[ أهلاً بالضيف الكريم ] 
للتسجيل
أنت الزائر رقم

إحصائيات الموقع

الدول المشاركة
عدد الكتَّاب
عدد النصوص
عدد الكتب
عدد التعليقات
عدد القراءات
عدد التوقيعات
عدد المشتركين
كتَّاب في الانتظار
نصوص في الانتظار
 
الشياخ ق.ق
التاريخ:  القراءات:(30) قراءة  التعليقات:(0) لا يوجد تعليق  إهداء لصديق طباعة التعليقات أضف للمفضلة

  قصة ، من : أحمد خضرى عرابى  
- 1 -

جلست فى حيرة وصمت أمام المقهى المجاور لأحد المراكز البحثية الكبيرة المتخصصة فى علاج الأمراض النادرة أتأمل فى وجوه الناس منتظراً ذلك القادم بالأمل والذى لا أعرف ملامح وجهه فتصير كل الوجوه انعكاساً لوجهه الغامض , يأتينى إتصال هاتفى من أمل زوجتى تطمئن فيه على الأخبار فأجيبها بالحمد لله وأطلب منها الدعاء , عقب إنتهاء المكالمة يغمرنى ضوء براق وكأنه يأتى من أعماق كهف بعيد مظلم فيضئ تلك العتمة التى ظلت ترافقنا ,أنا وزوجى وإبنى , منذ ولادة حمزة إبننا الثانى والذى جاء إلى الدنيا يرافقه المرض , يحمل فوق وجهه ملامح كهل عجوز يقترب من الستين وكأن الله قد إختاره من بين الملايين ليصاب بذلك المرض , مرض الشياخ " بروجيريا" , لم أفهم حالته حينها , ظننت أنها كحالة بنجامين بوتين فى ذلك الفيلم والتى يولد الطفل فيها بصفات جسديه وملامح شخص عجوز ثم يصغر مع مرور الوقت ولكنى اكتشفت بعدها طبيعة المرض وأن حمزة سيظل حاملاً لتلك الملامح إلى أن يموت وعادة ما يموت من يصاب بهذا المرض فى منتصف سن المراهقة وأوائل العشرينات , حينها وجدت أبيات صلاح جاهين تتجسد فى طفلى الصغير وظللت أرددها لنفسى حين ينتابنى اليأس لأتذكر ما يشعر به حمزة حين ينظر فى عيون الآخرين , فرحت أردد الأبيات بينى وبين نفسى مع تغيير كلمة شاب بطفل قائلاً :

أنا طفل لكن عمرى ألف عام

وحيد لكن بين ضلوعى زحام

خايف ولكن خوفى مـنـى أنـا

أخرس ولكن قلبى مليان كلام

- 2 -

كان سبب جلوسى فى ذلك المقهى حين ذهبت لذلك المركز المتخصص فى رصد ومتابعة الحلات المرضية النادرة والتى ليس لها علاج حتى الآن لمحاولة الحصول على أى مساعدة ممكنة أخفف بها من معاناة حمزة ولكن للأسف أخبرنى القائمين على المركز بأنهم لا يقبلون تلك الحالة لأسباب عديدة منها عدم وجود حالات تكفى لإجراء أبحاث عليها بصورة مكثفة عالمياً بالإضافة للتكلفة المرتفعة للأبحاث وأسباب أخرى علمية وتقنية تفوق مستوى استيعابى للأمر , فجررت أذيال الخيبة خارجاً من المركز ينتابنى ذلك الشعور المعتاد بالخذلان الذى يأتى فى كل مرة لا يصاحبنى التوفيق فيها , فإذا بأحد الأخصائيين فى المركز ينادى علىَ فتوقفت لإستبيان أمره , أخبرنى أنه يعرف أحد المعالجين الغير عاملين بالمركز من المترددين عليه والذى قد يهتم بهذه الحالة وطلب منى الإنتظار فى المقهى المجاور لحين الإنتهاء من العمل وسوف يهاتف ذلك المعالج ويحضران لمقابلتى .. ربما .. ربما يكون هنالك حل لحالة إبنى المريض , وها أنا انتظر قدومهما حسب الموعد المتفق عليه بيننا .

