[ أهلاً بالضيف الكريم ] 
للتسجيل
أنت الزائر رقم

إحصائيات الموقع

الدول المشاركة
عدد الكتَّاب
عدد النصوص
عدد الكتب
عدد التعليقات
عدد القراءات
عدد التوقيعات
عدد المشتركين
كتَّاب في الانتظار
نصوص في الانتظار
 
يوم عادى لشاعر عجوز (رواية)3 
التاريخ:  القراءات:(12) قراءة  التعليقات:(0) لا يوجد تعليق  إهداء لصديق طباعة التعليقات أضف للمفضلة

  قصة ، من : أحمد خضرى عرابى  
نظرت لى الفتاة التى تجلس بجوارى وبدأت فى التحديق لما أكتب داخل الدفتر فإنتبهت ونظرت إليها فبدا على وجهها الدهشة ثم قالت لى متسائلة :

ـ حضرتك شاعر

تبسمت لها وأنا أقول :

ـ بيقولوا كدا

بادرت بالسؤال :

ـ حضرتك لك كتب مطبوعة ؟

أجبتها :

ـ نعم , ثلاثة دواوين

فجأة وجدت أمامى سيل جارف من الكلام خرج من فمها الشاب , أخبرتنى أنها تكتب الشعر والقصة وعرفت أن اسمها أميرة وهى طالبة فى كلية الطب فى السنة الأخيرة وقد أتى بها التنسيق إلى الصعيد كى تدرس فيه سبع سنوات فى كلية الطب , تحدثت كثيراً لدرجة أننى لم أكد أتمكن من اقتناص الفرصة للرد عليها , فكنت أكتفى بالإبتسام وهز رأسى طوال الوقت , حقيقة كنت أخشى أيضاً أن افتح معها موضوعات تتعلق بالوسط الأدبى والثقافى رغم أنه كان يبدو أنها محتكة بالوسط والفعاليات التى تقام , كان خوفى هو أن تكون من الأدباء المزيفين اللذين يتواجدون بصورة ملحوظة فى الوسط فى السنوات الأخيرة أو كما يطلق عليهم ( الهاى كوبى) ومعرفة هؤلاء تشكل عبئاً على الثقافة من وجهة نظرى لأن صداقتهم ـ وان كانت منفعة شخصية فى أحيان ـ إلا أنها تفرض ما تستلزمه بروتوكولات الصداقة من مجاملات أدبية وتشجيع وإبداء الإعجاب بأفكار ورؤى ونصوص لا قيمة لها وتؤدى لإهدار القيمة الفعلية للأدب .

ينقذنى رنين الهاتف من ذلك الحديث , كان (سالم) يطمئن على موعد وصولى إلى القاهرة ويؤكد أنه سينتظرنى فى محطة الوصول فى السابعة صباحاً , تقريباً لا أثق فى القاهرة إلا فى أشخاص قلائل أولهم سالم فهو من آخر من تبقى لى فى رحلة الحياة وظلت علاقتنا متصلة رغم بعد الأماكن , وبين الحين والآخر يتذكرنى بندوة أو اثنتين هنا أو هناك ويطرح إسمى المتواضع على المنظمين والذى كان من الممكن أن يكون فى طى النسيان كغيره من الآلاف من الأسماء التى ليس لها شلة أو برتيتة أو ظهر وظهير فى الوسط الأدبى والثقافى .

بعد إنتهاء المكالمة اتصنع الإنشغال بالبحث والتقليب فى الهاتف حتى اتجنب الحديث مع أميرة الجالسة بجوارى , ادخل على الحساب الذى صنعه لى إبنى على (الفيس بوك) والذى لم اكتب عليه أى شئ منذ ثلاث سنوات واكتفيت بمجرد رؤية الناس ومتابعة أخبار الزملاء والأصدقاء وأهل الوسط من بعيد , هذه الحالة من الإمتناع لم تنتج من الفراغ ولكنها نتاج لواقع مرير يعيشه أكثرية المثقفين فى العالم الإفتراضى رغم إعتبار الإنترنت بمثابة الإعلام البديل لأمثالنا من المثقفين , فالبعض منا يتم تصفير عدادات حساباتهم على المواقع إذا حقق انتشاراً ملحوظاً والبعض يتم القرصنة على حسابه , وآخرين تمثل كتاباتهم مستويات أعلى من مستوى الثقافة السائد فى الوسط أو المجتمع أو تمثل معارضة لرؤية النظم والأيديولوجيا السائدة فيتوجب منع انتشارها , فى مقابل عالم افتراضى موازى يسمح بنمو انصاف المواهب وتلميع اسماء بعينها لصالح قوى ونظم وسياسات وأشخاص , وهناك مئات الأسماء المتميزة حاولت أن توجد لنفسها مكاناً وحيزاً ولكنها فشلت فشلاً ذريعاً ولم تستطع النطق والإعتراض فى ظل حرية العالم الإفتراضى التى هى فى الحقيقة حرية الغاب .

تذكرت حين حاولت فى إحدى المرات أن أشارك بقصائدى فى رابطة شعرية يرأسها أسماء لامعة جماهيرياً فى الشعر وكانت نتيجة ذلك عدم عرض القصائد فى الرابطة بدون إبداء أى أسباب, وعلمت بعدها أن تلك الرابطة بأسمائها الكبيرة منشأة أساساً لتفريخ أسماء من الشعراء دون أسماء أخرى وتلميعهم , فهى دليل حى على حرية الإبداع فى وجه من يدعى عكس ذلك , وهناك عدد لا بأس به حاول الكتابة فيها وتم رفضه رغم تاريخه الشعرى والأدبى المميز ولم يتمكن حتى من الإعتراض حتى لا يدخل فى مشاحنات خاسرة مع الأسماء الكبيرة .

