[ أهلاً بالضيف الكريم ] 
للتسجيل
أنت الزائر رقم

إحصائيات الموقع

الدول المشاركة
عدد الكتَّاب
عدد النصوص
عدد الكتب
عدد التعليقات
عدد القراءات
عدد التوقيعات
عدد المشتركين
كتَّاب في الانتظار
نصوص في الانتظار
 
يوم عادى لشاعر عجوز (رواية)5 
التاريخ:  القراءات:(12) قراءة  التعليقات:(0) لا يوجد تعليق  إهداء لصديق طباعة التعليقات أضف للمفضلة

  قصة ، من : أحمد خضرى عرابى  
وضعت القلم من بين يدى ونظرت متأملاً إلى ما كتبت , كان الشغف يملئنى لإلقاء القصيدة على الناس رغم أنها مسودة أولية لم أقم بتنقيحها , قاطعت أميرة أفكارى قائلة :

ـ قصيدة جديدة ؟

أجبتها :

ـ نعم ,, ولكنها تحتاج للمراجعة والتنقيح

طلبت منى أن ألقيها على مسامعها وهذا ما كنت أريده , أن يسمع شخص ما ما كتبت ويكون شاهداً على ميلاده , ميلاد القصائد شأن عظيم عند الشعراء , يشبه ميلاد أبنائهم , لحظات الكتابة تشبه لحظات الوضع ورؤية المولود تشبه رؤية القصيدة بعد إكتمالها ثم بعد ذلك يأتى الأهل والأصدقاء المقربين لرؤية المولود ويعرضه الأب عليهم واحداً تلو الآخر كما يفعل الشعراء مع قصائدهم حين يعرضونها أولا على المقربين ثم تأتى اللحظة العظيمة يوم السبوع الذى يعرض المولود فيها فى جمع كبير حيث يعم الإحتفال فى نفوس الحضور ومن يضبط متلبساً بالحزن أو الغضب أو الإستهزاء بالمولود يكون عقابه عسير عند الأب , وهذا هو حال ميلاد القصيدة فى أول ندوة تلقى فيها , كنت سعيداً وكان ذلك الشجن الذى كان يتلبسنى قد اختفى كأنه لم يأت قط , امسكت الأوراق وبدأت فى القراءة , وما أن انتهيت حتى قالت لى :

ـ ياااه .., كتابة عظيمة ,, يبدو أنك تذكرت أموراً لها معك ذكريات تبعث الشجن .

تصنعت الضحك وأنا أقول :

ـ حال البلاد لا يسر عدو ولا حبيب يا بنتى , اسف لو قلت بنتى , انتى فى عمر أولادى وأنا عندى بنت فى عمرك تقريباً اسمها خديجة .

ردت بلطف وهدوء :

ـ ازاى يا عمو دا شرف ليا والله .

شكرتها واستئذنت لدخول دورة المياة , غسلت وجهى ونظرت فى المرءاة إلى الشعر الأبيض والتجاعيد التى صارت كالأخاديد التى تدل على أننى كما يقولون (خلاص حسن الختام) , ترى هل كنت سعيداً فى حياتى ؟ , هل كنت رجلاً بما يكفى لأكتب الشعر ؟ وهل سيتذكرنى الأحبة ؟ وبماذا سيذكروننى ؟ أرجو ألا يتذكروا الشعر والأدب ولا يتذكرون شخصى , أتمنى أن يتذكر الناس عملى الصالح , أبحث عن العمل الصالح الذى فعلته ليستحق الذكر فلا أجد شيئاً , ربما يكون أكبر الإنجازات التى حققتها فى الحياة هى إنجابى لحفنة من الأبناء وكتابة الشعر , مرت أمامى مشاهد متفرقة لم يمحها الزمن من الذاكرة ونزلت دمعة ساخنة ربما إكراماً للحنين ووجوه الغائبين انتظرت بعدها بضع لحظات ارتب نفسى وملابسى ثم عدت إلى مقعدى مرة أخرى .

امسكت الهاتف وتشاغلت بالتقليب والبحث فى مواقع التواصل الإجتماعى وصفحات (الفيس بوك) أقرأ تارة نصاً هنا أو دعابة هناك , أتابع على غير هدى أخباراً لمثقفين وأدباء مغمورين أو لا يظهرون على شاشات التلفاز أو ما يسميهم البعض أدباء (الأندر جراوند) وبين زخم الأسماء أتوه أحيانا بين المزيف والحقيقى ومدعى الثقافة ولكنى كالجميع لدى شغف كبير فى متابعة الفضائح والأحداث المهمة وأخبار النميمة وقد أصبحت تلك الأمور شأناً عادياً وليس بسر بعد نزوح أغلب الوسط لفضاء الإنترنت بعد أن كانت أسراراً لا يعلمها إلا الحاضرين فى الجلسات المغلقة .

هذه مثقفة تحسب نفسها ويحسبها الجميع على التيار اليسارى تقرر فى صفحتها أن الأمن منعها من إقامة ملتقاها الثقافى وتخشى أن تقيمه فيتم القبض على الحاضرين بدون سبب , ويتفاعل معها المئات بين إعادة النشر والتعليقات والشجب والإدانة وتطوع البعض لإقامة الملتقى فى أماكن أخرى كصالونات أو أحزاب أو بيوت لشخصيات ذات شأن .

وآخر يحسب نفسه ويحسبه الجميع على التيار النقيض يعلن منع ملتقاه أيضاً ولا يتفاعل معه سوى عدد لا يجاوز العشر أشخاص .

وآخر يتم القبض عليه لإتهامه بالتحريض على التظاهر والمشاركة فى المظاهرات ويتفاعل معه ما يقارب الألف أديب ومثقف وصحفى بينما آخر يحسب على التيار اليسارى يتم القبض والتحقيق معه ولا يتفاعل معه سوى ثلاثة أشخاص .

