[ أهلاً بالضيف الكريم ] 
للتسجيل
أنت الزائر رقم

إحصائيات الموقع

الدول المشاركة
عدد الكتَّاب
عدد النصوص
عدد الكتب
عدد التعليقات
عدد القراءات
عدد التوقيعات
عدد المشتركين
كتَّاب في الانتظار
نصوص في الانتظار
 
يوم عادى لشاعر عجوز (رواية)7 
التاريخ:  القراءات:(10) قراءات  التعليقات:(0) لا يوجد تعليق  إهداء لصديق طباعة التعليقات أضف للمفضلة

  قصة ، من : أحمد خضرى عرابى  
خرجنا من المحل بعد أن تناولنا الإفطار لنجلس قليلاً على المقهى , كان الطعام على بساطته طيباً بحق ولو صدقت مقولة أن الطاهى يضع جزءاً من روحه فيما يعده من طعام لكانت روح الطاهى من أطيب الأرواح , أو ربما أعجبت بالفول لإنبهارى بالمكان .. لا أعلم , ولكن ما أعلمه أنى كنت سعيداً هذا الصباح , بعد جلوسنا على المقهى قال لى سالم :

ـ سيب لى نفسك خالص واشرب على مزاجى هذه المرة

صفق سالم بيديه على طريقة أولاد البلد فى الأفلام القديمة فجاء له النادل الذى كان يبدو أنه يعرف سالم من قبل , تحدث معه سالم بعد تبادل السلام وطلب منه أن يحضر لنا فنجالين من القهوة فى البداية فذهب النادل لتنفيذ المطلوب , كان النادل شاب سودانى عرفت من سالم أنه يدرس فى القاهرة ويعمل فى ذلك المقهى , كان المقهى عبارة عن مساحة ثمانين متراً فى أسفل إحدى العمائر وقد استغلت قطعة الأرض الفضاء المجاورة له لجلوس الزبائن , كان فى داخل المقهى جهاز تلفاز وفيديو يعرض أحد الأفلام الهندية للممثل الهندى (اميتاباتشان) بينما يتحلق حول التلفاز عدد ليس بالقليل من الرجال سود البشرة يتابعون بشغف شديد ما يعرضه الفيديو , اندهشت من وجود بشر داخل القاهرة مازالوا يتابعون أفلام الفيديو القديمة واندهشت أكثر من وجود مقاهى مازالت تعرض أفلام الفيديو فقد كانت تلك تكنولوجيا الثمانينات والتسعينات من القرن الماضى حيث كانت كل المقاهى لابد من وجود جهاز الفيديو بها وتحلق الزبائن حوله والجلوس (القعدة) بالمشاريب ولكنها اختفت مع مطلع الألفية الجديدة وظهور الإنترنت والأقمار الصناعية والدش فأصبح الفيديو يشبه إلى حد كبير جهاز الفونوغراف الخاص بإسطوانات الموسيقى الذى يكاد أن يكون قد إختفى من كل البيوت , أشرت لهم وأنا أقول لسالم :

ـ انظر , يشاهدون أفلام فيديو لأميتاب

ضحك ثم قال لى :

ـ لا تشر , هم دائماً ما يشاهدون تلك الأفلام .

قلت له :

ـ أنا لا استهزئ بهم , إن تلك الثقافة هى ما شكلت جيلنا وهى أفضل بمراحل من ثقافة هذا العصر , هل تلاحظ يا سالم أن المجتمعات البكر التى لم تخسر فطرتها الأولى ولم تلوثها معطيات عصر الحداثة هى ما تكون المفاهيم عندها واضحة ومباشرة , هناك الخير وهناك الشرعلى نقيضه , البطل يحارب عدوه الشرير وينتصر ويفوز بالحبيبة , هل تتخيل مدى بساطة الصراع بالنسبة لهؤلاء رغم معيشتهم فى مجتمعات معقدة الخير فيها هو اختيار أقل الشرين ضرراً ,الصراع خير وشر تماماً كالفطرة الأولى , إن ثقافة الفن والسينما لدينا الآن تتجه إلى تدرج الشر وتدرج الصراع فمن الممكن أن يكون اللص أو القاتل رمزاً للخير إذا واجه من هو أكثر شراً منه وانتصر عليه , وهكذا كلما إزدادت الحضارات تقدماً وحداثة فى كل العالم يبدأ مفهوم الخير فيها فى الخفوت , خذ على سبيل المثال الأفلام الأمريكية التى تمثل أكثر الحضارات تقدماً فى الوقت الحاضر تجد أن عدد كبير من أفلامها هو صراع دائم بين قوى الشر وقد يفوز فى ذلك الصراع الأكثر شراً بل ويخرج الجمهور متعاطفاً مع الشرير الفائز ومتخذه كمثل أعلى , هل فهمت ما أقصده ؟!