هاتفت الجريدة لأخبرهم عدم تمكنى من الحضور فى موعدى المحدد لتسليم المقال الإسبوعى وانتظرت فى مكانى أحتسى أقداح القهوة المتتالية مخرجاً بعض الأوراق والأقلام فى محاولة لكسر حدة التوتر بالكتابة ولكنى لم أتمكن من الإمساك بأى خيط يساعدنى على إتمام مقال صحفى يستحق النشر , كانت كلها مجرد هوامش وأفكار لم تتبلور فى صورتها الكاملة , كان هذا الشعور يتملكنى كلما ظهر أى ضوء فى الطريق المظلم يبعث الأمل فى علاج حمزة إلا أن ذلك الضوء لا يلبث أن يتلاشى بعد زمن قليل , وهذا كان السبب الرئيسى فى عدم الإتزان الذى يرافق حياتى المهنية منذ ولادة حمزة رغم أن الصحافة مهنة التوتر والمخاطر إلا أن المشتغلين بها على الحياد من الأزمات التى يكتبون عنها أما أنا فقد كنت مغموساً فى مشكلتى حتى الحلق وكل محاولة للكتابة كانت محاولة للكتابة عنى وعن حمزة وعن ذلك المجتمع الظالم الذى يعجز عن منحه أى أمل فى العلاج .

بعد الظهيرة بساعة أو أكثر حضر الأخصائى حسب الميعاد ومعه المعالج حسام وهو رجل فى منتصف العقد السادس من العمر أشيب الفودين يرتدى ملابس بسيطة قميص وبنطال بنى اللون وعلمت أنه طبيب متقاعد درس العلوم الكيميائية بجانب الطب لشغفه بالعلوم وأنه يجرى أبحاث على تلك النوعية من الأمراض التى تسبب خللاً فى وظائف الخلايا مثل السرطانات والبروجيريا وغيرها .., بعد أن تعارفنا تركنا الأخصائى ـ واسطة الخير ـ لنكمل حديثنا ونتفق على ما يمكن تقديمه لإبنى حمزة من مساعدة ممكنة .

أخبرنى أنه يجرى بحوثاً منذ فترة طويلة على حالات تعانى من خلل مشابه ولكنها المرة الأولى التى يقابل فيها حالة مصابة بالشياخ وأنه يحتاج لمتطوع لإكمال البحوث النظرية وأنه يضمن الشفاء لإبنى بمعدل سبعين فى المائه فى حال صحة نظريته العلمية , ودار الحوار بيننا عن تاريخه العلمى وحياته ونوع العلاج وكان حديثه مطمئناً إلى حد كبير أو أننى كنت أريد الإرتكان إلى أى قشة أمل تنجى من الغرق فآثرت تصديقه والإطمئنان إلى كلامه خاصة حين قرر أن البرنامج العلاجى الذى سيطبقه على إبنى حال موافقتى لا يمنعه من أن يتابع أى طريقة أخرى للعلاج مع طبيب آخر ويمكن لى التأكد من كل خطوة نخطوها معاً عند أى طبيب أختاره .

كان صادقاً فلم يكذب على فى شئ حتى أنه قرر لى أنه يأتى إلى المركز على فترات مختلفة يطلب من بعض المرضى المصابين بالسرطان والحالات الميئوس منها التطوع لتجربة العلاج ولكن أغلبهم كان يرفض ذلك لعدم وجود مظلة رسمية مضيفاً أنه لا يحمل تراخيص تبيح له إجراء الأبحاث والتجارب على البشر وأن ذلك الفعل محرم قانوناً ولكنه يعلم أنه لا سبيل لعلاج إبنى وتجربة نظريته ووضعها فى حيز التنفيذ إلا مخالفة القانون خاصة مع عدم وجود أى مكان فى الوطن العربى يستقبل مثل هذه الحالة أو يعرف لها علاج وأنه سيضحى بنفسه ويتعرض للسجن فى حال وقوعه تحت طائلة القانون .

افترقنا بعد أن اتفقنا على أن نتقابل مساء اليوم التالى ونذهب لأحد الأطباء من أقاربى والذى شرحت له الأمر وطلبت منه التحاور مع حسام والتأكد منه أنه لن تكون هناك أى خطورة على صحة حمزة ابنى أو حياته وأن تلك التجارب آمنة تماماً , وقد كان وتم اللقاء والذى كان يدور أغلبه حول المصطلحات الطبية والنقاش الطبى الذى لم استوعب مجمله إلى أن هز قريبى الطبيب رأسه لى دليلاً على الموافقة مؤمناً على كلامه بالقول :

ـ أعتقد أنه لا خطورة فى الأمر ولا مانع عندى من وضع حمزة فى برنامج العلاج الذى حدده الدكتور حسام لعل وعسى ... أن يأتى الأمر بالخير .

- 3 -

فى صباح اليوم التالى زارنا حسام فى المنزل والتقى بحمزة وظل يلعب معه ويداعبه لساعتين قام بعدها بفحصه والكشف عليه ظاهرياً ثم أخرج ورقة وقلماً من جيبه وقال لى وهو يكتب : ـ أريد منك أن تجرى له تلك الأشعة والتحاليل حتى نبدأ خطة العلاج التى قد تستمر لستة أشهر ويجب عليه أن يتبع النظام الغذائى المكتوب بحذافيره دون أى تغيير .