والحقيقة أنا لا أدرى تحديداً لماذا تختلف درجات التفاعل مع ما يعتبره الناس ظلماً , من المفترض أن يكون المثقف أكثر تجريداً نحو قضاياه وإلا سنكون أقرب إلى البربرية وشرعة الغاب حيث يسود منطق القوة والقبيلة على أى منطق وفكرة أسمى .

ربما ... وربما كان ما يحدث هو صورة مصغرة لفترة السبعينات وما فيها من تعتيم بالطرح حيث يكون هناك حدث أدبى أو ثقافى كبير أو إيذاء أو ضرر لكاتب معروف يتم تسليط أبواق الإعلام والصحافة عليه بحيث يتم تجاهل أو نسيان حوادث أكثر بشاعة لا ينبغى أن يتم تسليط الضوء عليها ومن الممكن أن تكون خاصة بالوسط الثقافى أيضاً ,

ولكن هذه الفكرة فى أيامنا هذه وفى ظل التكنولوجيا ووسائل الإتصال والإعلام البديل لا يمكن تطبيقها إلا فى ظل وجود مجتمع ثقافى وأدبى كامل وموازى يكون تابع للسلطة فى مقابل مجتمع أدبى آخر , ربما .. وربما تكون العلاقات والمصالح المشتركة لها دور أيضاً.

دار بذهنى البحث عن أخبار الكاتب ( أحمد ناجى ) فبحثت عن أخباره , لا أحد من الممكن أن ينساه بعد تلك الزوبعة التى دارت حوله وحول روايته (استخدام الحياة) وذلك التفاعل غير المسبوق والذى صدم العديد من المثقفين وأنا لا أكذب حين أقول صدمهم التفاعل فعدد الكتاب المقيدين فى إتحاد الكتاب يزيد عن الثلاثة آلاف بالإضافة إلى أربعة آلاف أخرين غير مقيدين فى الإتحاد من الممكن أن تستخرج من هذا العدد المهول خمسمائة فقط يملكون التفاعل الإعلامى وتفتح لهم الأبواب والملتقيات والنوادى والقنوات ودور النشر الرسمية وغير الرسمية أما الباقى فهم المهمشون فى الأرض أو فى الوسط , وعدد كبير منهم يعانى من قسوة الحياة أو الإضطهاد أو الإعتقال أو تلفيق القضايا له ولأهله أو خسران عمله أو إغلاق كل منافذ التواصل فى وجهه , ومنهم كتاب لو اتيحت لهم الفرص لوصلوا للعالمية بينما فرد واحد لم يكتب شيئاً يذكر واختلف عليه الأدباء يصدر بإسمه بيان موقع عليه من خمسمائة كاتب أغلبهم ممن تسلط عليهم الأضواء , ذلك غير فوزه بجائزة عالمية , اليس ذلك أمر يثير الشكوك ...

ربما ... وربما يكون ما دار همساً من أقوال حول تلك الجائزة وعلاقته المريبة بشخصيات أجنبية تكتب معه فى أحد المواقع وراء ترشيحه للفوز بها وربما وراء الحكم عليه بالسجن أيضاً , لكنه بتلك الجائزة أصبح شخصية عامة عالمية يجب توفير الحماية لها داخل الوطن .

أعتقد أن المساواة فى الظلم عدل , وإن ظلم أديب فمن واجب الجميع الوقوف بجانبه فالمسألة لا يجب أن يكون بها خيار وفقوس .

إنتابنى الحنق من الوضع ككل فنحيت الهاتف جانباً وقررت الحديث مع أميرة الوقت المتبقى حتى وصول القطار إلى القاهرة , تحدثنا عن أمور متعددة فى الأدب والفن والدين والثقافة ووسط الشباب الثقافى والمواهب الحقيقية الجديدة على الساحة الأدبية , عرضت على بعض الأعمال لكتاب شباب عن طريق صفحاتهم على الفيس بوك , خلال عرضها لتلك الصفحات وكزت على أعمال أحد الشبان بصورة ملحوظة ويبدو أنها كانت معجبة به أو تدور بينهما قصة حب على نحو ما فحفظت الإسم جيداً لأنى لم أجد فى أعماله أى شئ مميز ويبدو أن عبارة ( مراية الحب عمياء) تنطبق بصورة واضحة عليها , قلت لها إنى سأحاول أن أنشر عملاً أو أكثر من أعماله حال وجودى بالقاهرة فى جريدة لأحد الأصدقاء مجاملة منى لها ولا أدرى لماذا قلت لها ذلك , يبدو أن لسانى خاننى هذه المرة ففى العادة أنا لا أزكى إلا من يستحق .

مر الوقت بسرعة وكان القطار يقترب من محطة الجيزة وكانت تلك محطة نزولها , تبادلنا أرقام الهواتف وودعتها حتى باب العربة إلى أن نزلت فى محطتها وعدت إلى مكانى .

تحرك القطار تجاه محطة رمسيس فحضرت شنطتى وأشيائى , بحثت عن القصيدة التى كتبتها فى القطار ولكنى لم أجدها , أعدت البحث مرة وأخرى ولكنى لم أجد أى شئ أيضاً , انتابنى الضيق والغيظ فعادتى أنى لا أستطيع حفظ ما أكتبه إلا بعد فترة طويلة وظللت على هذه الحالة حتى وصول القطار للمحطة ونزولى منه .

* * *
* * *

w w w .    A    r    a    b    i    c    S    t    o    r    y    . n e t

جميع الحقوق محفوظة لشبكة القصة العربية 2001-2007