[ أهلاً بالضيف الكريم ] 
للتسجيل
أنت الزائر رقم

إحصائيات الموقع

الدول المشاركة
عدد الكتَّاب
عدد النصوص
عدد الكتب
عدد التعليقات
عدد القراءات
عدد التوقيعات
عدد المشتركين
كتَّاب في الانتظار
نصوص في الانتظار
 
مسحةٌ بِـكُمّ الوجع  قصة :
التاريخ:  القراءات:(38) قراءة  التعليقات:(0) لا يوجد تعليق  إهداء لصديق طباعة التعليقات أضف للمفضلة

  قصة ، من : لطيفة القحطاني  
تنهر عينيه بمجرد نظرة ، فيمتثل لصمتها في الحال، يخبرها بإيماءة تنبهٍ أنه لم يكن يشاء أن يراها و لو علم أنها ستسمعه لم يكن ليتحدث أصلاً ، يتجاهل الجهة التي كانت تنظر منها إليه، يتعمد إبقاءها خلف ظهره الذي يرسلهُ علامة حجب وردع غير مسؤولة ، ويمد يده بعنف يلتقط بها دلو حسام من يده ليستطيع صنع سبب يستحق الركض له بعيداً عن ذلك المكان الذي يحطمه بقبضةِ وقوفها أمامه ، والذي تنظر فيه أعين سهى إليه باشمئزاز طوال تلك الأشهر التي عقِبت الشتاء الذي كان في اعتباراتها أحن الأيام رغم قسوته ، عرفت سهى أنور بعد عمله معها في خندقة ممر لمياه الأمطار التي اجتاحت دارهم فكان لابد من تصريف لفيضانها المندلق عن صفيح السقف الذي خرج ميله عن الحافة الخارجية للحائط ، مما حدا بأنور أن قصد الزاوية مخفضاً رأسه وأخذ يحفر بتوازن يستقيم له خندق جانبي ، فصنعاه معاً وأوصلاه بالممرات الخارجية الأكبر بما قد يشتبك معها من مصارف أخرى للمياه ومزاريب من بيوت أخرى مصطفة . كان أنور لديه بعض الخبرة فقد عمل في مساعدةٍ لرجال المخيم عندما قررت إدارته عمارة الغرف بحوائط حجرية أكثر صلابة من الخيام، تتحمل صفق الرياح وبلل الأمطار ، فبادر بصمت لمساعدتها عندما كان خرير الماء يَصْب صباً جهة مرقدها هي وإخوتها، منظرها وهي ترفع اللحاف المهم جداً ليلاً على حبل الغسيل خارجاً كي يجف أمام بيوت بُنيّتْ بنظام واحد -كونها في صفوف لا تكون فيه بأكثر من طابق ، خارجها ممر واحد يجمع أبواب الصف في جهة واحدة - كان منظراً يخبر باستماتتها على ما تنوي رميه على حبل موثق يقطع الممر وسط نَهر الكبار بأن الحبل لن يتحمل وتكوّمه خيبةً بثقله على جسمها الصغير ،في وحل ما بين قدميها .دفعه هذا بكل حنو لإيجاد حلٍ كالحفر و البحث عن صفيحة زنك أوسع و تثبيتها بعمود خيمة أثقل ، وعجن الطين بالمطاط المذاب ، لسد فتحاتِ ما يمكن أن يتسرب منه ماءُ هطول آخر بعد ذلك ، أصبحت قيمة الحياة في عينا أنور هي عيشها بلا جوع ولا برد يمكنه أن يهز مضجع المؤمن بدفئ أن يبقى له حب في صدور الآخرين .

