[ أهلاً بالضيف الكريم ] 
للتسجيل
أنت الزائر رقم

إحصائيات الموقع

الدول المشاركة
عدد الكتَّاب
عدد النصوص
عدد الكتب
عدد التعليقات
عدد القراءات
عدد التوقيعات
عدد المشتركين
كتَّاب في الانتظار
نصوص في الانتظار
 
يوم عادى لشاعر عجوز (رواية)6 
التاريخ:  القراءات:(10) قراءات  التعليقات:(0) لا يوجد تعليق  إهداء لصديق طباعة التعليقات أضف للمفضلة

  قصة ، من : أحمد خضرى عرابى  
نزلت من القطار وقطعت الممر مشياً حتى وصولى لبوابة الخروج , هاتفت سالم فأخبرنى أنه ينتظر فى موقف السيارات خلف المحطة فتوجهت إليه وأنا أتأمل التغير الذى حدث فى محطة القاهرة , لم اكن قد تعودت بعد على تلك التحديثات التى تم ادخالها على محطة القاهرة , كانت كفتاة تضع عطراً حداثياً , وأنا لا أعرف كيف يكون العطر حداثياً ولكن ذلك الوصف هو ما خطر بذهنى وقتها , ربما لأن الأماكن كلما أوغلت فى القدم تركت عبق التاريخ على جدرانها كشاهد على السنوات , أو لأن الرسم الهندسى الحديث للمحطة منع إلتقاء الحميمية بين المسافرين وأهل القاهرة البسطاء من البائعين والحمالين والناس فوضع مساحة شاسعة وخالية من الأرض بينهما فأصبح المسافر لا يخرج من حالة الترحال إلا بخروجه من المحطة بينما كان قبل التحديث يخرج من حالة الترحال فور خروجه من القطار حيث يصطدم بعرق البسطاء ورائحة الطعام والمشروبات وعوادم السيارات ,, ربما لم يكن كل تغيير جيداً بالنسبة لنا نحن كبار السن فقد كان أحد المقاعد الحجرية يعرفنى وأعرفه منذ أربعة عقود وأكاد أجزم أنه كان يفرح حينما كنت أزوره كلما أسافر , كانت تجمعنا ذكريات جميلة , حفرت ذات سفر على حجارته إسمى واسم حبيبتى وكنت لا اجلس إلا عليه كلما جئت للمحطة فقط كى استرجع الذكرى , نعم كان لنا ذكريات وأيام , قطعت الطريق حتى وصلت لموقف السيارات فأبصرت سالم بجسده النحيل وشعره الأبيض وسيجارته التى لا تنطفئ أبداً كما عهدته دائماً , يقف مبتسماً وفاتحاً ذراعيه لإحتضانى وهو يقول مبتسماً :

ـ الحمد لله على السلامة يا راجل يا عجوز .

التقت أجسادنا فى إحتضان طويل بعمر سنين الصداقة التى لم يعكرها شئ رغم الأزمات وبعد المسافة وتقلب الدهر وأحواله بينما كنت أرد عليه ضاحكاً :

ـ حسن الختام يا صديقى

ركبنا السيارة ونحن نتحدث عن أحوال الأسرة والأبناء وظروف الحياة القاسية وحالة الإغتراب الفكرى والثقافى والإجتماعى التى يعيشها الناس , لم نشعر بأنفسنا ونحن نردد معاً فى نفس اللحظة قصيدة محمود درويش ( لا أعرف الشخص الغريب ) , رددنا معاً القصيدة بشئ من الشجن , ربما لأن الرجال أمثالنا فى هذا السن يشعرون أنهم أقرب للغربة من الإقامة الدائمة , كأنهم ضيوف على ظهر البسيطة ينتظرون موعد الرحيل , .. ربما , ولكننا لم نكف عن التحسر على أيام الزمن الجميل حيث كل شئ كان له مذاقه الخاص وسطوته الجميلة .

بادرنى بعدها بالسؤال :

ـ على فين العزم ؟!

أجبته :

ـ ورائى بعض المشاوير التى سأنشغل بها حتى موعد الندوة , أنت نزلنى فى وسط البلد ونلتقى فى موعد الندوة

ضحك ضحكة قصيرة ثم قال :

ـ لا .. أنا طول اليوم فاضى ومعك فى كل مكان , يا راجل انت لا نراك إلا فى المواسم , ها ... على فين ؟

قلت له بلا مبالاة :

ـ أى مقهى من مقاهى وسط البلد , البستان أو التكعيبة أو حتى صالح .

تبسم ضاحكا ثم قال :

ـ يا راجل صالح ايه وكلام فاضى ايه , انت عايز يتقبض علينا فى السن ده , أنا هوديك مكان خرافه

لم أجادله كثيراً , فبعد القبض على مجموعات من الشباب فى الفترة الأخيرة من على المقاهى الشعبية فى وسط البلد وإنتشار الأخبار فى كل مكان أصبح الجلوس على مقاهى التجمعات الثقافية والفنية أمر مقلق , خاصة أن بعضها يشبه إلى حد كبير الخرابات والغرز كمقهى صالح مثلاً , ولكن العجيب فى الأمر هو إصرار عدد كبير من الأدباء والمثقفين والموسيقيين والمسرحيين والصحفيين الجلوس عليها ,, ربما لرخص أسعار تلك المقاهى أو لقربها من مناطق حيوية كنقابة الصحفيين ونقابة المحاميين ودار القضاء العالى والمسرح القومى حتى صار الأمر كالصرعة أو التقليعة الجديدة عند المثقفين , حتى بعض كبار الأدباء يجلس مرة أو مرتين على تلك المقاهى ويلتقط الصور التذكارية ليقول أنه جلس مع فقراء الأدباء والمثقفين وصعاليكهم وجلس فى أرقى الأماكن والتجمعات الأدبية أيضاً .