أخذت الورقة كأنى وجدت كنزاً فى بيتنا القديم أثناء اللعب , فرحت بها فرحاً شديداً كأنها ماء الحياة , كان كل البيت يشاركنى هذا الشعور , زوجتى وإبنى محمد وأنا وحسام , كنا نقرأ التعليمات كمن يقرأ ورقة الأسئلة داخل لجنة الإمتحان , وقد أعلن الجميع حالة الإستنفار العام فى الأيام القليلة التالية , كان البيت يشع ببهجة خفية وأمل يطرق الباب على إستحياء وبدا ذلك واضحاً من البسمة التى ملأت الوجوه والهدوء الذى صرع التوتر الذى كان مصاحباً لكل حركة فى حياتنا , كنا جميعاً نشارك حمزة خطوة فخطوة رحلة العلاج والشفاء من المرض دون أن يطرق بابنا هاجس الفشل .,

كل شئ صار مرتباً ومنظماً وكلنا كنا رقيب عليه , أنواع الطعام والخضروات والفاكهة ونسبها ومواعيد تناولها , المطهرات والأدوية , الرياضة اليومية , مواعيد النوم والإستيقاظ , جلسات التشمس ,كل شئ أصبح يسير كعقارب الساعة بإنتظام وإذا نسيت زوجتى شئ ذكرتها به أو فعل ذلك محمد وإن نسيت أنا شئ ذكرنى به الآخرون , كان لدى الجميع إقبال عجيب على النجاح والحياة وانعكس ذلك علينا جميعا , فتضاعفت ساعات المذاكرة عند محمد الذى كان يستعد لإمتحانات الدراسة الثانوية , واختفت نبرة الحدة فى صوت أم حمزة وتلاشت ارتعاشة يدها وهى تقوم بواجبات المنزل , وانتهت أوقات التشتت التى تتملكنى عند الكتابة فصرت أرى الأمور كما أريد أن أكتبها وأكتبها كما أراها بعين الحقيقة الخبيرة ويبدو أن التشتت قد إنتهى مع مواجهتى لخوفى المقيم وحزنى الدائم على حمزة تغلبت على تلك المخاوف تحديداً مع كتابتى عن حمزة ومرضه حين كتبت عن ذلك المعالج الذى جمعنى به القدر وعن خطته لعلاج إبنى والتى سيقوم بها ـ مع جعل اسمه مجهولاً إلى حين إنتهاء العلاج وظهور نتائجه المرجوه ـ , تسائلت أيضاً عن دور الدولة فى رعاية البحث العلمى ومدى جديتها فى ذلك بغض النظر عن الجهود الفردية القائمة على التبرعات وهل تكفى كل أموال الدنيا للعلاج إذا لم يكن هناك علم يلجأ البشر إليه , هل يجب على العلماء العمل فى الخفاء ومخالفة القانون لإجراء الأبحاث أم يجب على الدولة توفير المراكز البحثية لهم , هل يجب على من يعالج إبنى أن يخفى هويته خوفاً من العقاب أم أن أبسط حقوقه أن يعمل فى النور وفى ظل رعاية الدولة ....وهل ؟!

وهل...؟!

وهل......؟!

- 4 -

بعد مجهود شاق استطعت أن أقنع رئيس التحرير بالموافقة على نشر المقال فى الجريدة ورغم أن عدد القراء قليل إلا أن الدكتور حسام قد قرأ المقال بعد أن عرضته عليه رغم عدم اهتمامه بالصحافه وأظهر إعجابه بما كتبت أيضاً إلا إنه قال لى بإبتسامة شاحبة :

ـ أريدك أن تلتقى ببعض الأصدقاء الذين يقدرون قيمة ما كتبته .

فى اليوم التالى ذهبت مع حسام لمقابلة الأصدقاء الذين تكلم عنهم , كانوا عبارة عن مجموعة من المخترعين كونوا فيما بينهم رابطة تسمى " رابطة المخترعين المصريين " يجلسون عادة مرة كل شهر للحديث والتشاور وتبادل الخبرات .,

قلت لحسام أنى رأيت صفحة لتلك الرابطة على "الفيسبوك" ذات مرة حين كنت أتصفح صفحته الشخصية واندهشت حينها عندما رأيت منشورات الصفحة لا تحظى بأكثر من سبعة إعجابات وهو عدد أعضاء الرابطة .

ضحك حسام ومعه أعضاء الرابطة الحضور ثم قال لى :

ـ هذا ما كنت أريد أن أقوله لك , لا أحد يهتم بنا أو بما كتبته إلا عدد قليل جداً من الناس وهم أصحاب الشأن , نحن من يقدر قيمتك بالنسبة لنا أما الجماهير فتتعامل مع القضايا المهمة كأنها خبر من أخبار نشرة الأخبار الغرض منها معرفة ماذا يجرى دون أدنى محاولة منهم للإصلاح .

