[ أهلاً بالضيف الكريم ] 
للتسجيل
أنت الزائر رقم

إحصائيات الموقع

الدول المشاركة
عدد الكتَّاب
عدد النصوص
عدد الكتب
عدد التعليقات
عدد القراءات
عدد التوقيعات
عدد المشتركين
كتَّاب في الانتظار
نصوص في الانتظار
 
يوم عادى لشاعر عجوز (رواية)2 
التاريخ:  القراءات:(12) قراءة  التعليقات:(0) لا يوجد تعليق  إهداء لصديق طباعة التعليقات أضف للمفضلة

  قصة ، من : أحمد خضرى عرابى  
جلست فى مقعدى أتأمل المكان الذى سأجلس فيه السبع ساعات التالية وأتأمل الركاب لم تتغير القطارات المكيفة طوال العشر سنوات الفائتة كل شئ كما هو حتى درجة التكييف القارصة البرودة فى الشتاء والحارة فى الصيف وكأن العمال فى القطار يتعمدوا ضبط التكييفات على هذه الدرجة حتى يستمتعوا بشكاوى الركاب , ربما أضافة هيئة السكك الحديد بضع القطارات تحت مسميات مختلفة كقطار ال vip وقطار المخصوص , عدا عن ذلك فكل شئ كما هو , حمدت الله على نعمة القطارات المكيفة فقد كنا فى الثمانينات لا نعرفها وكان السفر قطعة من العذاب بمعنى الكلمة ,, ايييه ,, كانت أيام , قطار الركاب والقشاش والتراب الذى يدخل من كل مكان وندوات المحبة التى نسافر لها بالمشوار بدون مقابل لمجرد فقط حبنا للشعر والأدب , أيييه , كانت أيام .

نظرت حولى تجاه الجالسين فوجدت على الكرسى الملاصق لى بجوار النافذة فتاة جميلة شابة تثرثر فى الهاتف وفى الكراسى المقابلة رجل وزوجه تحمل رضيعها الذى لا يكف عن البكاء بينما فى الكراسى التى أمامى مجموعة من الرجال والنساء بملابس أهل الصعيد وتبدو عليهم أمارات الحزن , يبدو أنهم مسافرين لحضور عزاء أحد الأقرباء فى القاهرة .

تململت فى جلستى ثم مددت يدى إلى الحقيبة وأخرجت مجموعة من الجرائد , كان بين يدى جريدة خاصة بالأدب وجريدة الأهرام وصحيفة أخرى غير قومية يصدرها أحد الأصدقاء , تناولت جريدة الأهرام وبدأت فى مطالعة عناوين الأخبار :

"الحرب مستمرة على الإرهاب "

" إجراءات مشددة ضد موجة الإرهاب "

" الرئيس يشهد مؤتمر الشباب "

"مركز اسلامى عالمى بشرم الشيخ لنشر الوسطية والإعتدال "

" الأموال المستردة دماء جديدة فى شرايين الإقتصاد "

" الأعمال العاطفية تمنح كازو ايشيجورو نوبل للآداب "

فى العادة لا أقرأ الصحف تفصيلا وإنما أكتفى بمطالعة العناوين وتأمل الصور المرافقة فقد تشبعت منذ زمن طويل بنظرية الإعلام الشعبى والإعلام البديل فى ظل غياب المصداقية والوضوح والنضج الذى يقدمه لنا الإعلام والصحافة ولكنى اضطررت إلى تسلية نفسى بقراءة المقالات فى محاولة لتمضية الوقت أثناء السفر , كان حديث الجميع هو الإرهاب ومكافحته بغض النظر عن الصورة التى يتناوله بها المجتمع والحقيقة أن الناس فاض بها الكيل بين أنهار الدماء التى يرونها ويسمعون من يتحدث عنها عبر شاشات التلفاز أو التى تمتلئ الصحف بالحديث عنها خاصة وهناك رأى يقرر أن الحكومات تتاجر بالدماء وما هى إلا صناعة مستترة لها ولكن لا أحد يجرأ على التصريح بذلك فى العلن ويظل الكلام فى السر فالخوف قد سيطر على الجميع وتبادل الإتهامات بالخيانة والإرهاب هو سمة العصر الذى نعيشه خاصة فى الوسط الثقافى الذى بادر أغلب أبنائه إلى إعلان مباركة الحرب على الإرهاب وتأييد الحكومة فى كل القرارات والسعى الحثيث إلى اجتثاث كل القواعد الأصولية التى عاش في ظلها المجتمع سواء فى الدين أو المعاملات الشخصية أو حتى العرف وصار كل من يتمسك بأى شئ قد يعتبر أخلاقى قبل تلك الحرب يتحول بين ليلة وضحاها إلى النقيض خوفا من اتهامه بالانتماء الى الجماعات المحظورة كالإخوان وغيرها أو اتهامة بتبنى فكر متطرف , فشهد الوسط الأدبى شباب وشابات وأدباء كبار فى السن كانوا نموذجا للتدين والاعتدال يعلنون تغيرا فى مواقفهم ويتجهون الى المدافعة عن حريات الاختلاط والخوض فى الدين ومعاقرة الخمر والتصريح بذلك على صفحات التواصل الاجتماعى فيما يشبه الدعايا إلى عدم الانتماء لأى فكرة اصولية مستقرة فى المجتمع فى صورة أقرب للكوميديا من التراجيديا لأنه من المعروف أن من يعيش فى حالة من الحرية فى الإختلاط أو معاقرة الخمر لا يحاول ان يعرض حياته بهذه الصورة أمام مجتمع متدين بطبعه ويدخل فى صدام ـ وان كان صدام غير معلن ـ مع ذلك المجتمع .