قلت له متسائلاً :

ـ هنروح فين ؟

أجابنى :

ـ انتظر لترى بنفسك .

ظللت متابعاً للطريق الذى تسير فيه السيارة وكنت مندهشاً لأن سالم كان يتجه نحو وسط البلد , تابعته حتى تخطينا المسرح القومى ثم ركن السيارة بجوار الرصيف ونزلنا , مشينا قليلاً ثم دخلنا فى ممر بين مجموعة من العمائر على الجانبين ثم شاهدت أجمل وأغرب المشاهد التى من الممكن أن تراها فى قاهرة وسط البلد , قطعة أرض فضاء عملاقة تحدها العمائر من ثلاث جهات وممتلئة بالمقاعد التى يجلس عليها عشرات من الرجال السود .. ولم يكن من بينهم رجل واحد أبيض البشرة .. نعم كان مقهى وتجمع خاص بالرجال الأفارقة من أصحاب البشرة السوداء .

ظللت مسمراً فى مكانى للحظات وأنا أنظر للمكان بينما كان سالم يكاد أن يستلقى على ظهره من الضحك , ثم أدرت إليه وجهى متسائلاً ومندهشاً فأجابنى والإبتسامة لا تفارق وجهه :

ـ متخافش , الناس دى من أطيب البشر فى القاهرة , وأكلهم وشربهم من أطيب وأطعم ما ستذوقه فى حياتك .

ثم أضاف متابعاً :

ــ أنا قلت إنه بما أن الشعب أصبح فى حالة إغتراب فكرى وثقافى وإجتماعى فإن أنسب مكان لتناول الفطور وشرب القهوة هو أن نكون بين الأغراب .

سألته برفق :

ـ وهل تظن أنهم يعتبرون أنفسهم أغراباً ؟!

أجابنى بسؤال آخر :

ـ ومن فى هذا الزمن لا يشعر بالغربة يا صديقى ؟!

قلت له :

ـ الغربة هى غربة الروح وليست غربة الوطن , انظر إليهم جيداً وقد ترى أن أرواحهم لم تفقد بريقها وفطرتها حتى الآن , ربما يكونوا أغراباً بحكم المستندات وبأختام الورق ولكنهم فى إقامة دائمة مع ذواتهم حتى فى ظل الظروف الصعبة التى يعيشون فيها بحكم كونهم لا يحملون الجنسية .

قال لى مداعباً :

ـ إيه يا عم الكلام العميق ده , أنا قلت أضحك معاك , تعال , هفطرك فطار ملوكى .

أخذنى من يدى ودخلنا المطعم الوحيد المقابل للمقهى , جلسنا على المائدة الوحيدة الغير مشغولة من ثلاث موائد يتيمة فى المحل , طلب طلبين ( فول سودانى ) فدار بخلدى أننا سنأكل فول سودانى كالذى يلقى للقرود فى حديقة الحيوان , فقلت له :

ـ إيه فول سودانى ده , أنا مش عايز ؟

أفهمنى أن الفول السودانى هو أكلة شعبية للأفارقة هنا فى القاهرة ويتم فيها هرس الطعمية الساخنة على الفول المدمس مع الزيت والتوابل فى طبق واحد , ثم أضاف أنه لم يكن يفهم معناه فى البداية وأنه حين شاهد رجل وزوجه لأول مرة وهم يفعلون ذلك عند إحدى عربات الفول ظن أنهم فقراء وهم أن يتصدق عليهم لكنه عرف فيما بعد أن الجميع يفعل ذلك .

سألته مستفهماً عن كيفية اكتشافه لهذا المكان فقال لى انه وجده بالمصادفه عقب مشاهدته لأحد عروض المسرح القومى فقرر الجلوس وشرب فنجال من القهوة وكان أجمل فنجال ارتشفه فى حياته وعرف بعدها أن هذا المكان مشهور فى وسط البلد بما يسمى قهوة الأفارقة أو السودانيين والبعض يقول قهوة الزنوج ولكنه لا يحب ذلك الإسم ويفضل عليه قهوة الأفارقة .

كانت الساعة لم تتجاوز الثامنة بعد ونحن نتناول وجبة الإفطار المكونة من طبق الفول السودانى عندما رن الهاتف ليخبرنى أن أميرة (فتاة القطار) تتصل , رددت عليها فأخبرتنى أن قصيدتى بحوزتها ويبدو أنها وضعتها بالخطأ فى حقيبة يدها وأخبرتنى أنها على استعداد لإحضارها لى اليوم , أخبرتها أننى فى وسط البلد أتناول الفطور مع صديق فقالت إن والدتها تعمل فى وسط البلد فى أحد البنوك المجاورة لنقابة الصحفيين وإنها مستعدة لمقابلتى فى التاسعة أمام النقابة , أبديت انزعاجى من التسبب لها بالإزعاج خاصة وأنها قد تشعر بالإرهاق بعد ذلك السفر فقررت أنها فرصة مناسبة لأنها سوف تلتقى بأحد الأصدقاء ولن يشكل الأمر لها مشكلة , انهيت الإتصال وقد ارتسمت على وجهى ابتسامة سعيدة فقد عادت لى قصيدة عزيزة كنت أظن أنها قد ضاعت إلى الأبد .

* * *
**

w w w .    A    r    a    b    i    c    S    t    o    r    y    . n e t

جميع الحقوق محفوظة لشبكة القصة العربية 2001-2007