لا أدرى ربما كان ذلك الرفض أمنياً أو بسبب عداءات مستترة بين أديب وآخر أو بسبب شئ من الحقد كمن فى النفوس , ولكن ما أنا متأكد منه أن الأديب والمثقف إذا لم يكن صادقاً وعادلاً مع قضية الأدب والأدباء فلا يستحق ذلك اللقب , وربما .. ربما .. يكون العجز قد نال من تفكيرى فتخيلت أموراً لا يراها الآخرون على أرض الواقع , وربما عاينوها وأكلت الهرة ألسنتهم .

قلبت فى الصفحات دون البحث عن شئ محدد ثم دار فى فكرى أمر ما , فكتبت إسم الفتاة التى تجلس بجوارى فى القطار فظهر لى عدد من الصفحات تحمل اسم أميرة , طالعتها حتى وجدت صورة الفتاة ثم دخلت إلى حسابها على (الفيس بوك) .

أخذت فى تصفح الحساب فإكتشفت أن كتاباتها الأدبية أكثر من رائعة وتبدو أكبر من عمرها وقلت فى سرى إن مثل تلك النصوص تكشف عن كاتب من الممكن أن يكون عالمياً فى يوم من الأيام , وعليه قررت فتح باب للحديث معها لكى أكون خلفية عن مستوى ثقافتها وقناعاتها الشخصية إن أمكن متمنياً أن تخيب وجهة نظرى ولا تكون من الأدباء ( الهاى كوبى ) فأمسكت الهاتف ووجهته ناحيتها مشيراً إلى صفحتها وقائلاً :

ـ حسابك ؟

أجابت بالإثبات فبدأت الحديث معها حول نصوصها وإعجابى بما تكتب , سألتها عن الكتاب الذين تأثرت بهم وتناقشنا حول تجربة كل كاتب وبعض المسائل الخاصة بالأدب مثل التناص وتحولات قصيدة النثر ومستقبل فن القصة وغيرها من القضايا وكان حديثها يؤكد على أنها انسانة مثقفة ومطلعة على الشأن الثقافى ولكنى تذكرت إحدى الكاتبات فى فترة السبعينات وما بعدها والتى تبين بعد فترة أن أديب مغمور كان يكتب لها النصوص وكيف علمت بأنها مزيفة منذ أولى كتاباتها والتى عرضته على لتعرف رأيي فيه وشككت وقتها أن النصوص ليست لها خاصة وأن الأديب المغمور كان قد تغنى ببعض النصوص فى أحد الجلسات الأدبية أمام الجمهور ثم نسى ذلك الأمر .

قلت لها فى هدوء :

ـ هناك لعبة جميلة أحب أن ألعبها مع كل أديب اتعرف عليه , هل تودين أن نلعبها معاً ؟

ابتسمت وهى تسأل :

ـ وما هذه اللعبة ؟1

أجبتها :

ـ لعبة المجاراة .. أنا أقول بيت من الشعر وأنت تجارين قولى على نفس الوزن والقافية

قالت لى :

ـ أنا لم أدرس علم العروض ولكنى أوزن سماعى ومن الممكن أن أخطئ .

ضحكت ثم قلت لها :

ـ المهم أن تحاولى .. اتفقنا

قالت :

ـ اتفقنا .. حضرتك عندك البداية

فكرت قليلاً فى بيت مناسب ثم قلت :

ـ بلاد الله من شرق وغرب ... فلا تغررك أشباه البلاد

صمتت أميرة فترة وعلى وجهها ابتسامة تعلوها ملامح التفكير حتى ظننت أنها لن تقول شيئا ثم فتحت فمها وقالت :

ـ وللأرواح من شد وجذب ... شهود للخصام وللوداد

شعرت بسعادة غامرة حين سمعت ذلك البيت فقد أدركت أن كل ظنونى السيئة قد انتهت وإننى أمام شاعرة واديبة ومثقفة حقيقية تستحق التقدير , ثم بادرتنى القول :

ـ الآن دورى .. احم ..احم

ـ إذا ائتلفت قلوب العاشقين ... فليس يضيرها مر البعاد

أخذت أفكر ,, وأفكر ,, وادركت وقتها ان تلك اللعبة قد تكون ظالمة فى بعض الأحيان فها أنا حائر , يخوننى الوحى والشعر فى بيت واحد بعد كل هذا العمر فى الكتابة , ولكنى وجدت ما أقوله فى النهاية فرددت عليها :

ـ وإن كان التنافر فى النفوس ... فقبض الجمر أسهل للفؤاد

تبادلنا الضحكات والأبيات بعض الوقت ثم مرت خدمة الشاى والطعام فى القطار فأوقفت البائع وطلبت شاياً وأصررت على أن تشرب شيئا ما ولكنها رفضت بلطف ولكن تحت إلحاحى طلبت (نسكافيه) فأحضره البائع , ثم قالت وهى تقلب السكر فى الكوب :

ـ المفروض أن كل ما قلناه من أبيات يتم تدوينه قبل أن ننساه

ضحكت وأجبتها :

ـ الحياة بالنسبة لكى طويلة وستكتبين حتى الشبع

وأخذت فى ارتشاف الشاى فى بطء وأنا مستغرق فى التفكير .

* * *
* * *

w w w .    A    r    a    b    i    c    S    t    o    r    y    . n e t

جميع الحقوق محفوظة لشبكة القصة العربية 2001-2007