[ أهلاً بالضيف الكريم ] 
للتسجيل
أنت الزائر رقم

إحصائيات الموقع

الدول المشاركة
عدد الكتَّاب
عدد النصوص
عدد الكتب
عدد التعليقات
عدد القراءات
عدد التوقيعات
عدد المشتركين
كتَّاب في الانتظار
نصوص في الانتظار
 
نبرة حب غائم  نبرة حب غائم
التاريخ:  القراءات:(59) قراءة  التعليقات:(0) لا يوجد تعليق  إهداء لصديق طباعة التعليقات أضف للمفضلة

  قصة ، من : لطيفة القحطاني  

" على سبيل أني نسيتك و أن خطة الزمن نجحتْ معي و أن ما خلف الموت قد يأتي بحياة أُخرى ذات تطلع ، ها أنا أتجنب الحديث عنك على مناضدهم ، بين شكاياتهم و تذمرهم ، أحقق كذبةً كبرى تُرجئك في فراغ النظرة الشاخصةٍ في بهوها ذاكرةً أقوى ، من سوء حظ دعمهم أنهم في كل مرة يتفقون فيها على نزهةٍ تواري معالمك يقعون في مصيدة لازال لرائحة كفك بها عطر (التو) النافذ صريره لكل هدوء تمنحه لي الأمكنة ".

كانت تلك الكلمات مدونة في أخر ورقة من دفترها الملقى على أريكة في أقصى زاويةٍ من حجرتها و المقابلة بذلك لفرجة الباب ، سريرها الموحش فضاءٌ فراغه منذ أيام يدعو لنشر أمنية عودتها سريعاً بين جنبات صمت يوخز و يبتسم لذكراها المخطوفة ما بين أُنسِ تخرجها و حزن كل ما تركته خلفها .

لم أنم بما يشبع رجل عاشق منذ رحيلها ، فكل مسافة ما استغرقنيه على الوسادة كان غفوة حمقاء ، تديّر رحى القلق المبطن تحت عينين مغمضتين ، حاربتُ السهر من خلال ذلك المشهد البارد الذي استسلمتُ له بعد أن طوفتُ مُشتماً أشياء ( ورود) التي تركتْها متعمدةً كنقمة لذكريات تملؤها و كأنها بذلك تَعِدُّ مؤامرةً عليّ ، تخلع من خلالها معطفٌ كثّ في صيف رهيب ، حملها إياه الآخرون و كان جدير بها أن تورثه لشقي مثلي بعدها ، اشتقتُ لها بما لم يكن في حسبان قلبي ، نوبة الصرع التي كانت تنتابها أمام عيني أيضاً اشتقتها ، اشتقت لرجفة كنت اخشى رفيفها بل أرتعبه و أقسم بصمتي أن أتجاهل ندائها في المرة القادمة ، عندما تشعر بدوار سيصعق عالمها بما يشبه السواد و الأخذة الرابية ، ( كان الأولى بكِ أن تطببي نفسكِ من ذلك الداء اللعين و تدعي عنك دراسة الفلسفة و علاقتها بقوانين النفس الانسانية ، إن ذلك أشرف ) كانت تخالجني رغبة ساحقة في لفظها لها كي تكف عن مناداتي في ذلك الظرف القاسي الذي تُحكِم به في صوتها باسمي على أصابع قلبي وقت صرعة الباب ، تصحو بعده ، لتنكفى على حسرتها و أنا أخرج بصمت كمن أُعِدتْ له كامل كفه بعد رضة كادت تفقده طرفها ، ثم سحقاً لامرأة تكتب لرجل أمام رجل أحبها ، تمرض أمامه ، تسقط مغشياً عليها ، ليرتجف عالمه الجميل بين يديه ، برد مسألة . هذا بحد ذاته تزمت انساني بالخطيئة في حق مشاعر أخرى مصابة ، تنفُسها المتسارع و عضها المتشنج أيضاً يُرغي من فم القلب ما يُخجله بعد انفعال النجدة نبضاً مجنوناً .

سماعاتها التي كنت استعيرها كي احتفل مع أنس بعيد ميلاده طوال الثلاثة أعوام كانت تلفها لي في ورق جريدة عانقه شريطُ ساتان أحمر أعرف أنه رباط بجامتها ، تجمّل ما يحدث بيننا بأبسط الأمور المثيرة ، تعد قهوتها في ساعةٍ مبكرةٍ تثير حافظة أنفي التي ماتزال بين الوسائد و الحلم ، تقنع النهار أنه بلقاءها أجمل فتنهض حواسي و خطواتي الثقيلة بدفع مشتهى أخرج فيه للممر كي أصادف خروجها الباكر فبعدها لن أراها إلا متشنجة أو إلى صدفة صباح آخر ألتزم فيها بتباعد المباغتة في ذلك الممر و صناعة روتين يتعلق بجدولٍ اسبوعي أصنعه حسب حاجتي للقاءها و خروجي للجامعة بما يناسبني خاصة أن دراستي في مجال تبعد هي عن معرفة تفاصيله و شيءٌ يخص الدراسات العليا التي تتيح بعض الحرية في أن أكذب كما يحلو لي ، ويحلو للصدف أن تُخلْق ، و للكلام أن ينشئ ، و العين أن تُبصر و القلب أن يشرب ، تركُها للسكن الليلة قبل الماضية و عودتها لقريتها بين جبال أوكايمدن من غير وداع يُخبر المفاصل أن برد الأيام القادمة شديد و أن العمر الذي أخذته بشبابه واهنٌ ما بعده من أيام ، أخذتُ دفترها و كوب القهوة و شمعة كانت تضعها على الأرض لضخامتها ، كانت تشعلها في المناسبات فقط ،ابتاعتها في الصيف الماضي الذي لم تعد فيه لبلدتها .

