[ أهلاً بالضيف الكريم ] 
للتسجيل
أنت الزائر رقم

إحصائيات الموقع

الدول المشاركة
عدد الكتَّاب
عدد النصوص
عدد الكتب
عدد التعليقات
عدد القراءات
عدد التوقيعات
عدد المشتركين
كتَّاب في الانتظار
نصوص في الانتظار
 
يوم عادى لشاعر عجوز (رواية)1 
التاريخ:  القراءات:(20) قراءة  التعليقات:(0) لا يوجد تعليق  إهداء لصديق طباعة التعليقات أضف للمفضلة

  قصة ، من : أحمد خضرى عرابى  
كل شئ يفر

فلا الماء تمسكه اليد

والحلم لا يتبقى على شرفات العيون

والقطارات ترحل

والراحلون يصلون .. ولا يصلون

وجدتنى أرددها وأنا على رصيف محطة القطار منتظراً قطار الساعة الواحدة المتجه إلى القاهرة والقطارات تغدو وتروح على قضبان الأرصفة , أرددها وأنا أنظر الى الزمن الذى فر كقطار سريع على قضبان العمر مخلفاً لى شعر أبيض وتجاعيد واضحة وحفنة من الأولاد , ترى هل حانت محطة الوصول أم هناك فى العمر بعض البقية هل رحل أمل دنقل أم أن الشعر لم يرحل بعد , انظر الى الشاب الواقف بجوارى بعضلاته المفتولة ودماء الشباب التى تسرى فى عروقه ونسمات الهواء التى تتلاعب بخصلات شعره الناعمة ثم انظر الى نفسى وابدا فى المقارنة , ذات أمس كنت فى مثل سنه ربما لم يتغير الكثير إلا أنى كنت أكثر نحافة وأخشن جسداً وكان الشعر ينحنى لينام على الجانب الأيسر من الرأس , كنت ثائراً وأقرب إلى البوهيمية فى ممارسة اليومى والعادى , أثور على الظلم وأهتف للعدالة ولا أفكر فى ما سيحمله الغد من خيبات أمل جديدة تضاف إلى رصيدى الكبير من الخيبات , بينما هو الآن أكثر حكمة منى وأكثر تنظيماً ربما تعلم من تاريخ أبيه القديم فلم يرغب فى تكرار الأخطاء التى يقع فيها المبتدئون كل مرة وربما كان اختلاف الزمن هو من منح كلانا الحكمة وكان نصيبى منها فى المشيب , انظر اليه فى حب وإعجاب جلى فأراه كنجوم السينما بقوامه الممشوق والهاتف وسلسلة المفاتيح فى يمينه فأقترب منه قليلاً ليسمع صوتى وسط ضجيج المحطة :

ـ لا داعى للذهاب إلى خطيبتك اليوم , أريدك فى البيت .

بدا وكأنه غير مقتنع ولكنه هز رأسه دليلاً على الموافقة وهو يقول :

ـ لا تقلق , لن يحدث أى شئ مهم , تروح وترجع بالف سلامة

كنت أعرف أنه لا يوجد أى شئ مهم يستدعى بقاء محمود فى المنزل طوال اليوم الذى سأغيبه فى القاهرة ولكنى كنت أريده أن يشعر أنه قد أصبح رجل البيت فى غيابى وأننى أعتمد عليه بغض النظر عن مقدار ذلك الإعتماد , سألته عن رأيه فى حال أخيه محمد وكيف يرى ما هو فيه فأجابنى :

ـ محمد كبر , ومن حقه بعض المساحه من الخصوصية , وهو لم يفعل أى شئ خطأ هو فقط يعيش سنه يا أبى .

قلت :

ـ يعنى يمشى مع كل بنت عادى

ابتسم ابتسامة بسيطة ذات مغزى وقال :

ـ البنات زميلاته فى الكلية وهو لا يغصبهن على شئ , العالم تغير يا أبى وهذا العصر عصر حرية ولا يمكن أنك تقف فى وجه نظام اجتماعى كامل فرض على الناس طريقة فى الحياة والعيش , وانت شاعر والمفترض تكون أكثر الناس استيعاباً لأمر مثل هذا .

