكثرة ازدحامه، استراح من حمولته وفرد قطعة كارتونية على الرصيف ...

أخرج أشياءه الثمينة الواحدة تلو الأخرى بأناة، ينفخها ويصفّها على فراشها الكارتوني، يريد بذلك عرضها على زبائنه المعدمين في أبهى حلّة مثل مجوهرات ثمينة تزيّن محلّا فاخرا.

بدا مظهر تلك البضاعة وكأنّها أنقذت للتوّ من حريق مهول ...

طقم الشاي النّحاسيّ تحوّل لونه من صفرة ذهبيّة لامعة إلى ازرقاق قاتم، تحاذيه مكواة لا يمكن تمييزها عن قطعة فحم حالكة وبطّاريات مستعملة لهواتف نقالة وأشياء أخرى ...

إنهماكه في ترتيب سلعته شغله عمّا يدور حوله من حركة، وصمّ آذانه عن الأصوات المنطلقة من المركبات إيذانا ببداية اختناق حركة السير بالطريق العام ...

هذه الحياة لم تعنه في شيء، كلّ تركيزه كان منصبا على قطعه والعدد الذي يمكنه بيعه قبل انقضاء يومه ليعود لوالدته بثمن الخبز والحليب لنهار الغد.

قال القدر كلمته في أسرة (رضا) بعد وفاة والده حيث قام أعمامه بطرده وأمّه وأخته من مسكنهم والاستيلاء على ميراثهم الشرعي فلجؤوا إلى مرآب لا يعرف ليله من نهاره، تموت الإنسانية على جدرانه الرّطبة في أبشع صورها.

أخذت والدته على عاتقها تربيتهم وإعالتهم من عملها متنقلة بين البيوت تبيع بعض أدوات التجميل للسيّدات.

أخرجه من عالمه صوت رخيم لسيّدة في مقتبل العمر وهي تمدّه بعلبة كبيرة الحجم مزيّنة بشرائط حريرية حمراء:

- تفضّل، هذه الهديّة لك بمناسبة عيد الطفولة العالمي ...!

عيد سعيد ...!

أفرجت شفتاه عن نصف ابتسامة وبقي النصف الآخر سجين الخوف وبعض الخجل وهو يستلم الهدية من سيّدة يجهلها.

عادت السّيّدة لسيارتها المركونة بجانب أحد المحلاّت وأخرجت منها ثلاث علب أخرى مماثلة حملتها بين ذراعيها واختفت وسط المارّة باحثة عن وجه بائس آخر، علّها تدخل عليه بعضا من البهجة والسرور.

نفض يديه المغبرّتين وراح يفتح العلبة، فإذا به دبّ أبيض ببدلة رمادية وربطة عنق قرمزية مستلق بداخلها...

ذكّرته الهديّة برائحة الأعياد التي نسيها و بعيد ميلاده الرابع عشر الذي مرّ قبل أسبوع كسائر الأيام، لأنّ الاحتفاء بأعياد الميلاد في أسرته أصبح من الكماليات منذ وفاة والده.

خالجته مشاعر السعادة و هو يتأمّل هديّة السّيّدة وسرح بأفكاره حيث أمّه تزيّن طاولة العشاء بما لذّ وطاب وأخته تلاعب دميتها الشقراء وهو يحتضن دبّه صاحب الربطة القرمزية على فراشه المخمليّ ...

قطع شريط أحلامه وأخرجه من صمته رجل أربعيني طويل القامة وهو يدوس بقدميه العريضتين معرضه المرتب، استفزّه تصرفه الأحمق، فإذا به يتحوّل من طفل بريء إلى أسد يدافع عن عرينه، شدّ طرف قميص الرجل بقوة وصرخ في غضب:

هَيْ...هَيْ...مابك؟ ... ألا ترى؟ ... أنظر أمامك...!

أبله ...!

رمقه الرجل بنظرة ثاقبة وسحب طرف قميصه من قبضته دون أن ينبس ببنت شفة وتوارى وسط الزحام.

عادت عيناه الحزينتان تتأمّلان الدّب الأبيض من جديد وفي داخله صراع رغبة الطفولة الجامح وفاقة العيش ...

إنّه أصعب وأقوى صراع يمكن لطفل في مثل سنّه تحمّله، هل يلبّي نداء الطفولة أم نداء البقاء؟

أشاح بوجهه عن تلك الهديّة آسرة القلب وراح ينادي في المارّة:

- من يشتري دبّا بربطة عنق قرمزيّة...

تقدموا هيا ... هيا ...!

قدّم لابنك أجمل هديّة في عيد الطفولة ...

أحلى عيدية

w w w .    A    r    a    b    i    c    S    t    o    r    y    . n e t

جميع الحقوق محفوظة لشبكة القصة العربية 2001-2007