[ أهلاً بالضيف الكريم ] 
للتسجيل
أنت الزائر رقم

إحصائيات الموقع

الدول المشاركة
عدد الكتَّاب
عدد النصوص
عدد الكتب
عدد التعليقات
عدد القراءات
عدد التوقيعات
عدد المشتركين
كتَّاب في الانتظار
نصوص في الانتظار
 
بكاء الأجســاد  
التاريخ:  القراءات:(62) قراءة  التعليقات:(0) لا يوجد تعليق  إهداء لصديق طباعة التعليقات أضف للمفضلة

  قصة ، من : ناصر الجاسم  
* * *

في البدء: كل جسد يطمح إلى أن يتماسّ مع جسد آخر يألفه، والطيور وحدها تحسن الاختيار.

لنا دموعنا التي لا ترى، مثل تلك الدموع التي تستقر في أحداق الحيوانات.

وجاء زمن تعبوا فيه، فحملتهم أقدامهم المشعرة إلى ساحة الرقص، حيث الأنوار المعلقة بالسقف تدور فوق رؤوسهم، ليفرغوا هناك على طاولتهم المنعزلة حمل الأيام الماضية، وجوههم البيضاء جديدة على المكان، ومتميزة فيه، وجماعات أخرى متعبة تحتل الطاولات المتبقية تراقبهم، وتقاوم جاذبيتهم الطاغية، وتودّ الاقتراب منهم، والموسيقا الصاخبة تحول بينهم وبين سماع حديثهم المتزن، كانوا ثلاثة يتحدثون، وبداخل نفوسهم ثلاثة آخرين تربّوا على الخوف والصمت، لم ينطقوا، لم يتحركوا، لم يعبروا منذ عشرين سنة خلت، وحين هبط الشاب الأفريقي الأسود ساحة الرقص خرجت الكائنات الثلاثة من قماقمها المظلمة، وبدأت تتحدث والسجائر مشتعلة في أفواهها المثقفة، غمامات التبغ تزيد وجوههم جاذبية في نظر الجماعات المتعبة، فيفقد أفراد منها وقارهم، وسَمْتهم الخاص، ويُبدون إعجابهم بحركات العيون، وابتسامات طويلة مركزة.

تصخبُ الموسيقا أكثر، وتوغلُ في النفاذ إلى الدماء، فينبطحُ الأفريقي في ساحة الرقص، ويروحُ يسحبُ جسده في حركات راقصة متموجة سريعة، فتصفرُ الجماعات المتعبة، وتصفقُ، وتصيح ُبصوت واحد: هيه هيه.

وكان أن أُخِذوا كغيرهم برقص الشاب الأفريقي، فراحوا يصفقون له، ويصفرون، وعيونهم تلمعُ بدموع لا ترى، ثم تحركتْ الكائنات التي بداخل نفوسهم حركتها الأولى، فأنشأوا يرقصون وهم جلوس فوق مقاعدهم، الأفريقي ينشر في المكان وباء الرقص، فيقذفُ بالجماعات المتعبة إلى الساحة، ظلّوا على مقاعدهم يرقصون، ويدخنون، ويشربون الكولا، وجاءت لحظة بقوا فيها جالسين وحدهم، نظروا حولهم فوجدوا الطاولات خالية، نظروا إلى الساحة فوجدوا الأجساد متماسّة.

قرروا أن يُخرجوا أقلامهم المذهبة من جيوبهم، وأن يعبروا على مناديل الورق البيضاء، أسقطوا عيونهم على المناديل، وتحت الأنوار الملونة الدائرة تحركتْ أقلامهم، فكتبوا بشهية وتدفق، وقبل أن تبكي أجسادهم، ويهبطوا ساحة الرقص بثيابهم البيضاء، تركوا ما كتبوه على الطاولة المنعزلة.