تحدثنا عن الأحوال وظروف البلاد وعن العلم والمعرفة والإختراعات الحديثة وعن أحوالهم وحياتهم الشخصية , كانوا بشر مثلنا إلا أن الله قد حباهم بالعقل والموهبة , منهم من اخترع أشياء تنفع البشرية وتنير المستقبل ولكنهم لم يستفيدوا منها بشئ ولم يرد المجتمع أن يستفيد أيضاً , حدثنى أحدهم عن إختراعه , بديلاً لحديد التسليح من البلاستيك المضغوط المقوى والذى هو أرخص وأقوى وأكثر فائدة من الحديد المستخدم فى البناء , وبعد أن حاز براءة إختراع له وعرض على شاشات التلفاز لم يهتم أحد بتطبيق الفكرة , أو تجاهلوها عن عمد والسبب فى رأيه كان حماية صناعة الحديد الصلب فى المنطقة , فكيف يتم الإستغناء عن تلك المصانع والعمال والصناعة الكبرى فى مقابل إفساح المجال لإختراعه , هناك جهات كثيرة ستهتم بلا شك بألا يصل إختراعه للنور , ومنهم إيضاً من تم النصب عليه بصورة أو بإخرى , وغيرها من الإختراعات والإكتشافات التى كان مقدر لها ألا ترى النور أو تجد طريقها فى ركب العلم والمعرفة .

بعد أن عدت للمنزل وجدت نفسى محملاً بقدر كبير من الشجن والرغبة فى الكتابة عن ذلك اليوم رغم تأكدى أن ما أكتبه لا يعادل قطرة فى بحر واسع عميق متلاطم الأمواج إلا أنى أمسكت بالورق والقلم وشرعت فى كتابة بعض الخواطر عن تلك الرابطة وذلك اليوم .

- 5 -

تتوالى الزيارات المنزلية لحسام على منزلنا الذى أصبح بعد وقت قليل منزله الثانى فأصبحت إقامته عندنا إقامة شبه دائمة خاصة فى ظل التحسن الملحوظ لحالة إبنى وظهور علامات الشفاء تدريجياً عليه , بدأت التجاعيد فى الإختفاء رويداً رويداً وحل محلها بشرة طبيعية لطفل صغير وزاد وزنه بضع كيلوجرامات مما جعل المنزل بأكمله فى حالة من الحبور والفرح يمكن لأى شخص عابر ملاحظتها , ولكن حسام كان يبدو عليه التحفظ من ذلك التحسن ويقول دائماً :

ـ الفرحة الكبيرة عند تمام الشفاء , فأخشى ما أخشاه أن تتوقف الخلايا عن مقاومة المرض بعد فترة ويصاب بإنتكاسة تعيده إلى حالته الأولى مرة أخرى .

ولكنا لم نكن نهتم بشئ , كانت تلك اللحظات القليلة التى مرت علينا وتذوقنا فيها طعم السعادة والسرور تكفى لتحمل أى نتيجة سيئة قد تحدث فى المستقبل خاصة مع ظهور علامات السعادة على وجه ابنى المريض مع ميلاد الأمل الذى ظل غائباً عنه وعنا لسنوات طويلة , كنا وكأننا نتذوق طعم الحياة لأول مرة فى منزلنا الصغير , تلك البهجة التى يصنعها وجه طفل صغير يزوره الإشراق للمرة الأولى فى حياته القصيرة .

كان كل شئ مهيأ للفرح فى ذلك الوقت فلم يكن من الغريب أن ينجح إبننا الأكبر محمد فى الثانوية ويحصل على درجات تؤهله ليدخل كلية الطب ويصبح طبيباً بعد تعثره فى السنوات السابقة فى التعليم فكانت مفاجأة سارة للجميع , ولأول مرة منذ زمن بعيد يدخل بيتنا صوت الزغاريد والتى تناوب فى إطلاقها الجيران وزوجتى وأقاربنا حين كانوا يأتون للمباركة .