استحدثُ الكبار لِأوامرٍ جديدة منها الذهاب إلى أبعد نقطة ممكنة في المخيم لقضاء الحاجة كان تكليفاً شاقاً خاصة على كبار السن و صغاره ، كانت سهى تقطعه بشكل ممل برفقة أخيها الصغير فانعدام البنى التحتية أورث النزوح مضامينًا أشد بؤساً لما قد طال الأهالي من جروح وآلام وأمراض أفقدتهم الأمل في العودة و الشدة في اتخاذ ما يمكن أن يحفظ ويحمي ما بقي ، في وجه اجراءات حكومية متعسفة و اضطهاد و معارك واعتداء ميلشيات وجراء ذلك تحولت تلك المخيمات إلى سجون كبرى ، ملاجئ تحاكي الأسى ، يُحرم فيها حتى دخول الأقارب و مساعداتهم لذويهم . لم يكن أنور اليتيم الفاقد أبويه فحسب ، عندما جاء مع جار لهم إلى المخيم ، بل كان الطفل الذي لا ينطق إلا بصعوبة حمل الحروف على ظهر لسان أثكل ، يزيده نطق الحرف تلعثماً كلما عجز في التعبير فتخرج كلماته بشكل مدوي بلا ملامح من فمه الذي يبدو أنه لا يعرف إلا النَهر والصراخ وأحايين كثيرة يفضّل الصمت الذي يرى فيه عبء الكلام أثقل فيما سيقوله ،يعمل حمّالاً للنساء اللآتي يحتجن من يساعدهن في الابتياع أو حمل ما يصنعنه في البيوت ويبعنه في الساحة الكبيرة ، هو يعمل لمن ستطعِمهُ وجبةً في ذلك اليوم والتي قد لا تُشبع ، لكنه بذلك يتقوت ، يتخلص من فراغ الركض و المعِدة و المناورات التي يقمنها عليه صبية السُبل و الممرات ، بعدما حدا بمدير مدرسة المخيم عن منعه من دخول الفناء الذي كان يضم غُرفاً أحاطت بحدود مساحة حرة خُصصت لتلقي التعليم واستمرار الأطفال في التعلم و تطوير القدرات القرائية و الكتابية و لو بأبسط المعطيات و أسهلها ، منذ ذلك اليوم وكل الصبية أيقن أن أنور بلا سند و لا يستطيع الدفاع عن نفسه ، شراسةُ سُهى معه محيرة الأطفال و التي ظهرت مؤخراً هو ينتفض لمجرد لمحها ، سهى كانت الأم التي لم تلد و لم تصل بعد لسن التكليف ، تدرعت منذ ألقى بها عمها في ذلك المخيم فهي الراعية الأولى و الأخيرة لإخوتها وذهب مأموراً في مهمةٍ غيبته بعد وعدّهِ لها بالعودة والهرب بهم بعيداً ، جمع أنور بسهى دارٌ حجرية خصصت لفاقدي الأبوين ، كان يصغرها بسنتين تقريباً ، كان يتكور في كنزة صوفية من أثر البرد والذي لم يكن يمتلك معها ضده إلا بنطالاً بلون كتاني يخبر باتساخه ، و كنزته تلك و التي انسل من جانبها الأيمن ، خيطٌ فُتح له فماً يتسع مع كل حركة يشتد فيها طرف الكنزة الحائر و كانت سهى في ذلك البرد القارص تلمحه وتجمع إخوتها في ركنها الأقصى ، تضمهم في لحافهم الخشن ، تجعل منه في ذلك الصقيع ادفئ مكان وأنعم وثير ، رغم بلل البسط المنتشرة في الحجرة و التي لا تجف تحتهم ، كانت قد ذابت ألوان زهرياتها ما بين بلي واضمحلال أقرب لتلاشي من مجرد تحريكها حيث تتبلل و تجف في نفس الامتداد بلا عون يكفل لها التهوية ، كان في أخر قطعة امتدت من تلك الفُرش المتطابقة بلا اتفاق يقبع مكان لأنور ينام به ، يجاوره كاظم و حسام و علاء و أخته فاطمة ، نظرت له سهى وقررت رقع كنزته ، طلبتْ ذلك منه نهاراً فقد تُطيل عليه و يبقى بذلك عرضةً للبرد ، خلعها ظهراً وانتظرها واجفاً حتى انتهت ، رآها أمه التي غرقت في دمائها أمامه لكنه لم يستطع حتى اخافتها بدمدمته الكلامية ليخبرها بذلك ، صمت ممتناً بفرحة ارتسمت على ملامحه كلما رآها، يُجددها لها كلما لاحا بلقاء تتصادف فيه الأعين و النبضات الدافئة ،عرفتْ مؤخراً أنه لا يجيد الكلام لظنها قبلاً أنه لا ينطق البته و ذلك بعد ما صُعقتْ من طريقته المخيفة و هجومه الغير مبرر على كاظم الذي مُنع مؤخراً من قسم الأطفال و حُوّل إلى حجرات للبالغين ، مكثت سهى كثيراً واقفة حتى بعد انفضاض الحدث ، فهمتْ أن كاظم سبب أَذىً لأنور لم تفهم كنهه ، اقتربت منه و سألته ، كان ما يؤرقها هو كيف تحذَر على إخوتها منه .