أجاب على سؤالى بسؤال آخر :

ـ إذا كان ما تقول فلماذا تركت الحياة البسيطة التى لم تنل منها معطيات الحداثة فى الخليج وجئت إلى هنا ؟!

قلبت الأمر فى رأسى ثم أجبته مبتسماً :

ـ ياااه .. ولكن ذلك حدث منذ زمن بعيد وكنت أعتقد وقتها أننا معشر من يتعاطون الأدب والشعر كالأسماك نختنق ونموت إذا ما خرجنا من موطننا الأصلى , أما الآن فالخليج قد طالته شباك العولمة وأصبحت التكنولوجيا جزءاً لا يتجزأ من نظام الحياة هناك رغم أنها لم تؤثر تأثيراً كبيراً على فطرة الناس السليمة .

سألنى بخبث :

ـ يعنى لو عرض عليك عمل فى الخليج الآن تقبله ؟!

رددت عليه قائلاً :

ـ هل تصدق يا سالم اننى لا أعلم الإجابة , عندما يكبر الواحد منا فى السن ينتابه الحنين الدائم لذكريات عمره وتطغى على روحه رائحة المكان وفى المقابل فإنه يحاول البحث عن حياة أفضل لأبنائه , المضحك فى الأمر أنه عرض على عمل يمكننى التوفيق بين الأمرين من خلاله ورفضت .

قال وعلى وجهه علامات الإندهاش :

ـ وكيف ذلك ؟!

قطع حوارنا النادل وهو يقدم القهوة التى كانت رائحتها تشى بعبق يفتح منافذ عجيبة داخل الدماغ , ارتشفت بضع رشفات من الفنجال فإنبهرت من تلك التحويجة التى تجمع القرفة مع الزنجبيل مع مكونات أخرى لم أتمكن من تحديدها وارتسمت على وجهى أمارات الإغتباط فقال لى سالم :

ـ إيه رأيك .. اختراع

فتحت شفتاى وقلت :

ـ صحيح

فقال لى سالم :

ـ انتظر حتى تشرب التبلدى والحلومر , عالم ثانى يا صديقى .

ضحكت وأنا أقول :

ـ شوقتنى والله

عدنا لحديثنا السابق عن الجمع بين الأمرين , العمل بالخليج والبقاء فى مصر فأخبرته أنه عرض على أحد أبناء العرب ممن تواصلت معهم خلال فترة عملى هناك أن أكون مشرفاً على أحد المواقع الأدبية بما يشمل مراجعة النصوص وتنسيقها وطلبات العضوية وغير ذلك فى مقابل مبلغ مالى محترم , قلت له أننى اعترضت فى البداية وقررت أننى من الممكن أن أقوم بذلك بدون مقابل وبعد فترة وافقت , بعدها طلب منى أن أهجو شخص لا أعرفه ولم تجمعنى به جلسة واحدة فى يوم من الأيام فى قصيدة أو اكتب له قصيدة ويعطيها لشخص آخر ليهجو بها عدوه كخدمة لذلك العربى ولكنى رفضت ذلك الأمر وتركت العمل .

قال لى سالم :

ـ غلطان .., ألف غيرك يتمنى ذلك , الحكومات والرؤساء والملوك وحتى أصحاب النفوذ ومراكز القوى أنفسهم لديهم جيش جرار من الأدباء والمثقفين والرموز الذين يفعلون ذلك مع خصومهم للتنكيل بهم وتدميرهم وجرهم لمنازعات جانبية بكل حب وبدم بارد , وهذه خدمة سيكون لها مقابل كبير وتقدير مهم بدون جهد منك .