ذات مساء رأيت محمد يجلس على غير عادته وكأن شئ ما يعكر تلك الفرحة بنجاحه التى تتملكنا جميعاً , فإقتربت منه وسألته عن السبب فأجابنى بأنه لا يفهم السبب فى كون الحياة غير عادلة أحياناً , تعجبت من قوله لتلك العبارة فى هذا التوقيت بالذات , وكل شئ يبدأ فى الإنصلاح من حولنا بصورة مبشرة ومبهجة للجميع وتخيلت أنه يقول ذلك لما مررنا به فى السابق وأنه يظن أنه من غير العدل أن يصاب طفل صغير كأخيه بالشياخ دون أى ذنب ارتكبه فى حياته ولكنه استطرد فى الحديث شارحاً ما يجول بخاطره , وحكى عن زميله فى لجنة الإمتحان والذى حصل على أعلى الدرجات ودخل كلية الطب هذا العام وكيف أنه كان يجلس أمامه فى لجنة الإمتحان ولا يكتب أى شئ ويخرج بعد نصف الوقت والإمتحان يحتاج إلى أكثر من الوقت المسموح به ليتمكن الممتحن من الإجابه عليه وإنهائه , كيف يستوى من إجتهد وأجاب ومن لم يجتهد ولم يكمل الإجابة , وكيف حصل زميله على تلك الدرجات دون إجابة .؟!

تذكرت صاحبى وزميلى فى الكلية والذى كان نجل أحد الأساتذة الذين يدرسون لنا بعض المواد حين كان رفيقى ويجلس بجوارى فى لجان الإمتحانات ويتوقف عن الكتابة بعد ربع الوقت ويخرج بعد نصف الوقت من اللجنة رغم كون الإمتحانات تحتاج إلى ساعة إضافية لإكمال الإجابة على نحو صحيح , وكيف أنه نجح فى الكلية وأصبح الأول على دفعته رغم كونه لا يفقه شئ مما ندرسه وكيف أن زميلنا الآخر عبقرى الدفعة لم يصبح من الأوائل ولم يعين فى الجامعة أو فى أى مكان آخر رغم مستواه العلمى الفعلى المرتفع , حينها سألت صديقى نجل أستاذى على استحياء عن السر وراء عدم كون زميلنا عبقرى الدفعة من الأوائل , فقال لى بثقة :

ـ كيف تسمح الدولة لأى شخص بأن يكون استاذاً فى الجامعة ويدرس للطلبة ويبث وينفث سمومه فى الأجيال القادمة دون أن تكون هنالك رقابة تمنع حدوث ذلك من المنبع .. إن المعركة هنا معركة هوية وطن يجب أن ينشأ الأجيال القادمة فيه على أسس سليمة وقومية ووطنية صادقة .

ولأنه كان صديقى فقد وافقته وقتها على غير إقتناع , وقلت فى نفسى ربما يكون على حق .

أما الآن فقد وقفت عاجزاً أمام ولدى محمد , ولم أعرف بماذا أجيبه , ولم أجد جواباً كافياً يرضى فضوله فأخذته من يده وذهبت به إلى الشرفه وقلت له :

ـ ما الذى تراه أمامك ؟

أجابنى :

ـ شرفة الجيران

قلت له :

ـ وما الذى وراء الشرفة

قال لى :

ـ لا أعلم , ربما بعض جيراننا

قلت له وأنا غير مقتنع :

ـ هكذا هى الحياة هناك أشياء تظهر لك وتراها وهناك أشياء لا يمكن أن تراها , وهناك أشياء قد تظهر لك بغير صورتها التى تراها بها , وأكيد أن لكل شئ سبب قد يعلمه البعض ولا يعلمه البعض الآخر , المهم فى الأمر أنك نجحت ودخلت كلية الطب ولا شأن لنا بالآخرين , ربما يكون هناك أشياء لم نتمكن من رؤيتها ولكنها موجودة بالفعل , فلا تشغل بالك بأى شئ آخر .

لم أكن مقتنعاً بما قلته لإبنى ولكنى كنت متأكداً أن كلمات صديقى نجل الأستاذ الجامعى كلمات يملؤها الجور وغير صحيحة بالمرة .

- 6 -

يتأخر حسام على ميعاده اليومى معنا على غير العادة , أتصل به على هاتفه الجوال فترد على زوجه وتخبرنى أنه مريض وملازم الفراش ولا تستطيع إيقاظه الآن فأستعلم منها عن عنوان سكنهم وأتوجه إليه وأطرق الباب , تفتح لى زوجه وتقودنى إلى فراشه فأرى المنزل خالياً من الأساس فيقفز إلى ذهنى أنهم على وشك الإنتقال لمنزل آخر , أدخل على حسام فأراه ممدداً فى السرير بلا حول ولا قوة وتبدو عليه علامات المرض , بعد التحية والسلام وسؤاله على حاله وعما أصابه اعرف منه أنه مصاب بنزلة شعبية حادة وأنه سيظل يوم أو يومين فى الفراش إلى أن يستكمل العلاج ويضيف أنه أمر بسيط ولا يستدعى القلق .

