[ أهلاً بالضيف الكريم ] 
للتسجيل
أنت الزائر رقم

إحصائيات الموقع

الدول المشاركة
عدد الكتَّاب
عدد النصوص
عدد الكتب
عدد التعليقات
عدد القراءات
عدد التوقيعات
عدد المشتركين
كتَّاب في الانتظار
نصوص في الانتظار
 
النــــــداء  
التاريخ:الاثنين 1 يناير 2018  القراءات:(30) قراءة  التعليقات:(0) لا يوجد تعليق  إهداء لصديق طباعة التعليقات أضف للمفضلة

  قصة ، من : ناصر الجاسم  
* * *

واجهة مستشفى النساء والولادة، ولقاح النخيل ينتشرُ في المكان، وينشرُ الحساسية في الصدور، ويوقظُ الرغبة في دمي، ويدعوني إلى فعل أشياء حقيرة وتافهة، إنه الصباح المذبوح بالرطوبة والحر، ومن سيذكرني فيه ؟!

أغمسُ سيجارتي الثالثة المنتهية في حاوية الرمل الخرسانية، وأفكرُ في نوم المساء، وتلك الأثداء الهابطة من حافلات النقل الصغيرة والسيارات الخاصة ترتجُّ عند نزولها من السيارات، وعند صعودها سلّم بوابة دخول المستشفى، وتصرعني من خلف سجنها، ومن خلف السواد. تساءلتُ ودخان السيجارة الرابعة بدأ يفرُّ من فمي:

- هل من الممكن أن أموتَ وليس في ذاكرتي إلا وجه أمي ووجه أختي؟

كم نهدًا صعد السلم هذا الصباح؟

كان مشهد النهود وهي تصعدُ درجات السلم متلفّعة بالسواد يبعثُ على الصياح، بدأت أعدُّ النهود التي تصعدُ سلم الدخول، وحب امرأة متزوجة يجعلني أوقفُ العد، وأخرجُ جهاز النداء من جيبي السفلي، واقرأُ الرسائل الواصلة في شاشة العرض، وأنظرُ في السماء أبحث ُعن أبراج الاتصال، ما زلتُ أوهمُ نفسي بأنها نادتني، وأن الأبراجَ خذلتها وخذلتني.

لم تتوقفْ واجهة المستشفى عن عرض أشياء مبهجة ومثيرة، فقد عرضتْ حشرتين ملونتين تمارسان الحب علنًا وهما طائرتان، وتمارسانه أيضًا وهما هابطتان أمام الملأ، حسدتهما على حرية الفعل، وحرية الحب، وتمنيتُ أن أكون حشرة طائرة بألوان كثيرة، أو بلون واحد، تمنيتُ أن أكون من ذكور الحشرات، أو من ذكور الطيور، أو من ذكور أية دابة أخرى، إذ أن ما يهمني في هذا الصباح، أن أمارس ما أريدُ بحرية، وأن أكون ذكرًا غير معطل الذكورة.

حين رأيتُ بالطو الممرضة الأبيض يخبُ على بلاطات سلم بوابة الدخول من تحت السواد، وهي تصعدُ درجات السلم، تذكرتُ ما قاله لي الطبيب النفساني: سجنُ الشهوة سجنُ للعقل وللروح، أطلقْ شهوتك ينطلقُ عقلك وروحك.

قررتُ أن أطلقَ شهوتي، قادتني قدماي إلى دورة مياه الرجال بداخل المستشفى، دخلتُ الحمّام أجربُ ذكورتي المعطلة، وقلقُ انتظار مجيء الرنين، ووصول الرسالة عبر جهاز النداء، وظهور رقم هاتف المرأة المتزوجة في شاشة العرض قائم، حتى وأنا في دورة المياه. امتلأتْ ثيابي عرقا، فتساءلتُ: أي حزن يسكنُ مائي صباح مساء فيُعيقه عن الخروج من صلبي بسهولة ويسر ؟!

نظرتُ وجهي في المرآة بعدما شعرتُ بالارتياح، ابتسمتُ، وقلتُ لنفسي: ما زال لديّ بعض الوسامة الكافية لجذب أية امرأة قبيحة، إذا لم تنادِني المرأة المتزوجة عبر الجهاز!

كانت دورة المياه قريبة من صالة انتظار الرجال المراجعين للمستشفى مع زوجاتهم وبناتهم، فبعدما مسحتُ عرقي، وأعدتُ هندامي إلى ما كان عليه، وتأكدتُ أن الجهاز في وضع التشغيل، وأنهم لم يوقفوه عن الخدمة، خرجت لأجلس مع المراجعين في صالة الانتظار، ولترتاح ركبتاي من إجهاد الوقوف داخل الحمام، شعرتُ حينها أن الرجال الذين بالصالة كلهم يعرفون الذي فعلتُ، وأنهم ينظرون إليّ باحتقار واشمئزاز، فأطرقتُ رأسي خجلاً، وصرتُ أنظرُ موضع قدميّ، تساءلتُ وأنا مطرقُ:

- هل سيذهبُ شخص آخر إلى هناك، ويفعلُ الذي فعلتُ ؟!

هل من بين المراجعين من فعل هذا الشيء في بيته، وجاء إلى هنا مرتاحا؟

هل ستذهبُ فتاة في الجانب الآخر من المستشفى إلى حمام النساء، وتفعلُ شيئًا شبيهًا بالذي فعلتُ؟

حين سألتُ نفسي السؤال الأخير شعرتُ بالخوف، لا أدري ممن؟ ولكني خفتُ. وحين تأكدتُ أن قدميّ قادرتان على المشي، وأنهما قد عادتا إلى وضعهما الطبيعي، ذهبتُ إلى الوقوف عند واجهة المستشفى، ليكون استقبال إرسال جهاز النداء أقوى، ووقفتُ أعدُّ النهود من جديد، ولا أرى من خلف سجنها، ومن خلف السواد، إلا نهدي المرأة المتزوجة التي أحبها، وقفتُ ساعة أو ساعتين لا أدري، وبدأتُ أفكر ُ في نوم المساء!

جاءت النغمات الصادرة من جيبي السفلي قوية متتابعة، فارتبكتُ، وأظهرتُ جهاز النداء من مخبأه بسرعة، ضغطتُ على مؤشر شاشة العرض، كان النداء قادمًا من أمي، توالت النداءات مرة ثانية، وثالثة ورابعة، ولا أرى في شاشة عرض الأرقام إلا وجه أمي، ووجه أختي...

* * *


الخميس 22/11/1998 م
2/7/1419 هـ

w w w .    A    r    a    b    i    c    S    t    o    r    y    . n e t

جميع الحقوق محفوظة لشبكة القصة العربية 2001-2007