أذكر أني عدت بعد تلك الإجازة الطويلة في ليلة خريفية باردة كانت تحتفل فيها هي و زميلات لها في باحة حجرتها الصغيرة و التي كانت تدمدم من صخب ما تفجره سماعتها التي في حجم القبضة من صوت ، مما أثار السيدة زينب و عائلتها التي كانت تفضل الطلبة المتفوقين في دراستهم ، تُأجر بناءً على المعدل الأخير و شهادة السلوك الموقعة من قبل مسؤول تثق برأيه ، بل و تقدم لهم إزاء ذلك بعض الخدمات الأخرى البسيطة مجاناً ، تقول المجتهد الذي جاء ليتفوق هو بالأحرى نظيف و متعاون و لن يُثقل كاهلها برائحة عفنة تنبعث في البيت .

وقتها و أثناء صعودي صادفت السيدة و هي تصعد الدرج على مهل و تغمغم ( ورود جُنت ) ، حييتها بابتسامة المشتاق متجاوزاً إياها و دندنة مفاتيحي أكاد لا أسمعها و هي في يدي من علو صوت الأغاني الراقصة في حجرة ورود ، كنتُ في عجلة من أمري كي ألتقط ما بحوزة درج لي كنت أضع به بعض الأوراق النقدية من العملة الاسبانية حيث لم أتمكن من صِرافة شيء منها كأوراق تسد حاجة توصيلي المتأخر حينها ، هبطتُ مسرعاً و السيدة زينب في وقفتها أمام غرفة ورود تطرق الباب بأدب الـمتأذي الصابر ، كان السائق قد وضع حقيبتي الأخرى عند باب البيت و مضى يشكر زوج السيدة زينب ، امتنيت لذلك و دفعتها له .

هممت بكلتا يدي على أطراف الحقيبة و رفعتها إلى أن استقرت على راسي بشكل مستوي و اعتليت السلم صعوداً ، وقتها انقطع الصوت ، استقرت عيناي على ورود كانت في الممر الذي ينصفه انزلاق الدرجات للأسفل ، و الذي كانت حجرتينا بمثابة جناحين له يجمعها ممر فتحاته تتمثل في بابي الحجرتين و نزلةُ الدرجات ، لمحتني ، ابتسمتْ و قطعتْ الممر إليّ حيتني سارقةً بذلك كل شيء ، ( انزل الحقيبة ) قالتها و ثغرها يختصر ابتسامة العالم بين شفتين ، عدتُ لي و التصقتْ هي في ذهني و كل خيالتي .

كانت وقتها حجرتي تعرفني منذ السنتين و هي منذ السنة تقريباً ، كانت قد طرقت عليّ خلالها الباب و طلبت مني أن أساعدها في تغيير مصباح السقف الذي يعلو كثيراً و أثناء ذلك وقعتْ بعد صرخات متقطعة كانت استنجاداتٌ خلفها ما يروع من مواجهة ثم وقعتْ مغشياً عليها تعاني الرجفة و الصمت القاتل ، و منذ ذلك الوقت رأفة قلبي بها تستجيب لتلك الصرخات و اعتادتْ هي ترك باب حجرتها بلا قفل ، في كل مرة أراها يتكرر شيء لم أفسر كنهه ، قبضَ على إحساسي بها بكل عواطفه ، و هاهي رحلتْ ، رحلت كي تلقن الحب درساً آخراً في الوفاء .

ورود عندما توحدت في هذه الحجرة كانت من أجل أن تحافظ على ذاكرة رجل في حياتها ، كانت تحب أحمقاً تركها في درب حبٍ كل غابات التخلي كانت في متاهات ما ينتهي به ظلمةً و وحدةً . تسللت من بين طالبات السكن الجماعي كي تبر الحب بشكل يناسبها و يحرر الألم رجفات تأكل منها بعضها بهدوء .

( لم تشأ أن تودعك ، فقط أوصتْ أن لك ما تشأ من حاجيات حجرتها ، و ذهبتْ ، لقد أنهتْ دراستها ) قالتها السيدة زينب بعد عودتي مساءً ، دخلت الحجرة بعد أن تركت لنفسي فرصة التصديق أنها رحلتْ ، و ها أنا أجرح ذاكرتي بتقليب ألمي بها غيبياً ، و أُنكر ما سيُقبِل بما قد إلتصق .

بقلم / لطيفة القحطاني ،

w w w .    A    r    a    b    i    c    S    t    o    r    y    . n e t

جميع الحقوق محفوظة لشبكة القصة العربية 2001-2007