كانت الأخبار متباينة فى عدد القتلى وعدد العمليات الإرهابية وحتى فى التصريحات الرسمية ولكن فى ظل موجة صحفية واحدة وهى مكافحة الإرهاب دون أى شئ جديد يؤكد انتهاء ذلك الإرهاب فى القريب فأصبح الوطن يشبه إلى حد ما مقبرة جماعية تراها على صفحات الجرائد الأمر الذى يصيبنى بإنقباض فى القلب ويجعلنى أضع الجريدة جانباً وأمسك بالصحيفة الأدبية محاولاً تغيير حالتى المزاجية رغم اقتناعى التام بأننى لن أجد فيها نصوصاً تستحق التخليد فى ذاكرة الأدب لعشر سنوات قادمة , لأنها وببساطة لا تمثل الصورة الحقيقية للإبداع فى الوطن .

السبب الحقيقى لشرائى الجريدة هو رغبتى فى معرفة أسماء الفائزين فى مسابقة الجريدة وهى مسابقة يتم اطلاقها سنويا لتسليط الضوء على المواهب الأدبية الشابة القادمة بقوة على الساحة , وأقسم بالله أنها لن تقدم أبدا أدباء أمثال طه حسين ونجيب محفوظ واحسان عبد القدوس وبوسف ادريس والسحار ودرويش وعبد الصبور ودنقل ومن على غرارهم ولكنى أرغب فى معرفة نجوم المستقبل , السوبر ستار الذين سيحملون شعلة الأدب داخل الوطن وخارجه بصورة أكبر عن طريق الحوارات والريبورتات التى يتم عرضها فى الجريدة على هامش المسابقة والتى يتحدث فيها النجوم عن الثقافة والأدب وعن اطروحاتهم المستقبلية للنهوض بمنظومة الثقافة أو تسليط الضوء عن تجربتهم الفكرية والوجودية العميقة لتعم الإستفادة للأجيال التى ستأتى بعدهم من التلاميذ الذين يخطون خطواتهم الأولى على الطريق .

أعصر ذهنى العجوز متأملا الأسماء فى محاولة للفهم وترتسم ابتسامة ممتعضة على الوجه فهذا من أصدقاء المحكم المقربين , وهذه يكتب لها الأديب الفلانى الذى تربطه بها صلة قرابة , وهذا من أبناء النظام وجارى العمل على تلميعه , وهذا كاتب غير معروف لم يدخل دائرة التصنيف بعد , جميعهم من كتاب النثر ويبدو أنه اتجاه جديد نحو احلال قصيدة النثر محل القصيدة العمودية والتفعيلة لأنها صعبة فى الكتابة بعكس النثر يمكن لأى كاتب متوسط الموهبة أن يكتب ديوانا كاملا منها فى يوم واحد وبالتالى تسهل عملية الحراك الثقافى فى صناعة نجوم للنظام بكثرة ,, اتسائل بينى وبين نفسى هل الكتابة ستصبح ادعاءا ذات يوم ؟ أم أن الآخرين سيصيرون من مدعى الكتابة ؟

قد يبنى الآخرون أهراما من قصيدة النثر ويكون لها صالونات ثقافية وعمالقة وأقزام ونقادا وصحفيين ومحبين ومشجعين واحزابا وتجمعات وتخصص لها الدولة ملايين الجنيهات تدرج فى خانة التنمية الثقافية وتنقسم وفقا لنظرية النشوء والإرتقاء إلى صنفان نثر العامية ونثر الفصحى ويتصارع أنصار الفريقين على الندوات والمحاضرات وعلى أحقية النشرالإقليمى ويصبح الأدب قناعة شخصية لا قواعد لها كما هى قصيدة النثر وتكون القاعدة الوحيدة فى الأدب هى وجود أكبر عدد من المؤيدين والمصفقين , وقد يصير كل أفراد الشعب ممن يكتب الشعر ويصبح بالواسطة ... أنت تكتب أجمل لأن لديك واسطة أكبر , وتنتشر بالضرورة الرشاوى الشعرية وتنشأ الجماعات التى تدافع عن رموزها والقنوات التى تقوم بتلميع النجوم , وتظهر الأديبات السيكسى صاحبات الجاذبية الجسدية المهلكة والأدباء الكول الذين يقدسون المهرجانات الشعبية ويطالبون بإلغاء قواعد النحو والصرف .. ربما يحدث كل ذلك ... أو أن كل ما سبق قد حدث بالفعل .