رددت عليه :

ـ والله أنا أعرف كل ذلك واعتبره أمر مشروع مع الأعداء إن كانوا من الظالمين ولكنى اعتبرت هذا الأمر من أخلاق الجاهلية خاصة وأن ذلك الشخص المطلوب منى هجاءه يبدو عليه الطيبة .

قال فى غيظ :

ـ هتفضل طول عمرك خيبان , الدنيا كلها ماشية بالصورة دى , كنت اخذت القرشين أو جائزة كبيرة فى آخر أيامك .

حاولت تغيير الموضوع قائلاً :

ـ يا عم أنا فقرى , دعك منى وهات لنا التبلدى والحلومر حتى نمشى من هنا .

صفق للنادل حتى يحضر وطلب منه المشروبات وجلسنا لحظات فى صمت حتى بادرته بالسؤال :

ـ إنت أخبارك الأدبية فى أى إتجاه ؟

أجابنى بإقتضاب :

ـ احاول الكتابة فى رواية عن حياة السود هنا .

ضحكت ضحة طويلة حتى دمعت عيناى ثم قلت :

ـ لهذا السبب تقعد هنا فى القهوة

رد بنفس الإقتضاب :

ـ المكان يستهوينى يا أخى والفكرة جائت بعد معرفتى بالمكان ولا حرام على أمثالى يكتب بحريته , عملها عمار فى رواية بيت السنارى وفاز بالطيب صالح .

رددت عليه :

ـ لكنه كاتب كبير ومؤلفاته جيدة ووجه إعلامى

قال بحده :

ـ وأنا كاتب كبير ولى مؤلفاتى ويشهد لها الجميع انها أكثر من رائعة , وإن كان على الظهور الإعلامى فأنا لا أفرق عنه فى شئ .

ضحكت وقلت له :

ـ صحف الأقاليم وقنواتها تختلف يا صديقى , وعموماً كل شئ نصيب فى الأول والآخر .

جاء النادل يحمل أكواب التبلدى أو القونقليز كما علمت بعد ذلك من سالم وهو يحكى لى عن فوائده فى علاج الكوليسترول وتصلب الشرايين وما قيل من أساطير حول شجرة التبلدى حيث تقول الأسطورة إن الشيطان نزع شجرة التبلدي من جذورها وقلبها في الأرض فيما تقول أخرى إنها باعتبارها أولى الأشجار غارت حين خلقت النخلة بسموقها فنفد صبر الآلهة من غيرتها وتبرمها فقلبتها رأسًا على عقب، كما يعتبر بعض أهالي غرب السودان جذع شجرة التبلدي مسكنًا للجن والمردة، لذلك لا يقربونها ليلاً .

قال لى وهو يداعبنى :

ـ هل تعلم أن الأسطورة تقول أن من يشرب عصير ثمارها ـ القونقليزـ سيمتلك القوة والشجاعة , فهي عند بعض الشعوب شجرة الحياة ورمز الخصوبة بل إن البعض يتعمد غسل الأطفال بعصير القونقليز ليشبوا أقوياء وأبطالاً , المفروض أن تشترى برميل من ذلك المشروب وتأخذه معك الصعيد , ههههه.

قلت بإسلوب مسرحى بيتاً مشهوراً من الشعر :

ـ مات البتاع فلا أفيون يوقظه .. ولا الحشيش ولا برميل كنياك

ضحكنا كثيراً أثناء شربنا للتبلدى والآبرى (الحلومر) التى كانت كما وصفها سالم , اختراع , وكان الأخير تحفة فنية تجمع كلا من المذاقين الحلو والمر معاً حتى أننى قلت لسالم :

ـ إنها ثقافات تستحق الكتابة عنها بالفعل , يكفى أن تكتب عن مشروباتهم المنعشة فقط .

أكد على كلامى قائلاً :

ـ آتى إلى هنا بين الحين والآخر واستمع إلى بعض الأشخاص واجرى بعض الحوارات كصحفى فى الظاهر وكأديب فى الباطن حتى أن الجميع هنا قد اعتاد على رؤيتى وألف وجودى بالمكان , وأقول لك بصدق أنهم أناس طيبون .

قلت له مؤيداً :

ـ كل مغترب عن أرضه من الطيبين يا صديقى .

* * *
* * *
**

w w w .    A    r    a    b    i    c    S    t    o    r    y    . n e t

جميع الحقوق محفوظة لشبكة القصة العربية 2001-2007