[ أهلاً بالضيف الكريم ] 
للتسجيل
أنت الزائر رقم

إحصائيات الموقع

الدول المشاركة
عدد الكتَّاب
عدد النصوص
عدد الكتب
عدد التعليقات
عدد القراءات
عدد التوقيعات
عدد المشتركين
كتَّاب في الانتظار
نصوص في الانتظار
 
للموت ضحكة عالية 
التاريخ:  القراءات:(48) قراءة  التعليقات:(0) لا يوجد تعليق  إهداء لصديق طباعة التعليقات أضف للمفضلة

  قصة ، من : أحمد علي بادي  
جعل الموت من نفسه سحائب لا تنقشع عن سماء قرية (القعدة)، وغدت به الأرض تربة خصبة للصبار، حتى إذا ما استغلظ ذلك الصبار واستوى على سوقه انفجر وخرج مكانه قبراً.

هكذا صارت القبور تتنابت وتنتشر كسرطان مستشرِ وتهدد بالزحف نحو تكومات منازل الأهالي، ولم تعد هناك غير طريق قد ضاق بها السلوك لأكثر من فرد، وقفت كحد فاصل.

كانت فرائص أهل القرية ترتعد لمجرد مشاهدة تلك الشواهد التي لها أفواه واسعة إذا فتحتها بان بداخلها قواطع كأنها السيوف المسلطة تلمع كالبرق ومن خلفها هوات مظلمة لا يتبين لها قرار، كانوا يشعرون أن باستطاعتها ابتلاعهم ومنازلهم معاً.

لذا كان لا بد لهم من الاجتماع في ديوان شيخهم (عبدالله الأزور) والذي رغم تعسفه وظلمه لهم لم يكونوا ليقطعوا أمراً حتى ينظر فيه.

في البدء أخذ منهم الأمر جدلاً كثيراً وهرجاً ومرجاً ومشادات ساخنة لم تكن لتنتهي لولا أن تدخل شيخهم حاسماً: (ابنوا سوراً حولهم).

أبدى الجميع إعجابهم برأي الشيخ ورأوا فيه عين الصواب، بل كانوا يدركون أن ليس أمامهم غير الالتزام به.

انفض بعدها الجمع ممتنين لحكمة الشيخ الدائمة في تسيير الأمور، وشرعوا من ساعتهم في التنفيذ.

لم يستغرق الأمر غير سحابة يومين، وفي حين كانت شمس اليوم الثاني تلفظ آخر ما تبقى لها من أنفاس، كان هناك سور عال من الحجارة والإسمنت قد قام والتف حول جميع تلك القبور، له باب من حديد ليغلقوه ويفتحوه متى شاؤوا.

* * *

- اكتبوا عليه (سور مقبرة) كي ينتبه له الناس، عاد شيخهم يملي عليهم رأيه الآمر.

وعلى الفور بدأت تطبع تلك العبارة على حوائط السور ومن كل الجهات، وبخطوط متفاوتة في التنسيق والبروز والحجم.

(الآن تذهبون إلى نومكم مطمئنين)، بمثل هذه العبارة عادوا يصافحون أنفسهم.

* * *

في هدأة تلك الليلة، والظلام يفترش الأزقة والصمت أكفان، ضج فجأة تهامس له فحيح الثعابين.

كان السور الواقف في المنتصف يتلظى في الحيرة بين ذلك الهدوء الذي غلف منازل أهل القرية، وبين ذلك الضجيج المنبعث من القبور التي قد أحاط بها، حتى اقترب أقرب قبر منه وراح يهمس له:

- أخذ السور يرهف سمعه لذلك الهمس إلى أن بدت ابتسامة غامضة تحتل طول عرضه بالكامل، وعاد بعدها يرمق بنظراته تلك المنازل المدفونة في الصمت والظلام، ثم بدأ يتقدم ومن خلفه القبور...

وعند هذه اللحظة دوت من وسط السحاب كالهزيم قهقهة.


نشرت في المجلة العربية العدد (490)
ذو القعدة 1438 هـ- أغسطس 2017 م

w w w .    A    r    a    b    i    c    S    t    o    r    y    . n e t

جميع الحقوق محفوظة لشبكة القصة العربية 2001-2007