أطالع القصص والقصائد المنشورة وأطالع الأسماء ,, لا شئ جديد يقع تحت بصرى قصيدة من نثر العامية تقول :

السكك كلها واحدة

والطريق كله شوك ودم

فاكر انهم هيسمعوك لما تصرخ

كان غيرك أشطر

كلهم شربوا المر على ورق القصيدة

ومراتى بتشتكى كل يوم من العيشه

واللى عايشنها

عارف يا مؤمن

أنا مكلتش لحمة بقالى كام شهر

والقميص فيه كام رقعه مغطيها الجاكت

مش هقولك سلفنى عشره جنيه

عشان انا عارف ان الحالة ضنك

بس متنساش وانت بتقرا الجرنال

تدعيلى فى سرك

انى الاقى روحى اللى مخصمانى من سنين

وافضل اكتب شعر

واطلع لسانى للعالم الأول

اللى بيشرب خمره على روح

واحد شاعر من العالم التالت

مفيش فى جيبه عشرة جنيه

ونفسه يشم ريحة اللحمة

وساعتها هقولك

سلام يا صاحبى

تمالكت أعصابى لأنى قد تعودت على هذا الوضع , كلمات يقولها شخص عادى جدا لصديقة فى لحظات الضيق , ولكن ما يثير تساؤلى دائما هو كيف يتم نشرها واهدار الأموال فى طباعة ذلك الكلام , هل من الممكن ان تحاسب الدولة فى يوم من الأيام على اهدار المال العام أو إفساد الذوق العام ... لا أظن .. ولكنى متأكد أن هذا الكلام بالنسبة للأدباء حرق دم .

تنقلت بين الأعمال المنشورة , هذه قصة ايروتيكية تتحدث عن المرأة تقع تحت عنوان ملف عن الأدب النسوى بعد قراءتها خرجت منى كلمة واحدة بصورة عفوية :

ـ ...

وعدد من نصوص القصة على نفس الشاكلة وبعض قصائد النثر وقصيدة واحدة من شعر التفعيلة ويبدو انها قد نشرت بالخطأ , كل الأعمال يشوبها القصور فى وجه أو أكثر وتتسم الأغلبية بالتفاهة وعدم معالجة أى قضية أو تبنى واحدة , لفت نظرى عنوان لواحد من النصوص النثرية ( الجياع ) قرأت ما كتب تحته

عذرا أيها الصغار

فالبقرة الحلوب قد جف ضرعها

ولن تمنحكم الحليب مرة أخرى

جف ضرعها من الحزن

لأنها كانت تعتقد أنها البقرة المقدسة

وظنت أنكم عاملتموها بشكل غير لائق

ربما لو دهنتم جلدها بلون آخر

لما ظنت أنها صفراء فاقع لونها

وما سرت الناظرين

ربما لو لم تعمل فى رعاية الأرض

لما جف ضرعها من الحزن

ترى لو رجع بكم الزمن

هل كنتم ستغيرون لونها ؟

أم ستباركون قداستها المزيفة ؟

قال الجميع فى صوت واحد :

لا أحد يرجع إلى زمان غادره

وأمسكوا السكين وذبحوها

وما كانوا فاعلين ...

مللت من القراءة فأخرجت دفترى وقلمى لأكتب يبدو أننى تأثرت ببعض الكلمات , عادة ما أقول إن أسوأ الكتابات قد يستخرج منها الأديب الحقيقى أروع الأفكار والصور , وهذا ليس نوع من أنواع النحت الأدبى فالنحت يكون من كتلة ثرية وضخمة وليس من مجرد حصوات لا ترى بالعين المجردة , أمسكت بالقلم وبدأت فى كتابة مقطع من الشعر

" إنها القسمة الجائرة

فالسماء رغيف من الخبز

ألقمه الريح للغرقى وبنيه الجياع

وقال لهم مثل ما قيل للميتين

( سلام على أهل هذى الديار )

.......

w w w .    A    r    a    b    i    c    S    t    o    r    y    . n e t

جميع الحقوق محفوظة لشبكة القصة العربية 2001-2007