[ أهلاً بالضيف الكريم ] 
للتسجيل
أنت الزائر رقم

إحصائيات الموقع

الدول المشاركة
عدد الكتَّاب
عدد النصوص
عدد الكتب
عدد التعليقات
عدد القراءات
عدد التوقيعات
عدد المشتركين
كتَّاب في الانتظار
نصوص في الانتظار
 
يوم عادى لشاعر عجوز (رواية)4 
التاريخ:  القراءات:(11) قراءة  التعليقات:(0) لا يوجد تعليق  إهداء لصديق طباعة التعليقات أضف للمفضلة

  قصة ، من : أحمد خضرى عرابى  
تابعنا الحديث ونحن نرتشف المشروبات الساخنة , تحدثنا عن السكة الحديد والقطارات وما تدره على الدولة من أموال وحالها فى الماضى والحاضر وما يمكن أن يكون فى المستقبل ولأول مرة خلال حديثى معها أتأمل وجهها وملامحها , هناك شئ غريب بتلك الفتاة , روح معتادة كأننى أعرفها من قبل , ربما بعض الحركات فى اليدين وإبتسامة مألوفة فى الوجه , ربما ... وربما أرجعنى الحنين إلى أيام قد خلت حين كنت طالباً فى الجامعة فى مثل عمرها تقريباً شغوفاً بالأدب والمسرح والثقافة , متنقلاً بين المحافظات والندوات والفعاليات لا أحمل عبء شئ حيث ألتقيت بالحب وخبرته طقساً محبباً ورقيقاً وشغوفاً , ربما كانت الإبتسامة تذكرنى بإبتسامة الحب الأول (شاهى) من تفتح معها القلب على أول الأحاسيس الجميلة وتشارك معها الشغف بالأدب والفن ومسيرات العشق والبوح فى طرقات الجامعة وعلى طريق كورنيش النيل, مذاق أول قبلة بشفتين مرتعشتين تستكشفان الطريق , السينما الصيفى وأفلام نهاية السبعينات التى تتخبط فى طرقات الحداثة , خاتم الخطبة والشربات ودفء الزغاريد , الأبواب الموصدة فى رحلة البحث عن عمل والتضييق الأمنى على الأدباء بصوره المباشرة وغير المباشرة لإرساء دعائم المرحلة الجديدة من السلام والإنفتاح والتى أصاب كل فرد منها لطمة أو أكثر , وربما كان حظ الأدباء أكبر من غيرهم فى ظل حملات الإعتقال والفصل التعسفى وإنهاء الخدمة لكل معارض فإضطررت إلى السفر للخليج للعمل فى أشياء يقوم بها الجهلة وغير المتعلمين رغم محاولاتى المستميتة فى نفى معارضتى لسياسات النظام ولكن كان يبدو أن خوفاً عاماً بدأ ينمو من كل فرد يملك آلية من آليات التعبير ومن المحتمل أن يؤثر فى الناس , وبعد السفر فوجئت بها تهاتفنى وتخبرنى بأنها تفسخ الخطبة وانه تقدم لها شخص جاهز وستتزوج بعد اسبوع وأنها أعادت كل ما يربطنى بها إلى أهلى , كانت ثورتى وغضبى مثل البراكين قبل قذفها للحمم , كدت أن أنهى عملى وأعود لأرض الوطن ولكن لأجل من كنت سأعود , تحول الحب إلى كراهية فى لحظات قليلة وتعايشت مع الأمر بين الإندهاش والكراهية والحنين والرغبة فى الإنتقام وبعد ستة أشهر كان موعد أجازتى قد حل فعدت إلى الوطن , كان أول الأسئلة للأهل (كيف ولماذا) وبين ثورتى وغضبى وخوفهم من إرتكابى لحماقة ما صارحونى بالأمر أن الحكومة ترى أن استقرارى بالوطن يشكل خطراً كبيراً فى ظل آرائى المناهضة لهم وأن زواج شاهى ما هو إلا سبب كى لا أرجع واستقر هنا مرة أخرى وأنها قبلت الزيجة خوفاً علي من الإعتقال , لم اقتنع وقتها بل زاد الغضب وتقلبت بين الحنين والحب والشفقة والغضب والكراهية والتساؤل .. تسائلت عن مغزى التضحية التى قامت بها شاهى والتى لم أفهمها , كيف يمكن للحبيب أن يعيش مع غير من يحب ويبتعد عن حبيبه ويتركه هكذا ؟!

ترى هل تلك تضحية أن يستمتع كل ليلة بالمبيت بين أحضان غيره ويتقاسم معه الضحك واللهو والحياة بينما حبيبه يعيش فى دائرة الحرمان واللوعة والإشتياق .. بئساً لها من تضحية مزيفة وسحقاً له من حب .

بعد فترة قصيرة جاء لى أهلى بإبنة الخال ظناً منهم أنها قد تكون سبباً فى النسيان وتعوضنى عما فقدت , بعد لأى لمرات وتحت إلحاح فى الإقناع وافقت فى ظل ما تفرضه الغربة على المرء من فراغ وقلت عسى أن يكون فيها الونيس والجليس والصاحب الذى يطوى به مرار الأيام ... وقد كان .

بعد أن رزقنى الله بإبنى الأكبر وأنا فى خارج الوطن حمدت الله كثيراً على ما أكرمنى به , فقد صار لى الآن قافلة خاصة بى مكونة من ثلاثة أشخاص أنا وزوجى وإبنى ويجمعنا سقف واحد وحب واحد ومشاعر مشتركة لم أكن قد خبرتها من قبل .