قلت محاولاً الدفاع عن نفسى وعن حياة عشتها فى زمن قد ولى :

ـ أنا خائف عليه من الغلط

قال فى هدوء :

ـ محمد ليس بهذا الغباء , لا تقلق .

حاولت امتصاص الأمر بروية فقد لاحظت ان الموضوع ينتقل من مشكلة فردية إلى صراع أزلى بين القديم والجديد بين جيل وجيل ولن أخرج من ذلك الحوار منتصراً إلا لو تغير الزمن الذى نعيش فيه الآن ورجع مرة أخرى إلى الوراء , قلت مغيراً الموضوع :

ـ كنت أتمنى أن تكون بجوارى غداً فى الندوة وأسمعك وأراك وأنت تلقى الشعر .

أجابنى بحدة :

ـ أنت تعلم أننى لا أريد كتابة الشعر وقلت لك كثيراً إنى لا أحب ذلك الأمر .

كانت حدته مبررة , خاصة وأنه فى كل مرة نتناقش فيها فى كتابته للشعر ينتهى الأمر بمشكلة وزعل يستمر لأيام , لكنى كنت غير مدرك أن الأمور لا تظل كما هى إلى الأبد , كانت صورته القديمة وأنا أعلمه العروض والشعر وهو طفل لم يتجاوز الخمس سنوات لا تزال عالقة فى رأسى إلى الآن , كنت أريده أن يكون ما لم أستطع أنا أن أكونه , أحببت فكرة أن يكمل المسيرة من بعدى , أن يكون إلى جوارى نلقى الشعر معاً أمام الناس , وكانت لديه الموهبة الفطرية ليفعل ذلك , كان ينظم القصائد فى سن التاسعة ولم أكن أتخيل أن يأتى عليه اليوم ليكره الشعر بهذه الصورة , ربما كنت أنانياً بعض الشئ ولكن ذلك الأمر فى تربيتى له هو الذى حزنت بسببه فترات طويلة , لم استطع تحديد متى بدأ ذلك التغير فى حب الشعر فى حياته ولكنى حتى الآن غير مقتنع بأنه يكره الشعر بل إنى لعلى يقين تام أنه ما يزال يحب الشعر حتى الآن ومما يؤكد يقينى أنى ضبطته متلبساً أكثر من مرة وهو يدندن بعض أبيات من الشعر حين يخلو بنفسه .

ضحكت ضحكة هادئة ورددت بيت الشعر الذى يقول :

ـ ما بين غمضة عين والتفاتتها ... يغير الله من حال إلى حال

نظرت إلى ساعتى فوجدتها قد قاربت على الواحدة صباحاً وقد أوشك قطارى على الوصول , نظرت إلى محمود قائلاً :

ـ أخوالك لو اتصلوا لا تقل لهم أنى فى القاهرة , اليوم كله سأمضيه خارج البيت فى قضاء المصالح وزيارة الأصدقاء وسأركب قطار الحادية عشر ليلاً , لا أريد أخوالك أن يزعلوا لأنى جئت القاهرة ولم أزرهم , مفهوم .

ضحك محمود وهو ينبهنى :

ـ والله أنا لن أقول أى شئ , لكن الخوف من الحجه فى البيت

رددت قائلاً :

ـ ربنا يستر

كان صوت قطار الساعة الواحدة يصدح فى المكان معلناً عن وصوله إلى المحطة فى موعده المحدد , احتضنت محمود وأنا أقول له أن يحافظ على نفسه وعلى إخوته فيما كان القطار يتوقف على الرصيف المخصص له , ركبت فى العربه 8 والتى كانت خلف الجرار مباشرة وجلست على مقعدى وأنا أنظر الى محمود من خلف زجاج القطار , لوحت له ثم أشرت بيدى أن يذهب وأنا أنظر إلى حياة بأكملها عشتها تجسدت فيه , وكأن حياتى قد مرت من أمامى من وراء زجاج القطار فتذكرت مطلع قصيدة تقول :

ـ تمر الحياة بنا من زجاج القطار

كومض القطار المعاكس فى النافذه

.

.

ثم لم ننتظر طويلاً فقد غادر القطار المحطة فى موعده المحدد .

* * *
* * *
*

w w w .    A    r    a    b    i    c    S    t    o    r    y    . n e t

جميع الحقوق محفوظة لشبكة القصة العربية 2001-2007