أسأله عن أساس المنزل :

ـ يبدو أنكم ستنتقلون إلى منزل جديد , فأنا لا أرى أى أساس بالمنزل يا حسام ؟

يجيبنى بالنفى , مضيفاً أنه يشعر بالحرج لرؤيتى المكان على هذا الشكل ويقول :

ـ هذا ما تبقى من أساس المنزل

ثم يضيف :

ـ لا داعى للدهشة , هذه ظروف مؤقتة بإذن الله , لقد اضطررت لبيع أساس المنزل لإكمال بعض البحوث الناقصة عندى , فقد رأيت وأنا فى نهاية العمر أنها أشياء يمكن الإستغناء عنها خاصة مع إحالتى للتقاعد وسفر إبنى للعمل فى الخارج وكما تعلم فالزيارات تكاد تكون منعدمة ومن يزورنى لا يعتبر من الأغراب , فرأيت أنه من المناسب أن أستكمل بحوثى قبل أن أقابل وجه رب كريم .

لم أجد الكلمات المناسبة لأرد بها عليه ولكنى واسيته ببعض العبارات الرقيقة مع عرض بسيط للمساهمة بالمال فى تلك الأبحاث أو تجديد أساس المنزل ولكنه أصر على الرفض مؤكداً أنه سيطلب منى إذا إحتاج لأى شئ , ولم يغب عنه أن يعطينى التعليمات الخاصة بجرعات العلاج مؤكداً أن حالة إبنى قد أوشكت على الشفاء التام وأنه سيأتى لزيارته والإطمئنان عليه غداً أو بعد غد على أكثر تقدير .

خرجت من عند حسام وأنا أفكر فى حاله وكيف وصلت به الدنيا إلى ما هو فيه وأتسائل هل يوجد بالفعل رجال فى هذا الزمان على شاكلته أم أنه حالة فردية عثرت عليها بالمصادفة المحضة , وهل نحن مطالبون تجاه الرجال من أمثال حسام بأى شئ , وجدتنى لا أملك شئ لأفعله له سوى الكلمات , تلك الحيلة التى بيدى والتى قد لا تسمن ولا تغنى من جوع ولكنها على الأقل إعلانا للتضامن معه ومع أمثاله من الرجال الذين يندر وجودهم فى مجتمعاتنا الطاردة للإبداع والعلم , ما أن وصلت للمنزل حتى جلست فى غرفة مكتبى غارقا فى الأفكار ومحاولا الكتابة عن تجربة حسام وعن حاله وكيف وصل به الأمر لبيع أثاث بيته لإستكمال أبحاثه والتى قد تنتهى بنتيجة سلبية مع حرصى على أن تكون هويته خفية , غير معلنة , خوفا من يد القانون التى ستمنعه بالتأكيد من استكمال مشروعه البحثى لعدم وجود مظلة وغطاء رسمى لذلك رغم استحقاقه لكل التقدير والتحية والمساعدة الممكنة من الدولة ومن المجتمع .

بعد إنتهائى من المقال شعرت بحالة عجيبة من السعادة ومن الرضا عن النفس ربما لأنى أرضيت غرور الكاتب لدى فى الدفاع عن قضية عادلة وربما لكون القدر منحنى الفرصة فى أن يدخل شخص فى قيمة حسام يكرس حياته للعلم لحياتى عديمة القيمة أو ربما لأننى اكتشفت أن الوطن لم يصبح عقيما وأنجب رجال ما زالوا بكل هذا النبل .

- 7 -

مرت أيام قليلة على زيارتى لحسام كان كل شئ يسير على ما يرام فى ظل المعجزة الصغيرة التى تحدث فى بيتى , أما فى العمل فقد كان كما عهدته لا شئ جديد يحدث غير أنه ذات صباح جاء صديقى الأديب والشاعر بوجه عبوث تبدو عليه علامات عدم الرضا , سألته عن السبب فأجابنى أنه تقدم منذ فترة لمسابقة جماهيرية يتم إذاعتها عبر القنوات الفضائية وشاشات التلفاز وأنه بعد أن تقابل مع اللجنة المنظمة تم رفضه لا لضعف إبداعه ولكن على حد قول معدة البرنامج ( إن وجهك لا يصلح للظهور الإعلامى ولا يمثل الهوية التى ترغب اللجنة فى ترشيحها للفوز هذا العام ) .

كان الأمر صادماً بالنسبة لصديقى وبالنسبة لى أيضاً فلم أكن أعتقد أن يتم رفضه بمثل تلك الطريقة الفجة خاصة وأنا أعلم أنه من القلائل الذين يقدمون للحركة الأدبية إبداعاً عالى الجودة , نظرت إلى حالى وحال ولدى المريض فقبض قلبى , ترى هل يمكن أن يكون المجتمع بكل هذه القسوة , هل يمكن أن يأخذ المريض حقه فى حين لم يحدث ذلك للسليم المعافى ؟!