حمدت الله على ما أكرمنى خاصة بعد أن تناهى إلى سمعى وما عرفته عن ما كان يدور فى الوسط وقتها من تحطيم لعلاقات عاطفية وزوجية متعددة لم يكن أحد يريد الخوض فى الحديث عنها وظلت حبيسة بين الصدور والنفوس ربما حرصاً على السمعة أو خوفاً من عواقب الحديث أو حفظاً لماء الوجه .. كانت ظاهرة بالفعل حتى أنه قيل من وقتها وحتى هذا الوقت ( إن الأدباء حياتهم الأسرية محطمة وغير مستقرة ) .

بالفعل بين حين وآخر يطرح البعض فى صفحات الجرائد الأدبية وغير الأدبية وعلى المواقع المختلفة ذلك السؤال دون أن يوضع له إجابة محددة , ومن الممكن أن يكون بصورة أخرى مثل :

( لماذا يموت الشعراء كمداً ) أو ( لماذا لا يربح الأدباء فى معركة الحب ) ... وهكذا .

ولكن الأمر الوحيد الذى لم يتغير هو عدم الإجابة عن ذلك السؤال.

كان شجن الذكريات قد وجد طريقاً له إلى أبواب القلب فشعرت بالرغبة فى الكتابة , استأذنت من أميرة طالباً شيئاً من الإنفراد بالذات لرغبتى فى كتابة بعض الأفكار التى تذكرتها أثناء الحديث وأمسكت ببعض الأوراق والقلم وانشغلت هى بمتابعة هاتفه بينما كان القطار يتحرك فى طريقه المحدد وطفل رضيع يبكى ورجل نائم يطلق شخيراً عالياً ورجل يستمع إلى أغنية للعندليب بصوت مرتفع وكأنه يريد الجميع أن يشاركه السماع وكنت أنا أكتب هذه القصيدة

( إنها القسمة الجائرة

فالسماء رغيف من الخبز

ألقمه الريح للغرقى وبنيه الجياع

وقال لهم مثل ما قيل للميتين

( سلام على أهل هذى الديار )

كيف لا يفهم المتعبون

بأن الحقيقة مثل الوليد

يحن إلى ضمة الأم بعد الفطام

الحطام هنا فى البلاد الشريدة

صار جيوشاً من الموت

لا تشتهى غير طعم الدماء

وصوت البكاء غدى رمز

جرس الكنائس

صرنا من الموت للموت

كيما نخط فصول الختام

وبوح القصائد

بين اختلاج المشاعر

والسفن المشرعات على صفحة البحر

ميناء غرقى

يجئ من الماء بحارة متعبين

وبعض قراصنة أشقياء

لكى ما يلوكون لب الحقيقة

والوهم ـ سيان ـ

فالمر صار المذاق الوحيد هنا

والسلام كترنيمة الحرب

وهم تمرس فى صنعه

أدعياء البطولة

كى يلعق الناس أرغفة الدم والملح

دون السؤال عن الحلم

بالقمح والسنبلات

فكل الملوك على هذه الأرض

لا يرحمون

وشاء الرحيم بنا أن نسير على الدرب

نحو الخراب

نقايض بالشمس ليل العماء

وبالحب سمت اللظى و الشقاء

وبالضوء عتمتنا الباهرة

وتلك لنا قسمة جائرة

بين ضدين نمشى على الأرض

كالأنبياء القدامى

نرتل ترنيمة الصبر والإنحناء

ونحلم بالغيث فى قفر صحرائنا

والسحاب يعشمنا بإقتراب المطر

قاب قوسين نحفر بئراً جديداً

بأرض بوار

ونرنو لكى ما نرى فيه يوسف

ندعو لكى يشتريه العزيز

ونحلم بالملك والإنتصار

ونهذى وحيدين فى جدب أعمارنا اليابسات

فيساقط الدمع

تبيض فينا العيون

على أمل بالبشارة

كيف لنا أن يجئ القميص بضوء النهار ؟

نجئ من البحر والقفر ـ سيان ـ

ما أن شربنا حتى تجمع بالحلق

طعم المرار

افترقنا كرمل يحارب ريح السموم

فرادى نجئ من الحزن مثل البنفسج

فوق المقابر

نهمس .. يا بحر

يا عوسج المفردات وسجر الحروف

بنار اللغات

حنانيك يا سيد الموج

نحن التقيناك فى حانة الشعر

والشجن الموسمى ينادمنا

بالوصال من الوجد

فى طلة للجلال

فكنت لنا المد فى حضرة الجزر

والسلسبيل كجرعة ماء

تحاول فينا وأد العطش

أتيناك فإِنأ عن الحزن كيما

نخط من الفرح أشرعة

لينام الصغار على شرفة الحلم

والضحكة الغائبة

ما تزال الأغانى هنا شاحبة

هل لنا أن نقايض

بالموت وهج الحياة

وبالصحو بعض السبات

وبالحزن ضحكتنا الشاعرة

أم تدور بنا الأرض دورتها الجائرة

وتبقى لنا الكرة الخاسرة)

* * *
* * *

w w w .    A    r    a    b    i    c    S    t    o    r    y    . n e t

جميع الحقوق محفوظة لشبكة القصة العربية 2001-2007