مما جاء في منديل الطبيب:

لو شرّحتُ جسد هذا الشاب الأفريقي، لن أجد غير آلات موسيقية تعزف من تلقاء نفسها، بينما لو أتيحَ لي تشريح جسدي، سأجدُ كائنا لم يوظف أجزاءه كلها، كائن يعرفُ أن لكل جزء في الجسد وظيفة معينة يؤديها، حتى الزائدة الدودية، ومع ذلك وظّفَ جهازي التنفس والإخراج، وأهمل جهاز العصب والاستجابة، ثمان سنوات انتهتْ في حفظ أسماء العقاقير والمركبات باللغة اللاتينية، واللغة الإنجليزية، وفي تشريح الكائنات الثدييّة، وشم أبخرة المعامل الخانقة، والنظر في المجاهر إلى الدماء، والفيروسات، والبكتيريا، كان الأولى أن أقضيها في النظر إلى امرأة وأبناء، أي حماقة ووساخة كنتُ أمارسها، كل شيء في حياتي معقم وصحي، ملابسي، أكلي، شربي، أدواتي، أفكاري، وحدها نفسي الملوثة، خائف من المرض دائمًا، كان يفترضُ أن أعيشَ في مكان آخر، وأن أدرك من قبل ثمان سنوات أن الرقص حاجة غريزية يجب أن تلبى .

مما جاء في منديل المهندس:

هذا الشاب الأفريقي حقق في هذه اللحظة ما عجزتُ عنه خلال عشر سنوات أنفقتها لأحصل على شهادتي بكالوريوس في الهندسة والإدارة، إنه شخص عملي استهواه الرقص فرقص، أما أنا فإنسان نظري تعبأ رأسه بنظريات شتى ظل يرددها، ويؤمن بها دون تطبيق، أول حديث لي مع امرأة كان عن فيروسات الحاسوب، وأراء فريدريك تايلور، كم كنت غبيا وجافا! بعد عشر سنوات أكتشفُ أن أي طموح لا يرضي الجسد يعد سخافة مقيدة، الآن فقط أفكرُ تفكيرًا سليمًا، وأرضي الإنسان العملي المعطل بداخلي، وأقررُ الرقص خاليًا رأسي من أية نظريات.

مما جاء في منديل المعلم:

من الأمور التي توجب حسد هؤلاء الأفارقة السود أنهم شعوب لا تعرف الخجل، ولذلك يتصرفون بثقة في النفس وارتياح تام، وهذا الأفريقي الشاب بالـتأكيد إنه أشجع مني، هو شخص واحد، أما أنا فشخصيات عدة، إنها حالة غريبة أن يحبل رجل برجل، ولكن هكذا أنا أحمل في داخلي رجلاً آخر، خمس ساعات في اليوم ألقن تلاميذي أشياء لا أؤمن بها، ألقنهم دون أي تغيير يذكرُ في سلوكهم، وعندما أغادرُ سور المدرسة، أتصرفُ كما يحلو لي، وبعيدًا عن أعينهم، أي تناقض كنتُ أعيشه؟ وأية تفاهات أرددُها على مسامعهم وألزمهم بها؟ قدري أنني أصنع حرماني بنفسي، منحرف أنا، وأبحث عن زوجة مستقيمة، أية أنانية هذه التي أفرضها على الغير، أمي تقول: إنني أتكلم كثيرًا عندما أكون نائمًا بكلام لا تفهمه، وأبي قال عني أنني معقد، وهي قالتْ: إنني ذكي جدًا، أي ذكاء هذا الذي يجعلني أخافُ أن أرقصَ خشية أن يراني أحد تلاميذي؟! بالتأكيد أن لدي رغبة كبيرة في الصياح بأقصى ما تستطيعُ حنجرتي، وأنني سأرقصُ بأقصى ما تستطيع قدماي.

قال الراوي: حين رقصوا جذبوا أجساد أفراد بعض الجماعات المتعبة، وسحبوا الأضواء من الشاب الأفريقي، وكان رقصهم كالبكاء..

* * *


العيون 24/7/1995 م

w w w .    A    r    a    b    i    c    S    t    o    r    y    . n e t

جميع الحقوق محفوظة لشبكة القصة العربية 2001-2007