- ماذا حدث ؟

- أشار بيده بدفعةٍ شديدة يوضح من خلالها أنه كاظم من اعتدى ، كانت كنزته قد انفتح لها فماً أوسع في مكان آخر، مما قد رتقت ( ودوى بنبرات مختلفة كان يتقي فيها عدم انزعاجها لبهيمية فصحه ) ثم صمت ، مقطباً حاجبيه و مضى مبلل بطريقة تثير الشك .

كاظم كان من الثمانية عشر القانطين في حجرة سهى كان من الجانب الأيسر و الذي لا تختلط بهم هو وأنور كذلك ، تتجنب إلا من هم في سن إخوتها وتعمل في حياكة الصوف بينهم ، حياكة تساعد بها جارة الدار ، التي تُنقدها مقابل ذلك ديناراً كاملاً. في أوائل الصيف نُقل أنور من قِبل إدارة الدار أيضاً إلى قسم البالغين ، و اصبح الشرب من الحوضيات أكثر من ذي قبل فهو المنقذ من قيظ النهار الملتهب، بدل الدلاء التي كانت تُملأ من آبار قديمة قريبة سرعان ما نضبت ، أو الوقوف في طابور طويل أمام حنفيات مربوطة بشبكة مياه صالحة للشرب بتنقية الترسيب و معالجة الكلور ، تبِع ذلك العطش مراقبةٌ كانت سهى لا تتركها لأنور في كل خروج تذهب فيه لجلب الماء للدار ، وخلال الوقت الذي تقضيه بجله خارج الحجرات التي لا يُطاق حرها، و نتانة ما تجف عليه محتوياتها بعد تسريب اسقفها ، كانت تفتح عينيها لتفسر اسئلةٍ تلحق بصمت أنور وتهربه منها، لاحظت تجنبه لكاظم ، لا يحاول الاحتكاك به ، رغم تحرش كاظم الاستفزازي له من وقت لآخر، إلى حين ظهيرة خرجتْ فيها سهى تجفف حذائها بتمديده في أوار شمس بعد معركة حصلت منها على قطعة ثلج كان مكتب المساعدات قد عمل على توزيع عينات منها استطاعت الحصول على قطعة سقطت و تشظت فقبضت على أكبر جزء و ركضت به بعد أن ثنّت قماش تنورتها عليه و ركضت به لحافظة الدار ، همسُ الحوار الخفي الذي كان قد شد انتباهها قبل دخولها الدار ، عادتْ له بكل حذر ، كانت عيناها تلمعان و فمها مشدوه ، تحاول أن لا يخبرش تنفسها صفاء إصغائها لما هو بينها وبين الوشوشة ، تقدمت فكان كاظم و أنور و بين أيديهم مغلفات متشابهة ، كانا قد سطا على سكن موظفي منظمة للمساعدات الصحية وقت نفورهم لولادة متعسرة كانت في أطراف المخيم ، كانا يتهامسان مختلفان على من يأخذ الدولارات أو مغلفات الأطعمة ، الجاهزة للأكل بعد غليها، فالدولارات ستكشف أمرهم ، تبادر لفهم سهى كل شيء وتقدمتْ . - (أنا من ستذهب بها إلى مكتب الصِرافة) ، كانت تعرف القائم عليها هناك الذي كان حارساً لمتحف سُرق كل ما به ( لكن بشرط أنا شريكة العملية القادمة بالمناصفة ...

أكتوبر 2017

w w w .    A    r    a    b    i    c    S    t    o    r    y    . n e t

جميع الحقوق محفوظة لشبكة القصة العربية 2001-2007