تأملت كلمات معدة البرامج ( إن وجهك لا يصلح للظهور الإعلامى ...) وقارنت بين وجه صديقى الأديب وبين وجه إبنى المريض , ترى أيهما أجمل ,؟!

تخيلت مجتمع كامل مريض بالشياخ لا يقوى أحد منه على النظر فى وجه الآخر طوال فترة مكوثى فى الجريدة وظلت وجوه الناس فى الشارع وفى كل مكان تتحول أمامى إلى وجوه مسنة وعجوز ومصابة بالشياخ كأننى فى أحد أفلام الرعب إلى أن وصلت للمنزل .

كان حسام فى المنزل يتابع حالة الشياخ الوحيدة التى قابلتها فى حياتى وما أن أبصرنى حتى أقبل متهللاً يزف لى البشرى أن التحاليل قد جائت مبشرة هذه المرة وأن إبنى قد أوشك على الشفاء وإكتمال العلاج , لا أعرف تحديداً كيف تقبلت الخبر ولكنى أذكر جيداً ذلك الشعور الذى يغمرنى كان كل شئ حولى يبدو وكأنه ممتلئ ببهجة طازجة كزهور الربيع .

كتبت مقالاً طويلاً تم نشره فى الجريدة أعلنت فيه البشرى للجميع وأنى سوف أعلن عن هوية المعالج فى القريب العاجل , توالت المباركات والتهانئ الصادقة من كل من يعرفنى ويعرف إبنى , الكل يسأل عن المعالج (حسام) حتى رئيس التحرير طلب منى أن تكون الجريدة أول من يكشف عن هويته وتجرى معه أول حوار صحفى , كنت كبطل عائد لتوه من الحرب بعد غيبة طويلة , كانت الدنيا تبتسم لى من جديد إبتسامة رائقة لا يشوبها كدر .

- 8 -

ذات مساء جلست قليلاً أمام التلفاز أشاهد الأخبار وعلى وجهى ابتسامة لم تفارقنى فى الأيام القليلة الماضية , رغم بشاعة الأخبار إلا أن فرحى الشخصى تغلب على الحزن العام وهو أمر لم أحاسب نفسى عليه مطلقاً , عقب الأخبار جاء تنويه بإذاعة لقاء تلفزيونى مع مكتشف لعلاج جديد لمرض الشياخ وأن علاجه ذلك قد يمهد الطريق لإكتشاف علاجات جديدة لعدد من الأمراض المستعصية ومن بينها السرطانات ,.

أهاتف حسام لأستفهم منه عن الخبر معتقداً أنه الضيف مكتشف العلاج , يجيبنى أنه لم يقم بتصوير أى لقاء تلفزيونى مؤخراً ويضيف :

ـ دعنا لا نتسرع ولنشاهد اللقاء أولاً

جلست أشاهد اللقاء فى ترقب وفضول , كان اللقاء مع أحد الأطباء يدعى مايكل يعمل بإحدى شركات الأدوية العالمية وقد ابتكر هو وطاقم العمل فى مختبرات الشركة عقارا جديداً للمرض تحت إشراف قسم الأبحاث بالشركة وشرح مكونات رئيسية للعلاج وبعض المصطلحات والتراكيب الطبية التى لم أفهمها والتى يعلم معناها المتخصصون .

بعد اللقاء هاتفت حسام واتفقنا على أن نتقابل فى أحد الأماكن فى منتصف الطريق بين بيتينا , حين جاء شرح لى الأمر بالتفصيل وقال لى إن التركيبة الخاصة بالعقار الجديد هى نفس التركيبة التى يعالج بها إبنى وبها نفس المواد الفعالة وأنه من الممكن أن تكون فكرته قد سرقت من خلال معامل تحليل العينات التى كان يقوم بالتحليل عندها , أقول له أنه من الممكن أن يكون الأمر توارد أفكار فيجيبنى بالنفى قائلاً :

ـ لقد اتصلت بى مندوب من شركة الأدوية منذ شهرين وقدم لى عرض للعمل فيها بأى أجر أريده ولكنى رفضت .

أخبرنى أن علاج إبنى قد اكتمل تقريباً وأنه قد شفى تماما وأننى لا أحتاجه بعد الآن فأخبره أنى لن أسكت وسوف أصعد الأمور وأكتب مقالات و...و... و...

فيجيبنى بنصف إبتسامه هازئة :

ـ لا عليك .. هكذا تجرى الأمور فى البلد , المهم أن يتم علاج الناس ولا يتألم أحد .

