[ أهلاً بالضيف الكريم ] 
للتسجيل
أنت الزائر رقم

إحصائيات الموقع

الدول المشاركة
عدد الكتَّاب
عدد النصوص
عدد الكتب
عدد التعليقات
عدد القراءات
عدد التوقيعات
عدد المشتركين
كتَّاب في الانتظار
نصوص في الانتظار
 
البومة ونهار الوطن 
التاريخ:  القراءات:(141) قراءة  التعليقات:(0) لا يوجد تعليق  إهداء لصديق طباعة التعليقات أضف للمفضلة

  قصة ، من : محمد بن مانع الشهري  
البومة ونهار الوطن

مر على صالح ـ حفيد الشيخ فراج ـ وقت طويل وهو في عزلته، فقبل أن يُتوفى جده الشيخ فراج بساعات قليلة، طلب إلى حفيده صالح أن يستعد لمشيخة القبيلة، ورغم أن صالح لم يتجاوز مرحلة الفتوة بعد، إلا أن جده شدد على أمر المشيخة إيمانا منه أنه لا يصلح لها سواه بعد عمه الأكبر حمود.

( يا صالح ... أنت اليوم فتى يحب اللهو واللعب ولكنك ستكون غداً رجل القبيلة الأول، ولن تنال هذا التكليف مالم تكن بحجمه، انطلق إلى جبل الأشاوس فهنالك غار قد أُعد لكل شيخ من شيوخ قبيلتنا على مرّ السنين، انعزل فيه وتأمل طريق المشيخة، ستجد هناك مفتاح الطرق جمعاء، ستأتيك الجن لتزفك إلى مضارب القبيلة.

يا صالح ... إن القوم لا يريدون من قائدهم إلا أن يكون رجلا حراً ... لأن أمهاتهم ولدتهم أحراراً)

لم تزل وصية الجد تتكرر على مسمع الحفيد كل لحظة، ولكنه لم يستطع أن يمسك بطرف مفتاح عوضا عن جنة بحجم طريق، عاش عمراً في عالم العزلة، ولولا موسيقى الطبيعة لما استطاع أن يستمر للحظة واحدة، تعارك الدم في جسده لأيام طويلة، واستوت نفسه على شعلة من شتات، يولد نهاره كما يولد ليله، وكل لحظة تأتي يرى عبرها الفرج ولكنه لا يجسر على المجيء.

مر نهار طويل وهو ينتظر فريسة قد أعد لها مصيدة، والجوع يجدف في بطنه على وصية الجد، رأى الكون في لقمة صغيرة ... لم يكن يريد أكثر من ذلك، لقمة واحدة ولا سواها مبتغى، اشتد عليه الأمر لما غربت الشمس ولم يستطع اصطياد أي شيء، عاد إلى غاره والجوع يدفعه إلى التجديف بوصية جده، وصل إلى مرحلة اللا تفكير التي تأتي عادة بعد طول صبر وأناة.

قال في نفسه:

(سأنزل عن الجبل، وسأعود للقرية، وسألفق لأفراد القبيلة أي كذبة عن اكتشاف وصية جدي لكيلا أغوص بين أقدامهم بسبب نظرتهم إلي، سأقول لهم أن الجن قد أتتني في صف وهم يعرضون كما نعرض بسيوفنا وبنادقنا، وسأقول لهم أنني استقبلتهم وحدي ورحبت بهم، واستضفتهم في غاري لثلاث ليال ...)

توقف عن التفكير للحظة عندما سمع طرق نعال أحدهم، ففرح بقدوم الجن وهو في حلكة الليل، تمنطق بسلاحه وخرج من باب الغار يرمي السماء بوابل من الذخيرة ترحيبا بمقدم الضيوف، ولحظة انتهائه من الرمي خرُس الكون، وتوقف الزمان، فلم يجد صالح أحدا عند الغار ولا حوله وفي ذات الوقت انتهت ذخيرته التي كانت له متكأً من صروف الدهر، وأمسى في الذبول حتى تشربت الأرض خوفه وألمه.

( اسمع يا بني ... أنا عرافة ماضية في طريقي إلى اليمن، وسمعت صوت إطلاق النار حول قافلتنا، فلم استطع أن أنام حتى أعرف ما يدور حول هذا المكان، فجني وعفاريتي لم يخبروني بما يدور فيه من سر، وهو سبب مقدمي الأول إليك، فقل لي بربك ما قصتك؟)

حكى لها صالح قصته بعد أن ترجاها طعاما، وبينما كانا يجلسان بجانب بعضهما كان صالح يقذف ببعض الأكل من فمه من شدة المضغ، فغص ببعضه الباقي عندما قالت له:

( إنني أعرف سر جدك)

كانت تقلب النار بغصن يابس، ثم نظرت إليه:

( جدك يا بني يريدك أن تشعر بالناس من حولك قبل أن تتسلم المشيخة، يريدك أن تجوع لكيلا يجوع أي فرد من أفراد قبيلتك، يريد لك أن تعيش الوحدة لكيلا تشعر بها أرملة في أطراف القرية، يريد لك أن تأكل مما تصطاد وتزرع أن تلبس مما تنسج أن تقدم الوطن على اسمك واسم عائلتك لكيلا تُذل الوطن ولكيلا يضيع الوطن ...)

نظر صالح إليها متسائلا عن سر يقينها من مرام جده ولكنها استمرت:

( الوطن يا بني عزيز بعزة أهله، ذليل بذلتهم، لن يكون الوطن وطنا حال الخصب فقط، الوطن يا بني أعظم من أن يحوي مسوخا وقت الرخاء ويتركونه وقت الشدة)

استوى الليل على كلمات العرافة، وصار مُنكهاً بالأسئلة، ففي تلك اللحظة التي كانت تبوح بها العرافة لصالح سُمع صوت بومة من مسافة ليست بالبعيدة، استغرقت العرافة في الصمت بينما كان صالح بين اليقين ونقيضه.

( أأنت عرافة أم جنية؟)

ضحكت العجوز حتى بدت ثناياها الطويلة، ثم قامت عن مكانها وأعادت عليه بعض الجمل:

(الوطن يا بني عزيز بعزة أهله، ذليل بذلتهم

جدك يا بني يريدك أن تشعر بالناس من حولك قبل أن تتسلم المشيخة

يريدك أن تجوع لكيلا يجوع أي فرد من أفراد قبيلتك

يريد لك أن تعيش الوحدة لكيلا تشعر بها أرملة في أطراف القرية

يريد لك أن تأكل مما تصطاد وتزرع

أن تلبس مما تنسج

أن تقدم الوطن على اسمك واسم عائلتك لكيلا تُذل الوطن ولكيلا يضيع الوطن ...)

لم يشعر صالح بنفسه إلا والشمس توقظه من سباته عند مدخل الغار، رأى المكان فوجده على حاله، نزع عن جسده الثوب فوجد الجسد بأفضل حال، عاد إلى المكان بنظراته ولم يستطع أن يصرخ، لم يستطع أن يعرف هل ما أصابه حقيقة أم حلم؟ لم يعرف هل يعود تلك اللحظة إلى قريته أم يستمر حتى تأتيه الجن كما تصور لقاءهم، وبعد برهة قليلة سمع صوت البومة وهي تنعق رغم أن النهار قد اقتحم الوطن بشعاعه.

w w w .    A    r    a    b    i    c    S    t    o    r    y    . n e t

جميع الحقوق محفوظة لشبكة القصة العربية 2001-2007