- 9 -

عندما عدت إلى المنزل كتبت مقالاً مطولاً عما حدث وذكرت فيه إسم المعالج (حسام) وهويته وإنه صاحب الحق الأصيل فى العلاج ومخترعه وإنه تمت سرقته منه وإنه البطل والرمز الشعبى الذى يجب تكريمه لأنه يمثل الهوية الحقيقية للبحث العلمى فى الوطن وذهبت بالمقال فى اليوم التالى إلى الجريدة عازماً على نشره , وبعد محاولات مستميته مع رئيس التحرير إقتنع بنشر المقال ولكن تحت مسئوليتى الشخصية وبعد أخذ تعهد كتابى منى أن ما كتب بالمقال وما يحويه من وقائع تحت مسئوليتى الخاصة .

بعد يومين استدعانى رئيس التحرير وأخبرنى أن ممثل الشئون القانونية لشركة الأدوية العالمية هاتفه وطلب منه أن يقدم إعتذار للشركة ولمكتشف العلاج الدكتور(ثروت) وإلا فإن الشركة ستقاضى الجريدة خاصة فى ظل عدم وجود أى مستندات تؤكد إدعائى , رفضت بالطبع مؤكداً على وجود المستندات التى تؤكد اكتشاف الدكتور حسام للعلاج مؤكداً انى سأقدمها للجمهور فى الوقت المناسب ,.

خرجت من غرفة رئيس التحرير وأنا فى موقف لا أحسد عليه , فلا يمكننى تقديم إبنى كدليل على نجاح تجربة حسام وتمكنه من شفائه خاصة فى ظل عدم حصولنا على تصريح بإجراء التجارب على البشر ولا أعرف دليلاً آخر على كلامى الذى ذكرته فى المقال , .

يهاتفنى ممثل الشئون القانونية للشركة العالمية ويخبرنى بما أخبر به رئيس التحرير فأجيبه أن الحق الأصيل للعلاج هو لحسام الذى عالج إبنى فيضحك ضحكة مستهزئة ويخبرنى أن أتصل بمن عالج إبنى لأخذ رأيه فى الأمر ومن المؤكد أنه سيتغير رأيي .

أغلق معه الإتصال وأنا فى حيرة من أمرى , أتصل بحسام وأخبره بما حدث فيقول لى أنه من المحتم على أن أفعل ما يقول ممثل شركة الأدوية وأكتب الإعتذار , أسئله عن السبب فيجيبنى أنهم قد أعطوه ثمن براءة الإختراع واشتروا منه العلاج بالأمس وأنهم سمحوا له بالعمل فى الشركة وإستخدام كافة الأجهزة النادره والمعامل وفرق العمل والإطباء لإجراء البحوث والتجارب من أجل خدمة البشرية .

قلت له بذهول :

ـ اشتروك

أجابنى :

ـ ولم لا تقل أنى اشتريت العلم , هل تعلم ما هى الفرصة التى سنحت لى بإستخدام المعامل والبحوث والإطلاع على التقنيات الحديثة والأجهزة الحديثة ؟!.....

..... هل تعلم كم الوقت الذى سيوفروه لى والجهد والسنوات التى من الممكن أن تضيع سدى ؟!.....

.... أنا اشتريت العلم ولا تهمنى الهوية , العلم ليس له هوية , متاح ومشاع للبشرية جمعاء , أنا لست أنانى لهذه الدرجة .

أغلقت الهاتف فى صمت وخرجت من العمل إلى المنزل ودخلت إلى حجرتى وأخذت أغط فى نوم عميق كأنه الهروب مما كنت أخشى وأحاذر .

فى المساء جلست أمام التلفاز أتابع الأخبار , فى الفاصل الإعلانى ظهر طبيب شركة الأدوية (ثروت) فى إعلان برعاية وزارة الصحة وبعض المنظمات والجمعيات الخيرية وهو محاط بمجموعة من الأطفال الصغار المرضى وهو يردد فى نهاية الإعلان ( بالعلم نصنع المستحيل , العلم هوية من لا هوية له )

يبدو أن الإعلان كان مقزز بالنسبة إلى وحدى بينما كان ثروت والشركة والأطفال والجهات الراعية فى قمة الإنسانية والإنتماء , كان ثروت البطل الشعبى الذى يلتف حوله الجميع بينما أنا وحسام نأخذ فى التضائل حتى أحسست أنى سوف أختفى .

يرتمى إبنى الصغير الذى كان مصاباً بالشياخ بين زراعى وهو يضحك ويقول :

ـ أنا بحبك أوى يا بابا

قلت له :

ـ وأنا أيضاً أحبك يا روح بابا

وقلت لنفسى .. يا رب أكون شخص غير أنانى

ودخلت إلى غرفة المكتب لأكتب الإعتذار الذى سينشر فى صحيفة الغد .

(تمت)

w w w .    A    r    a    b    i    c    S    t    o    r    y    . n e t

جميع الحقوق محفوظة لشبكة القصة العربية 2001-2007